بيني وبينك


 

-1-
جمجمتان صغيرتان رأيتهما في متحف اللوفر أثناء زيارة قصيرة لباريس في إحدى الجولات الأوروبية …لفت نظري تجاورهما رغم اختلافهما بالفكر والاتجاه…. كتب تحت الجمجمة اليمينية على لوحة نحاسية أنيقة مجرم وكتب تحت الجمجمة الثانية بطل…. وعندما سألت مرافقي عن موضوعهما قال لي الجمجمة اليمينية لسليمان الحلبي أما اليسارية فهي للجنرال كليبر….

شردت للحظة…. وعادت بي الذاكرة إلى أيام المدرسة وكتب التاريخ … وذلك الأستاذ بنظارتيه….السميكتين …الذي علمنا يوما تجربة عن البطولة والفداء…. تجربة التضحية في سبيل الوطن أمام جحافل الغزاة… حكى لنا يومها أستاذ التاريخ كيف قام ذلك الشاب البطل سليمان الحلبي بقتل قائد الحملة الفرنسية كليبر الذي عينه نابليون بونابرت بعد تركه مصر مغادرا إلى فرنسا….تذكرت كيف بطش كليبر بأطفال مصر ونساء مصر وشباب مصر…وبدافع وطني بحت…. قام سليمان الحلبي بقتل قائد الحملة الفرنسية ظنا منه أن هذه العملية ستريح المصريين من مجرم خطير….

متحف اللوفر…. بصوره المتعددة يروي حكايات وقصص من دون كلمات… يعلم الفرنسيين كل الفرنسيين أشياء…. نغفل عنها… نغفل عنها كثيرا….

سليمان الحلبي….. في كتبنا….وأدبنا بطل دافع عن بلده….
والجنرال كليبر….في كتبهم ومتاحفهم بطل أراد أن يبني لفرنسا مجدا…
وبين مفهومنا….للبطولة والفداء….. ومفاهيم الفرنسيين…. بون شاسع وحفرة كبيرة ….. من أين لها أن تتهدم؟

-2-
جبران خليل جبران ليس مسألة عابرة في تاريخ الأدب العربي….والغربي أيضا…. هناك الكثير من الإشارات والتحولات التي نلتقيها في حياتنا اليومية … لتبلغنا رسائل الإله جل جلاله…. عبر قصة نقرأها بالصدفة … أو صورة نشاهدها….

وصلتنا الكثير من الرسائل عبر أدبيات جبران …. وحكمه وأمثاله و أشعاره ولعل أهمها ….يا بني أمي….. أراد جبران أن يرسل لنا رسائل مركبة من كل الأديان والمعتقدات….أراد أن يقول بعد كل تجواله وترحاله … أن الوطن هو أقدس ما يملكه الإنسان أي إنسان….وعندما يفقد الإنسان الوطن يفقد كل شيء….. أراد جبران أن يقول أن المحبة والتسامح تسع المخطىء والمسيء…. وأن رحمة الله الواسعة …. تحيط بكل شيء….

فلماذا نصرُّ دائما نحن بني البشر أن نختار ……… الجحيم ….. هناك دائما الملائكة والشياطين…… أيهما تختار أنت …. وكيف…؟

-3-
بين بيتهوفن ونابليون صداقة كبيرة …. خربها اختيار نابليون أن يكون إمبراطورا….. يحكى أن بيتهوفن كان معجبا بنابليون كثيرا … وقد أهداه أكثر من مؤلف موسيقي كان أفضلها السيمفونية التاسعة ….. ويحكى أيضا أن بيتهوفن كان يعتقد أن نابليون أهم دعاة الحرية في أوروبا…..ويحكى أيضا أن بيتهوفن عندما سمع في الراديو أن نابليون توج إمبراطورا ، وكان بيتهوفن يحتسي الشاي في أحد المقاهي الفرنسية مع صديق له قام من كرسيه ونظر بحيرة نحو اليمين واليسار…. ظهر ذلك من خلال حركاته العصبية وشعره الطويل …. وانطلق نحو بيته … لحقه صديقه…. لأنه خاف عليه…. دخل غرفته …. وأمسك قلم .. وبدأ يخرب مقطوعة موسيقية كان قد عكف على تأليفها شهورا……ثم جلس متعبا على طاولته… ورأسه بين يديه….وبدأ يبكي….. استغرب صديقه ذلك…. وسأله عما أثاره لهذه الدرجة…… فقال… اليوم خسرت صديقا…..كان صديقي نابليون قائدا يدافع عن الحرية….. والآن صار ديكتاتورا…. لقد توج إمبراطورا… ولن يكون أفضل حالا من الآخرين.. لم يعد نابليون يستحق ما كتبت له…..

-4-
الشعوب…. مثل طلاب المدارس والجامعات… تحترف النسيان ….

لقد بذل نابليون كل ما يملك في الدفاع عن فرنسا… أمام بريطانيا…وألمانيا… وعدد من الدول الأوروبية …. رسم نابليون خارطة فرنسا بعرقه…. ولأنه كان يخاف الامتحان…. والهزيمة …كان يحاول أن يربح كل المعارك …. والاختبارات… ولهذا السبب هتفت حناجر فرنسا لعقود بحياته …..

وفي إحدى المعارك مع الألمان وفي ليلة باردة بدأت معركة رهيبة أصر القائد المفوه أن يقودها لكن القدر…. كان له بالمرصاد…. أصيب بوعكة صحية غيرت تاريخ نابليون ومجد فرنسا…. لزم القائد الفراش…. ولم يتمكن من قيادة المعركة… وكانت الهزيمة….. والرسوب في الامتحان….اثر ذلك عاد نابليون إلى باريس واعتبر مسؤولا عن الهزيمة … قدم للمحاكمة ….و نفي إلى جزيرة سيشل….ويقال أن جدران غرفته كانت مطلية بالزرنيخ … ليموت القائد الفرنسي.. ببطء…..

لم يشفع له ما حققه من إنجازات وأمجاد لفرنسا…. لم يتذكر أحد القائد المحنك…. والمتحدث المفوه…..كل ما تذكروه أنه كان سببا في هزيمة واحدة…. الثورات تأكل أولادها…. هذا ما تعلمناه من كتب التاريخ…. والشعوب تحترف النسيان…. هذا ما نراه اليوم….

لا تعليقات

اترك رد