المشاركة الاقتصادية للمرأة العربية – قياس.. وتمكين

 

لا شك أن المرأة العربية تسير اليوم إلى الأمام ،فقد تحقق لها المزيد من الحقوق ربما واثبات الذات عن كفاءة وجدارة ، وهذا لا يعنى أن المرأة فى كل الدول العربية قد قطعت الشوط نفسه فى سبيل تحقيق أهدافها ، فهنالك اختلاف فى المكتسبات حسب طبيعة بيئتها ومجتمعها ، إلا أن الأكيد أن صوت المرأة العربية قد بات أكثر امتداداً وقوة عما كان عليه فى الماضي ، اليوم هى أكثر علماً وانخراطاً فى الانتاجية وفى الشأن العام وفى تقرير مصيرها ، لكن الطريق أمامها مازال طويلاً ، وهناك العديد من التحديات التى لازالت تواجهها والتى ترتبط ارتباطاً مباشراً بحالة الفقر بمعناه الواسع ، وقد أوضح المؤتمر العالمى لحقوق الانسان أن حقوق المرأة هى جزء من حقوق الانسان ، وبالتالى حقوق الانسان يجب أن تكون شاملة ومستقلة وغير مرتبطة بنوع الجنس ، وقد أكد المؤتمر الدولي للسكان والتنمية (1994) على أهمية تمكين المرأة لانجاح أى سياسات انمائية ، وأن أحد أهداف المؤتمر هو تحسين نوعية حياة المجتمع ككل عن طريق سياسات وبرامج انمائية وسكانية تهدف إلى الحد من الفقر.

كما، وأكد المؤتمر العالمى الرابع للمرأة (1995) على أن عدم المساواة بين الجنسين لا يستشري فى المتغيرات الاقتصادية فقط ، ولكن فى المتغيرات الاجتماعية أيضاً حيث محدودية الوصول إلى الخدمات الصحية والتعليمية ،ونظم المساعدات الاجتماعية حسب النوع، وأن أحد أسباب فقر المرأة ونتيجته هو غياب المرأة عن عملية صنع القرار ، يعنى تمكين المرأة بالمعنى المطلوب عالمياً ، وهو اعطاؤها من السيطرة والتحكم فى حياتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ،وحقها فى اتخاذ القرارات المتعلقة بالانجاب ، والوقاية من الممارسات الجنسية والانجابية غير المأمونة ، واتاحة جميع الفرص لحصولها على المشورة والمعلومات والخدمات .

لقد أصبح تمكين المرأة ودعم المساواة بين الجنسين من أهم الأهداف التى تسعى إليها كل الدول العربية ، كما أنه أحد أهداف التنمية المستدامة ، وإن قلنا أن العالم العربي قد تقدم إلى حد ما فى تحقيق هذا الهدف إلا أن عدم المساواة بين الجنسين ظل يشكل سمة رئيسية فى المنطقة العربية ، ومازالت الدول العربية الأدنى فى العالم بالنسبة للمشاركة الاقتصادية للمرأة .

يعنى التمكين الاقتصادى للمرأة ،التوزيع النسبي لكل من الرجل والمرأة فى الوظائف الادارية والتنظيمية والمهنية ، والتوزيع النسبي للدخل المكتسب بواسطة السكان النشيطين اقتصادياً من الجنسين ،والأجور النسبية للاناث مقارنة بالذكور ، وهذا لا يتحقق إلا اذا كان للمرأة دخل خاص ومنتظم .

ويتحدد مستوى تمكين المرأة بثلاث مستويات :
-المستوى الفردي والذى يعبر عن قدرة النساء على السيطرة على حياتهن،ادراكهن واحساسهن بقيمتهن وقدراتهن ،وقدرة المرأة على تحديد هدفها والعمل على تحقيقه .

-المستوى الجماعى : يعكس قدرة النساء على تنظيم أنفسهن والعمل الجماعى واحساسهن بقوتهن فى تجمعهن.

-مستوى المناخ السياسي والاجتماعى والقواعد الاجتماعية والحوار العام حول ما يمكن أو لا يمكن للمرأة القيام به .
وتقاس مؤشرات التمكين الاقتصادي بحسب :
-التغير فى نسبة معدلات التوظيف ، الفرق فى المرتبات والأجور بين النساء والرجال .
-النسبة المئوية للملكية ، النسبة المئوية للمصروفات على الصحة والتعليم .
-النسبة المئوية للفرص المتوافرة للمرأة لتطوير قدراتها التقنية ، كالخدمات الفنية المقدمة من قبل الحكومة أو المصادر غير الحكومية .

وفى دراسة حديثة أعدها الاتحاد النسائي العربي ، وتم عرض نتائجها منذ أيام تطبيقاً على ست دول عربية هى :” مصر-السعودية-البحرين-الجزائر-تونس-السودان” .

وكجزء من التزامات الاتحاد النسائي العربي اتجاه تعزيز مكانة وموارد المرأة العربية للمشاركة فى تنمية المجتمع ، قام ببناء مقياس للتمكين الاقتصادي للمرأة العربية “AWEEI” ، وهو الأول من نوعه فى المنطقة ، ويستند بناء هذا المقياس على ما سبق انجازه فى هذا المجال ، وخاصة من قبل برنامج الأمم المتحدة الانمائي، تشمل تلك المجهودات مؤشر التنمية الخاص بالجنسين “GDI” ، ومقياس التمكين القائم على النوع ” GEM” ، ومقياس الفجوة بين الجنسين الخاص بالمنتدى الاقتصادي العالمى ، وتشمل تلك المجهودات كذك مقياس فرص التمكين الاقتصادي للمرأة “EOI” .

وقد تم تحديد 19 مؤشراً لقياس ملامح البيئة المؤثرة على التمكين الاقتصادي للمرأة العربية ، قسمت هذه المؤشرات إلى سبع مجموعات هى مجموعة المشاركة الاقتصادية ، وتشمل أربعة مؤشرات ، ومجموعة حرية الحركة وتشمل ست مؤشرات، ومجموعة القرارات الخاصة وادارة شؤونها وتشمل ثلاثة مؤشرات، ومجموعة المشاركة الاجتماعية والسياسيةوتشمل مؤشراً واحدً، العنف الأسري خاصة، الموجه من الزوج ويشمل مؤشرين، ومجموعة مقاومة التحرش الجنسي فى الأماكن العامة وتشمل مؤشرين، ومجموعة قيمة التعليم الأساسي وتشمل مؤشراً واحداً.

و تم تطبيق المقياس واختباره فى دراسة لعينة تبلغ “500” امرأة من ست دول عربية ، تم اختيارها وفق عاملين ، العامل الأول هو التقسيم الجغرافي بين الدول، والثانى هو ما تقدمه كل دولة من تسهيلات تساعد على تمكين النساء بها ، ويمثل العاملان اختلافاً بين الدول العربية له علاقة وثيقة بموضوع القياس .

وكعينة عمدية من كل دولة من الدول الست المختارة باجمالى “3000” امرأة، تم مراعاة الفئة العمرية والحالة الاجتماعية ، والاختلاف فى المستوى الاقتصادي ، والتوزيع الجغرافي، والخلفية الثقافية والاثنية .

وقد تم جمع البيانات فى دول الدراسة فى يوليو2017 ، حيث غطت عملية الجمع ثلاثة أشهر.

وبالنظر لوضع الدول العربية ضمن الدراسة طبقاً لمؤشرات التمكين الرئيسية التى تم اعتمادها وهى :
– المشاركة الاقتصادية
– حرية التنقل
– القرار داخل الأسرة
– المشاركة المجتمعية والسياسية
– مقاومة العنف العائلي
– مقاومة العنف فى الأماكن العامة
– قيمة التعليم الأساسي

في قراءة سريعة لأهم النتائج ، نجد مقياس التمكين الاقتصادي للمرأة العربية
من حيث ترتيب الدول ، احتلت البحرين المرتبة الأولى بينما جاءت مصر فى ذيل القائمة بفارق 16 نقطة ، شاركت كل من السعودية وتونس نفس النتيجة بينما تقارب أداء السودان منهما وتقدمت على أداء الجزائر بفارق 7 نقاط .

وتصدرت البحرين الدول الأخري من حيث مؤشرات مقياس التمكين الاقتصادي للمرأة العربية الستة ، فجاءت فى المرتبة الأولى فى المشاركة الاقتصادية ، وقيمة التعليم الأساسي والمرتبة الثانية فى حرية التنقل والقرار داخل الأسرة ومقاومة العنف فى الأماكن العامة .

احتلت مصر المرتبة الأخيرة فى حرية التنقل ومقاومة العنف فى الأماكن العامة ، وجاءت فى المركز الخامس فى المشاركة الاقتصادية ، والقرار فى الأسرة والمشاركة الاجتماعية والسياسية وقيمة التعليم الأساسي ، أما السودان فتنتقل بين المركز الثالث والرابع فيما عدا مؤشري مقاومة العنف .

من ناحية أخري لم يكن أداء السعودية وتونس والجزائر متسقاً بين السبع مجموعات لمؤشرات المقياس حيث حققت هذه الدول المرتبة الأولى فى بعض المؤشرات والمرتبة الأخيرة فى مؤشرات أخري .

فى هذا السياق احتلت السعودية المرتبة الأولى فى مؤشر القرار داخل الأسرة ،ومؤشر مقاومة العنف العائلى ، وجاءت فى المرتبة الثانية فى مؤشر المشاركة الاقتصادية والمرتبة الثالثة فى مؤشر مقاومة العنف فى الأماكن العامة ، والرابعة فى مؤشر قيمة التعليم الأساسي ، وأخيراً المرتبة الخامسة فى مؤشر حرية التنقل ،والسادسة فى المشاركة الاجتماعية والسياسية.

أما تونس فقد احتلت المرتبة الأولى فى حرية التنقل ، والثانية فى المشاركة الاجتماعية والسياسية، والثالثة فى القرار داخل الأسرة، والرابعة فى المشاركة الاقتصادية والخامسة فى مؤشري العنف ، والسادسة فى قيمة التعليم الأساسي .

وأخيراً الجزائر التى تضطلع بآخر ثلاث مراكز فى خمس مؤشرات لمقياس التمكين الاقتصادي للمرأة العربية ، ولكنها فى المرتبة الأولى فى المشاركة الاجتماعية والسياسية، والمرتبة الثانية فى قيمة التعليم الأساسي .

وأيضاً من بين النتائج التى يمكن الوقوف عندها :

-تتراوح نسبة النساء اللاتى يحققن دخلاً ثابثاُ من 71% فى البحرين إلى 21% فى الجزائر ، كما تتابين نسبة حرية التصرف فى الدخل الثابت من 89% إلى البحرين إلى 46% فى تونس ، وتتراوح نسبة حرية التصرف فى الارث من 90% فى السعودية إلى 58% فى الجزائر.

– تتراوح نسبة سفر المرأة وحدها دون إذن من 1% فى الجزائر إلى 12% فى تونس ،أاما السفر بوجود مرافق فيتراوح من 26% فى تونس إلى 75% فى كل من السعودية ومصر .
-بالنسبة للخروج بمفردها مع الأصدقاء حققت البحرين 90% ومصر55,6% والجزائر54,6 %
-تتراوح نسبة اتخاذ قرار الزواج وحدها من 27% فى السعودية إلى 3% فى الجزائر .

وما يمكن ملاحظته هنا وبالاستناد على نتائج المقابلات المتعمقة هنا :
-أن تونس قد حققت معدلاً منخفضاً فى حرية التصرف فى دخولهن بسبب انتشار الملكية المشتركة بين الزوجين وبناء عليه يعتبر أى دخل يتحصل عليه الزوج أو الزوجة ملكية مشتركة للعائلة ، ويعد هذا الامر من أعلى درجات التمكين بالنسبة للمجتمع التونسي .

– قد يرجع سبب ارتفاع سفر النساء فى تونس دون اذن إلى التغيير فى نظام التعليم فى فترة رئاسة الحبيب بورقيبة الذى أدى إلى تحسن فى وضع المرأة .
– قد يرجع سبب تحقيق السودان لمعدلات عالية فى حق القتيات فى اختيار اواجهن بمفردهن أو بعد مشاورة الأسرة إلى انخفاض معدل الأمية فى السودان ، وزيادة الوعى لديهن وتعديل القانون فى صالح المرأة السودانية ، الأمر الذى أعطاهن ثقة أكبر بأنفسهم وحرية اختيار الزوج .
– يمكن تفسير ارتفاع معدل المشاركة الاجتماعية والسياسية للمرأة الجزائرية بسبب تاريخهن الطويل فى محاربة الاستعمار .
– تؤمن كل الدول العربية تقريباً بأهمية التعليم الأساسي فى حياتهم اليومية ،تتراوح النسب مابين (98%) فى البحرين، و(89,4%) فى مصر.
ربما كانت النتائج بهذا الشكل غير متوقعة للبعض ، لكن وككل جهد له نقاط ضعف وقوة ، أتت هذه الدراسة وهى من الدراسات القليلة عربياً التى تركز على التمكين الاقتصادي للمرأة ، وتعتمد مؤشرات قياس واضحة .

إن دعم التمكين الاقتصادى للمرأة يمكن أن يسهم بقوة فى النمو الاقتصادى ، ويزيد من القدرة التنافسية فى منطقة البلاد العربية ، ويعزز تحقيق مجتمع أكثر عدالة، ويسهم فى تنفيذ أجندة التنمية المستدامة 2030.

فالبرامج والسياسات التى تهدف إلى تحسين أوضاع المرأة فى العالم العربي يجب أن تولى أبلغ الاهتمام إلى أداوت قياس التمكين الاقتصادي للمرأة ، حيث يضمن القياس المنتظم للتقدم فى عملية التمكين الاقتصادي للمرأة التقييم العادل لفاعلية البرامج والسياسات المعمول بها على المستويين الجزئي والكلى .

ولتعزيز المشاركة الاقتصاية للمرأة :
– يتطلب احراز تقدم سريع ومطرد لدعم المشاركة الاقتصادية للمرأة ، الاعتراف بالترابط بين السياسات والمؤسسات المختلفة والعمل على هذا الأساس .
-المشاركة الاقتصادية للمرأة لا يكون بوضع استراتيجيات للنموتؤدي إلى فرص العمل أو اتباع سياسات اجتماعية شاملة ، أو حتى اصلاح السياسة العامة فحسب ، بل لابد أيضاً من التنسيق بين الحكومية والقطاع الخاص والمجتمع المدنى لتحقيق الأثر المرجو غير أن هذا التكامل لا يولد تلقائياً ، بل يتطلب تصميم سياسات اقتصادية واجتماعية تدعم المشاركة الاقتصادية للمرأة .

– العمل وفقا لسياسات اقتصادية تعزز قدرة المرأة على المشاركة الاقتصادية :

1. النمو الاقتصادي ،حيث خلق بيئة ملائمة لتشجيع الاستثمار بغرض خلق فرص منتجة وعادلة ، ورفع معدل النمو الاقتصادى وتشجيع النمو المحفز للتشغيل يرعى العدالة .
2.العمل على تنمية القطاع غير الرسمي ، تحسين البنية الأساسية التى يعمل فيها هذا القطاع ، وتوفير الحماية الاجتماعية والصحية للعاملين /ات بهذا القطاع ،توفير قنوات التمويل اللازمة مع تنوعها ، توسيع الخيارات للمرأة محدودة المهارات ومحدودة الدخل .
3. بناء رأس المال البشري ،ربط التعليم وبرامج محو الأمية باحتياجات سوق العمل
4. بناء حماية اجتماعية فعالة ذات كفاءة، زيادة تغطية تحويلات برامج الحماية الاجتماعية الموجهة للأسر الفقيرة وأطفالها وكذلك مقدارها .

Sent from my iPad

لا تعليقات

اترك رد