هل صحيح أن العرب أمة لا تقرأ ؟


 

العرب لا يقرأون و إذا قرأوا لا يفهمون و إذا فهموا لا يطبقون… بمجرد أن تلفظ بها وزير حرب العدو الصهيوني موشي دايان في أعقاب حرب حزيران 1967 مختالاً فخوراً بنصره الكاسح حتى تلقفناها من فمه و جعلناها سوطاً لجلد الذات و تعنيفها و لو قالها مصلح عربي لما التفت إليه أحد . لكن هل هناك إحصائية نستطيع الركون إليها لمعرفة حقيقة الأمر ؟ هل صحيح أننا ( أمةٌ لا تقرأ ) أو أمةُ ( لا تقرأ ) رغم أن الغالبية العظمى يدينون بدين ( إقرأ ) ؟ نعم هناك إحصائية ظهرت بعد مقولة دايان ب 44 سنة حيث ذكرت مؤسسة الفكر العربي في تقرير لها عام 2011 عن التنمية الثقافية و تناقلتها وسائل الإعلام العطشى لمثل هذه الأرقام بعد أن جف ضرع موشي دايان ( مات 1981 ) تقول أن العربي يقرأ في السنة ست دقائق مستعرضة أرقاماً فلكية للقارئ الياباني و الأوربي و طبعاً الأمريكي ( و هل يخفى القمر ) دون أن تذكر لنا ماذا يقرأ الأمريكي بالضبط و قد شاهدناه في محطات الأوتوبيس و الحدائق العامة يحل الكلمات المتقاطعة أو في أفضل حالاته يتابع أخبار كرة القدم الأمريكية في الصحف الرياضية . لا أعرف هذه المؤسسة و لا أمثالها من الأسماء الطنانة الرنانة لكن مثل هذه الأرقام كيف يمكن الحصول عليها ؟ إذا كانت العين العشوائية هي المقياس فلا أهمية لهذه الإحصائيات على الإطلاق ( العين العشوائية هي أن تسأل عشرة أشخاص تلتقيهم عشوائياً في أماكن مختلفة و تسألهم كم دقيقة تقرأ في اليوم و تضرب الناتج في 360 ثم تستخرج النسبة المئوية ) ، عشرات و ربما مئات المقالات و الأفلام و البرامج التلفزيونية تحدثت عن موضوع الدقائق الست هذا لكن أحداً لم يرفع سماعة التلفون ليسأل منظمة اليونسكو عن صحة هذه الادعاءات التي كذبتها المنظمة الدولية .

لكني أدعي أن لدي أرقاماً مخالفة من جهات أخرى قد تضعنا أمام الصورة الحقيقية لحجم قراءة الإنسان العربي و هي أحدث أرقام يمكنكم الإطلاع عليها على الإطلاق .

لقد أتيحت لي فرصة زيارة معرض إسطنبول للكتاب العربي في دورته الرابعة الذي أقيم على مدى تسعة أيام ، ( 1- 9 ) أيلول 2018 ، زار المعرض أكثر من 63 ألف زائر من الجالية العربية في إسطنبول من مختلف الفئات العمرية أي بمعدل 7000 زائر يومياً . و هو رقم فاق توقعات مدير المعرض محمد أقجة بأن يزور المعرض خمسون ألفا و هو رقم كبير قياساً بحجم الجالية العربية كثيرة التنوع في هذه المدينة حيث يصل تعدادهم الى حوالي 4 ملايين مقيم على اختلاف أسباب الإقامة و طالب لجوء من شمال أفريقيا حتى جنوب الخليج العربي ناهيك عن السائحين . شاركت في المعرض الذي يعد أكبر حدث ثقافي عربي في تركيا نحو 207 دار نشر من 16 دولة حول العالم منها 3 أجنبية و 13 عربية كان لمصر حصة الأسد بمشاركة 62 دار نشر ثم لبنان 36 ، الأردن 23 من ، سوريا 17 ، المملكة العربية السعودية ب 8 دور نشر و الإمارات العربية المتحدة ب 4 دور نشر، ، فضلًا عن 39 دار نشر عربية موجودة في تركيا ( العراق 0 )، وعقدت 25 اتفاقية للترجمة من التركية إلى العربية و بالعكس و بيع نحو 50 % من الكتب المعروضة. أنا نفسي عثرت على روايتين لجورج أرويل هما ( مزرعة الحيوانات ) و ( 1984 ) وضعتهما في كيس نايلون و خرجت سعيداً بهما !

أقيمت في المعرض أكثر من 70 فعالية ونشاطاً شملت محاضرات وندوات وأمسيات ومنصات توقيع وورش أدبية وثقافية وشعرية و معرض رسم ضم 50 لوحة ل 34 رساماً إضافة لعشرات الفعاليات الخاصة بالأطفال . حضورالأطفال بحد ذاته كان مميزاً إذ كان منظرهم و هم يحملون هداياهم من كتب الأطفال فرحين تعكس حرص العائلة العربية على تنمية حب المطالعة لدى أبنائها ، وشارك أكثر من 22 ألف طفل عربي بأنشطة مختلفة خلال أيام المعرض ، وغطت المعرض المقام على مساحة قدرها 6500 متراً مربعاً أكثر من 65 وسيلة إعلامية بين قناة تلفزيونية فضائية وإذاعة ووكالة أنباء وموقع وصحيفة و زارته أكثر من 40 شخصية سياسية وعلمية وثقافية عربية وتركية .

السؤال الآن ماذا فعل 63 ألف زائر بنصف الكتب التي عرضت على مساحة 6500 متراً مربعاً في تسعة أيام إذا كانوا لا يقرأون أكثر من ستة دقائق في السنة و هي مدة لا تكفي لقراءة إشارات الطريق و إرشادات المرور ليوم واحد ؟

دعوني أصحح السؤال

كم بلد عربي يقيم مثل هذا المعرض لمواطنيه و ينقلهم من و إلى مركز المدينة مجاناً بباصات مكيفة ؟

بعبارة أخرى ، ما هي خطط أنظمتنا العربية ” الحالية ” لتشجيع النشئ الجديد على القراءة ، ما هي خطط وزارات التربية و التعليم ؟ لقد قلت ” الحالية ” لأني أريد المقارنة مع أيام زمان ، في مدرستي المتوسطة ، متوسطة المثنى في الأعظمية ، و التي تحولت إلى كراج كما سمعت كانت لدينا مكتبة يشرف عليها مدرس اللغة العربية و كانت أعمارنا بين 13 – 16 عاماً عندما كنا نلخص الروايات التي نقرأها لنتلوها في درس التعبير و الإنشاء و كنا نقضي أوقات فراغنا في مكتبة الأعظمية القريبة و نتلصص على ما يتلى من قصائد في اتحاد الأدباء القريب من مكتبة الصباح – آنذاك – حتى ” قفشنا ” الأديب الراحل عبد الصاحب الملائكة ذات يوم فدعانا ضاحكاً للدخول و الجلوس على الكراسي مثل الكبار بل و نتلو قصائدنا أيضاً إذا كان لدينا بعضٌ منها … فماذا يفعل أقراننا اليوم هناك ؟

إنطلاقاً مما شاهدته بنفسي أستطيع الإستنتاج واثقاً أننا أمة تقرأ لكن أنظمتنا التي تحول المدارس إلى كراجات و تحول الطابور الصباحي و رفعة العلم ( الإصطفاف ) إلى مجلس عزاء و حلقة لطم لعداء مزمن لها مع العلم و التعلم لا بد أن يكون لها دور في دعم و ترويج مثل هذه الإحصائيات و المؤسسات التي تتبناها إذ لا يبدو أن تلك المؤسسات كانت لديها نيات سليمة لتحفيز رغبة القراءة لدى الناس و خاصة النشئ الجديد بل الإساءة لنا بأرقام ملفقة وهنا تلتقي مع سياسة التجهيل التي تتبعها هذه الأنظمة .

نحن أمة تقرأ ، بالسر ، بالعلانية تقرأ ، و حالما تتاح لنا فرصة خارج بلداننا الموبوءة بأنظمة الجهل تتفتق قرائحنا إبداعاً . هذا ما رأيته بأم عيني ، أما هذه الإحصائيات فيستطيعون نقعها و شرب نقيعها .

المقال السابقبدران باري يترك للون رغباته … و للوجع رجفاته
المقال التالىيوم المباركة
عماد عبود عباس كاتب عراقي عضو عامل في نقابة الصحفيين العراقيين 1974 وعضو اتحاد الصحفيين العرب و الاتحاد الدولي للصحافة İFJ اكمل دراسته في جامعة سراييفو في يوغسلافيا السابقة عمل في مجال الاعلام مدير تحرير و مذيعا و منتج برامج، يكتب العمود الصحفي و المقالة في عدد من الصحف و المواقع الالكترونية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد