قداسة الغباء – المشهد الثالث


 

قداسة الغباء- المشهد الثالث.
بدلاً من أن يكون الوطن هو بيتنا الكبير والدافئ، صار البيت المهجور من الدفء والأمان. وبدلاً من أن نعيش في كنفه وتحت سقف حبّه المعززين المنعمين المكرمين، أصبحنا لأجله المشردين المهجّرين من بلد إلى بلد نحمل اشتات القهر والحنين.
لكن وقبل أن استرسل وأنزف سيل وجعي من الوطن علينا أولاً أن نفهم ما هو الوطن وما معناه في قاموس جراح المعاني، ومعاجم الألم ونقلب في كل التفاسير التي شرحت وفسرت معنى الوطن.
إن كان الوطن هو الأهل والبيوت والحجارة والحارات والطفولة والذكريات فالحمد الله والشكر للطغاة فقد تهدمت الحارات برمتها وأصبحت ذكرياتنا تحت حطام الحرب ولم يعد هناك ذكريات ولم يبق لنا فيه حارات.
وإن كان الوطن هو الجيران فالجيران قد تفرقوا منهم من مات موتاً باهتاً بلا معنى، ومنهم من هاجر مرغماً، ومنهم من ترك الوطن طواعية حين أصبح الوطن مقبرة مفتوحة البطن لا تشبع من التهام الموتى، ومنهم من بقيّ يلبس لثام الولاء والانتماء لتراب الوطن حين لم يجد في النزوح ما هو افضل، وحين رأى جموع اللاجئين أشد تعاسة منه.
إن كان الوطن هو المباني والمعالم الأثرية والمرافق العامة فهي منذ البدء لم تكن من حق المواطن ولا يملك فيها المواطن مسماراً ولا مثقال ذرة؛ فهي من حق الدولة ومن يحكم الدولة والحاشية حتى الدرجة السابعة؛ وحتى هذه قد تهدم نصفها ففي مدن كثيرة من الوطن لم يبق منها سوى أطلالاً وهياكل تترنح وما بقيّ على قيد الأرض ولم ينهدم صار وكراً للزنادقة ومأوى للملاعين.
إن كان الوطن هو النفط والغاز والمواد الخام وحقول القمح والقطن فهي ليست من حق المواطن ولا يأخذ منها أكثر من ربطة خبز ونصف برميل ملوث يقف لأجلهما في طابور مرير لينال منهما ما يقدر أن يناله فلا النفط له ولا القمح له وحتى الهواء له فقد وضعوا على حدود الهواء جمارك يجمركون حبّاته ويهبون للمواطن ما يجعله على قيد الحياة لا أكثر.
فطالما أننا لا نملك من الوطن لا بيت آمن ولا مواد خام ترفع من دخل المواطن، وليس لنا فيه أي حق فما الذي يجعله بالنسبة لنا مقدساً، والموت في سبيله شهادة؟ ولأجل من مات ويموت المساكين؟
منذ بدء الخليقة إلى يومنا هذا والوطن بما فيه وما عليه كلها لمن يحكمه ولمن يبسط عليه قوته وسلطانه؛ ففي كل العهود والعصور كان وما زال الحاكم هو وحاشيته من يملكون السلطة المطلقة على الدولة أملاكاً ورعية، وكل الحروب التي عُقدت على هذه الأرض الملعونة وما حدث عليها من موت وسفك للدماء كلها كانت من أجل حماية عرش السلطان.
الحاكم يجلس في قصره الفاره تلف عرشه الجواري والحسان، والرعاع والبسطاء هم الذين يخرجون ارتالاً للقنال والموت في سبيل أبقاء عرشه وهيبته، وأغلب الحروب التي وقعت هي من أجل حالات مزاجية يعاني منها السلاطين المخابيل والملوك المهابيل بينما الدراويش هم الذين يدفعون ضريبة تلك المزاجية وحالات جنون العظمة، ولكي يبرروا هذا الموت للدراويش ابتكروا فكرة ما يسمى بالوطن المقدس، أو الموت المقدس ودعموا كهنة السلطان فكرتهم وغطوها بوشاح مزكرش نقشوا عليه عبارة ” الشهادة في سبيل الوطن”
الوطن في صورته الحقيقية هو الأصنام والتماثيل والصور الضخمة للحاكم، وحتى الذين يدّعون بأن التصوير والرسم حرام هم يرسمون ويصورون ملوكهم بمقاسات شاهقة يعلقونها على الأبراج ليخر لها المواطن ساجدا عابداً إن لم يكن طواعية يكون السجود لها بالقهر والإذلال.
الوطن هو قصيدة ومعانٍ مجازية وحالة هروب نفسية يلوذ إليها الشعراء حين يقرصهم برد الحنين ويلسعهم حر الشوق إلى ذاكرتهم الأولى ليتغنوا بقداسته. فصار حب الوطن وظيفة يمارسها من لا يملك وظيفة أو عمل يقوم به.
الوطن هو شعارات رنانة واستعارات وكنايات وجناس وطباق وغباء يحمل صفة القداسة مغلف بقماش الحب المفتوق.
الوطن أكذوبة عشناها لعهود وقرون ومؤخرا وبعد فوات الأوان وبعد أن ماتت الملايين وتشردت الملايين اكتشفنا تلك الأكذوبة وعرفنا بأن الوطن مجرد خيال نهرب إلى معناه ونلجأ إليه ونصب فيه جام الحنين واللهفة لنستعرض عضلات حروفنا ونبرم أمام الآخرين بشوارب ولائنا لهذا الوطن المقدس.
لمن الوطن؟
إنه للحاكم ولثلة من الفاسدين الذين يملكون كل ما فيه ولا ينال البسطاء منه إلا فتات الموت والجوع والقهر.
أين الوطن؟
إنه يسكن في قصور الملوك والحكام ينام على سرير وافر الدفء بأغطية من حرير وزبرجد ويأكل مما طاب ولذ والمواطن ينام على أرصفة الذل واللجوء يأكل كسر خبز يابسة تتساقط من أفواه الطيور وويقف على قارعات الحنين يتغنى بحب الوطن.
أي غباء عشنا به وما نزال نعيش به، كل يوم منذ الصباح إلى أخر نجمة تصاب بالنعاس ونحن نثرثر:
صباحك وطن ..
مساؤك وطن ..
سيعود الوطن كما كان وأجمل ..
عشق الوطن عبادة …
فتباً لهذا المعشوق، وتباً لمن يملكه وتباً لوطن لا ننام فيه ولا نأكل منه حبة قمح بسلام، ونحمل لعنته وقهره حيث نكون.
الوطن:
مجرد جواز سفر نجدده بالعملة الأجنبية لا بعملته، لننال على تاريخ انتهاء صلاحية الانتماء له. وكلما انتهت صلاحية الانتماء نعود لنقف في طابور طويل لنجدد هذا الانتماء بالدولار وثمن الانتماء يصب في خزينة الدولة وخزينة الدولة ومفتاحها لدى الحاكم؛ أهذا هو الوطن الذي نعشقه ونقدّس موتنا الغبي لأجله؟
وبعد أن عرفنا بأننا قد خدعنا بما يسمى بالوطن المقدس راح كل واحد منا يبحث له عن وطن بديل يعوضه حرمانه من الوطن المجازي وينتهي من قداسة الغباء ويتحرر من جاهلية مشاعره وعبودية عواطفه.
الوطن الحقيقي في حب دافئ نلوذ إليه ونلجأ إليه دون أن يذلنا حرس الحدود ودون أن يسألنا موظف المطار عن التأشيرة ودون أن يقلب في أوراق جواز السفر.
الوطن في ضحكة طفلة تضحك ببراءة بدون زيف وخداع تصير ضحكتها هي الوطن وهي المنفى لقلوبنا التي حرموها من لذة الأمان.
الوطن هو حضن امرأة تلف ضلوعنا وتشعل لنا موقد الدفء في أوردتنا المتشنجة من برد الغربة وهواء الاغتراب.
الوطن هو مواقفنا ومبادئنا العريضة وسلوكنا النبيل مع الآخرين، الوطن قد تعيش معناه في مشهد صغير أو في تفاصيل عادية.
أما الوطن الذي نحمل بلا إرادة ولا اختيار هويته هو:
سوط وجلاد، هو سجن وسجان وقضبان وعتمة، هو حدود ضيقة وأسلاك شائكة، هوية ممزقة ولعنة كبرى نحملها من بلد لآخر، حنين لا ينقطع عنا وجعه، نموت عبثاً في سبيله كما تموت الققط على الطريق السريع، ونوهم أنفسنا بأن الموت لأجله مقدساً.

لا تعليقات

اترك رد