بدران باري يترك للون رغباته … و للوجع رجفاته

 

كل خطوة يخطوها فنان ما في إغترابه القسري أعتبرها خطوتي ، و كل نجاح يحققه فنان ما في بلد غريب كل ما فيه مغاير و مختلف ، من هوائه إلى قوانينه إلى لغته إلى شمسه هو نجاح مضاعف دون شك ، فكل فنان يتجاوز لجوءه و إنكساراته و يقول ها أنا ، يستحق أن يشار إليه و لو بالشد على ريشته و أصابعه و هذا أضعف ما يمكن أن نفعله ، و أقل ما يمكن أن نعبر عنه ، أسوق هذا الكلام و نحن نشهد معرضاً مشتركاً لبدران باري الحامل لوجع الجهات و شنكالها و لورين علي إبنة الشمال الكئيب جداً ، و ذلك في مدينة بريمن الألمانية ما بين ( 9/9/2018 -27/9/2018 ) ، هكذا نشاط يغسل الروح و لو قليلاً ، فالروح عالق فيه من التعب و الأوجاع ما يكفي قرن و أكثر لسردها .

سبق و قبل سنوات تحدثت عن عمل من أعمال لورين و رأيت في حماسها ما يكفي لتمشي في طريق دون تلكأ و دون منغصات ، سأدعها الآن قد أعود إلى جديدها في الغد القريب ، و لهذا سأتحدث هنا عن بدران باري ، الواضح كالجرح في تداعياته اللونية التي يجمعها بين آلامه الكثيرة و العميقة ، و بين آماله التي أغتيل الكثير منها أثناء مسيره قبل وصوله إلى هذا المعرض ، و هو يتنفس بما تبقى منها ، قد تكون هي زاده في متابعة المسار ذاته للوصول إلى لحظة القبض على الإبهار ، فهو يقدم على سطح اللوحة جمالاً مختلفاً ، بسيطاً بألوانه ، عاشقاً بأنامله ، فتارة يكثر الأزرق علّه يعبر عن موسيقا دواخله بالسفر الدائم و بزخم نحو ساحات فيها يفقد الإنسان وجهه مزاحماً حالة التبعية التي يعيشها من يُكن بالإنسان ، أشرس الحيوانات قاطبة ، و تارة يتأرجح بين الشمس و عبّاده ، أو بين الخريف و رائحة صفاره و بطريقة مولوية ، و كأنه يتحد مع المطلق و على رؤوس أنفاسه يتقدم ليقتنص الأصفر بكل حالاته ، محاولاً إحضاره بكل تدرجاته ليكون المحرك لكثير من أعماله التي تخزن ذاكرته بوجهها الترابي حيث تأخذك بتواضع و ضمن طقس لوني خاص و بغزارة الضوء نحو إنشاد سيمفونيته التي لا تنتهي ، سيمفونية الضياع ، ضياعه هو ، و ضياع الطرقات التي كانت تعد خطواته و هو يعلن الهدير العذب ، ضياع ألوانه و ملامح شخوصه دون أن يشغله كثيراً إشكالية الغالب و المغلوب ، فالأمر عنده متعلق بعلاقته بما تاه في الزحام ، زحام الحرب على المكان بأشيائه جميعاً ،

و لهذا كما المرحلة سرقت تفاصيل البلاد ، كذلك سرقت رونق ألوانه و عطرها ، فالجميع تائه و خاسر ، بل معرض للتلاشي ، ولهذا باري يبتعد عن سرد المفردات بدقتها ، تاركاً أجساد شخوصه تروي إستطالاتها و حكاية التيه الممتدة إلى اللانهاية ، فالزمن بات مقاماً يصعب التحقق من هويته ، و بطبيعة الحال فأعمال باري توحي على نحو كبير بأن النزيف كبير ، و بأن البوصلة عطلت فلا سبيل للوصول ، فالمسرود قتيل ، والإنتظار مستحيل .
و بلمسات لونية هادئة يترك باري شخوصه في حالة من الهذيان المعقلن على نحو ما إذا جاز لنا أن نسميه ، و إن كان قد هتكت أصواتهم و صداها ، فالكل في ذهول و تيه ، و الكل يدعو إلى الإلتباس في مستوى ما من التركيز و الترميز ، فيرمي الكتاب إلى هامش ما من عمله في بعض الأحيان كمنقذ ما ، أو كأداة يترك أثره في رسم قشة النجاة ، و إن كانا معاً في اللجة ذاتها ، و بتداخل مع قيم السطوح التي يحركها بألوانه التي تبحث عن ذاتها ، و التي قد تكون سبباً في التكرار لمعطيات لونية صامتة بعيداً عن الحيوية التي تجعل اللوحة تحس بالخوف و الخشوع حين يمنحها المتلقي تأملاته و آهاته .

 

 

 

 


باري يترك للون رغباته ، و للوجع رجفاته ، يترك له المساحات كلها ، يجمع عليها حسراته الأسطورية بثراء متصل برحلة إنبثاق المشهد المحاصر بهواجس الخوف ، يترك للون بياض الخلاص من المكان ، يتنفس عليه بحريته ، و برؤاه الحامل لموقف فيه يختزل الوجود ، يتنفس عليه بإنسيابية حزينة باهتة ، يغيب فيها الغامق بحيويته ، يغيب التكثيف و تجاعيده ، تاركاً التناغم بين أصوات السفوح ترمم هجرة المكان ، و تلوح للفلوات ، و للسموات بقطعان من كائنات خسرت المحيا و تفاصيله ، خسرت اللون و حواراته ، و لعل هذا الذي يجعل مرويات باري دون رونق فهي تحمل من تعب المرحلة الكثير ، لكن حين نظفر بها و نحن نلمس روح آلامها ندرك تماما طعم وجعها كم يزن ، و ندرك أيضاً لحظاتها المبهرة و نحن ننتشل منها ما علق بها من الحياة .

لا تعليقات

اترك رد