تأملات في سينما بازوليني ومفهومه للسينما الشعرية ج 1


 

ظهرت التجربة الشعرية مبكرة لدى بير باولو بازوليني الذي عانى غياب الأب المجند بحروب في أفريقيا، عاش بازوليني ملتصقاً بأمه وتنقل بين مدن إيطالية مختلفة ثم سكن بمنطقة ريفية وهناك اكتشف حياة أخرى لا تشبه المدن، ومن هذا المكان حيث الفلاحة والبساطة والأرض والتعب تولدت لديه قناعه أنه سيصبح شاعر شعبي ليعبر عن كل هذا ولينتصر للبسطاء والمحرومين ويكون صوتهم ضد البرجوازية والتهميش ويخلق لهم لحظات سعادة وأمل.
كانت لهجة الناس البسطاء مختلفة وعكس لغة الكتابة والأدب والسينما، من هنا بدأت تباشير التمرد في نفس بازوليني والتفكير بإعادة تركيب وتشكيل لغة الشعر لتكون قريبة من الفلاحين والبسطاء والطبقة المطحونة المهمشة.
من هنا كبرت الرغبة ليترجمها في تجربة شعرية أكثر تعمقاً بمجتمع البسطاء الأغلبية كون ما يكتب في لغة فخمة وبرجوازية لا يصل إلى أغلبية الشعب ولا يعبر عنهم، في البداية ظن بازوليني أنه سيكتب ليصف المناظر أو حكايات درامية من حياة البؤساء ويعبر عن ألمهم لكنه إكتشف أن عليه أن يعبر عن روح هذا العالم وليس مظهره الخارجي وواقعه السطحي المرئي، بدأ بازوليني الكتابة بلهجة فريول بالشمال الشرقي من ايطاليا حيث أسس مدرسة لمساعد الشباب في 1949 ولكن ميولاته الجنسية المثلية وبسبب شكاية بأنه مارس الجنس مع بعض الشباب لذلك يطرد ويضطر الذهاب إلى روما.
في روما وجد الفضاء الأكثر رحابة ليمارس أنشطته الإبداعية، وليرمم جراحه وهنا يعمل كصحفي ثم تنضج تجربته الشعرية ثم ليدخل عالم السينما.

قبل البداية عن حديثنا عنه كسينمائي ومنظر للسينما الشعرية فعلينا ربما أن نتوقف مع كشاعر ومفهومه للشعر، يرى بازوليني أن الشعر أداة ثورية لذلك تأثر بازوليني بتجارب كبار الشعراء في إيطاليا وفرنسا وأسبانيا، بازوليني يمكن وصفه بمؤسس موجة شعرية لها نظرة خاصة للعالم والكون، فهو حاول فهم الكون ككل، بحيث حاول تغيير نظرة الكتاب والشعراء لما حاولهم ولم يكن هذا فقط عبر نظم ونشر أشعاره الشعبية بل بكتابة النقد في أشهر المجلات الأدبية ونشر أبحاث عن الأنثروبولوجيا الشعبية ولم يكن هذا مجرد جهد أدبي بل سياسي أيضا أثار عليه عدواة الكثير من الفاشيست، بازوليني كناقد للشعر أو الرواية وكاتب روائي وشاعر ومهتم باللغة وعلومها ورجل يساري كل حركته كانت تصب لقراءة الواقع الشعبي وما وراء هذا الواقع، فهو كما في روايته الأولى عرض نماذج لشخصيات من قاع الهامش وعرض طريقة كلامهم ولهجتهم وكان هذا يحدث لأول مرة أن تظهر هكذا شخصيات وكلام على مسرح الرواية الإيطالية.

كان بازوليني يسجل ويصور طبقة الهامش ثم يتأمل ويحلل ويعرض ليس لمجرد عرض دراما مؤلمة لكنه كان يبحث عن طرق ووسائل إدماج هذه الطبقات بالمجتمع ورفع مستوام وإيصال صوتهم.
سينما الشعر والحقيقة
سينما بازوليني تتعمق في النفس الإنسانية وتنظر للجميع بالمساوة وما هو طبيعي ليس طبيعياً من وجهة نظره أي أن هذا الواقع الاجتماعي ليس قدراً أبدياً يجب التسليم والخضوع له ومعايشته دون السعي لمعرفة أسبابه وما وراءه وتغييره، في أفلامه لا يوجد وسط أو نصف الحقيقة فقط، فهو يذهب إلى أعمق وأقصى الواقع وأفلامه مفعمة بالتراجيديا ولكنها تراجيديا عصرية وواقعية وتحمل بصمات كوميديا سوداء وليست متخيلة أو مزخرفة أو منقولة من تراجيديات قديمة.
يضع بازوليني في حساباته المتفرج من الهامش ومن الطبقة الوسطى وبوسع هؤلاء فهم أفلام بازوليني ولكن كل فيلم يحوي دلالات بليغة قد نختلف أو نتفق في فهمها، فهناك دلالات بالغة التعقيد تحتاج لتأمل وذكاء وحسّ سينمائي كوننا مع مخرج سينمائي شاعر وسينما شعرية بليغة بتعقيدات وأفكار وروح شعرية خالصة مفجعة وصادمة في الكثير من الأحيان.

بالنسبة لبازوليني المجتمع في تغير مستمر وإيطاليا الخمسينات ليس هي إيطاليا السبعينات لذا نجد بداية مغامراته السينمائية بأفلام تتسم باسلوب واقعي وملامح الخمسينات ولكن بالسبعينات ظهرت متغيرات وتعقيدات اجتماعية جديدة مما جعله يغيير في أساليبه ونجد تعقيدات أكثر لذلك فالتغيير يتأقلم مع المتغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية داخل إيطاليا وخارجها.

المسيح ـ كارل ماركس ـ فرويد
لا يخفي بازوليني هويته الماركسية وينحاز كشيوعي إلى الطبقة البرويتاريا كفنان وشاعر ليسمع همومهم ويعالج جروحهم ويمجد تضحياتهم ويخلد حكاياتهم وليس كسياسي لكسب أصواتهم والوصول إلى المركز والسلطة، بازوليني يقدم أبطاله وشخصياته من وجه نظره كماركسي ومن خلال شخصياته يمرر أفكاره كما في فيلم “ماما روما” فتلك الأم التي تضطر لمزاولة مهنة العهر فهي ضحية نظام رأسمالي جشع لم يوفر لمثلها مخرجاً للخروج من العهر، يقدمها كبطلة وضحية وحتى في أفلامه التي تعالج أساطير مثل “ميديا” ميديا هي من مجتمع زراعي روحاني له مقدسات وتنتقل لمجتمع مادي فتصبح غريبة وهي ضحية وجريمتها في حرق أبنائها كانت صورة للواقع المازوم والمشجع للحروب لدافع السيطرة والجشع وهكذا تظل أفلام بازوليني حية طرية رغم قدم تاريخها كون الرجل قدم رؤية عميقة للعالم.

الإشارات الدينية نجدها حاضرة بقوة ولا يمكن نزع القداسة في أفلام بازوليني لكن القداسة الحقيقية للإنسان البسيط ففي فيلم “ماما روما” نرى في النهاية الابن مربوط وكأنه مصلوب ويناجي أمه ونرى الأم تبكي وتتوسل محاولة أن تنقذه، نحن مع المسيح وأمه والألم الإنساني وتقديس شخصيات من الواقع المعاش تعاني الصلب والتعذيب وتطلب الرحمة، لم يكن بازوليني مؤمناً بالمسيح أو دين ففي فيلمه “الإنجيل بحسب القدّيس متّى” فقد صور المسيح من وجه نظر ماركسية مع إسقاطات على الواقع ولم يخف أو يتورع بازوليني بنقد وفضح رجال الدين كما في فيلمه “الديكاميرون” الذي منع من العرض، كما نجد إشارات روحية ودلالات لها قدسيتها في الشرق كما في فيلم “ألف ليلة وليلة”.

بازوليني في فيلمه “أوديب ملكا” لم يفعل كغيره من في تصوير الملاحم والأساطير وكانت أفلام الدهشة والسحر والمغامرات والأساطير مزدهرة وذات شعبية جماهيرية تتشوق إلى كل ما هو مبهر والأبطال ذوي العضلات المفتولة والأجساد الرياضية والجميلات والديكورات الفخمة كون إيطاليا كانت لها شهرة سينمائية عالمية وبنية تحتية واستديوهات، لكن بازوليني ذهب إلى بلاد الشرق لتصوير فيلمه، ظهر فرويد أكثر من سوفوكليس في هذا الفيلم ومرر بازوليني أسطورته الشخصية وأظهر علاقته بأمه وحبه لها وحتى ميولاته الجنسية، في كل أفلامه نجد تقديساً للأم وقد لا نرى الأب، المنهج التحليلي النفسي والإشتغال على الحلم وعناصر عديدة نجدها في سينما بازوليني حاضرة كبوح شعري فنحن بكل بساطة مع سينما منحوتة وبنائها لغة شعرية مدهشة وإنسانية.
سينما بازوليني تقترب من سينما الشاعر السويدي إنجمار بيرجمان وكذا تأثر بسينما الروسي أندرية تاركوفسكي، كما أثرت سينما بازوليني على عدد كبير من المخرجين في فرنسا والعالم وكانت تستقبل أفلامه بحفاوة نقدية من مجلة كراسات السينما في فرنسا وما تزال فلامه وكتبه وطروحاته من المراجع السينمائية المهمة ليس لفهم السينما الشعرية فقطاً بل هي مهمة لفهم ماذا تعني اللغة السينمائية وكيف نتذوق ونفهم معنى سينما.
نحتاج إلى وقتِ ومساحة أكبر لفهم وتذوق شعرية السينما في أفلام هذا المخرج العملاق لذلك ندعوكم لمتابعة هذه التأملات في الحلقات القادمة…

يتبع

المقال السابقسلطان الاعداد
المقال التالىبدران باري يترك للون رغباته … و للوجع رجفاته
حميد عقبي سينمائي وكاتب يمني مقيم في فرنسا، اخرج خمسة أفلام سينمائية، منها ثلاثة أفلام قصيرة وهي معالجات سينمائية لقصائد شعرية "محاولة الكتابة بدم المقالح"12 دقيقة 1997 ــ بغداد، فيلم 'ستيل لايف"2005 ــ 20 دقيقة فرنسا، فيلم الرتاج المبهور" 2006 فرنسا 32 دقيقة. نشر 21 كتابا إليكترونيا منها 4 مسرحيات،....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد