مَن يحجب الحقيقة ؟!


 

للكذب علاقة وطيدة بالسياسة، بل لعله لا يجد تربة أخرى صالحة للترعرع كما يجدها في السياسة، حيث أصبحت القدرة السياسية تقاس بمدى القدرة على الكذب وتغليفها بمصداقية زائفة واللعب بالأذهان وتدمير القدرات، وأصبح السياسي الناجح هو السياسي القادر على إظهار كذبه بمشاعر صادقة، بغية التأثير في الجماهير وإخضاعها، محاولاً إخفاء الحقائق وإظهار نفسه، وكأنه الصادق الأمين على مصالح الشعب، إذاً السياسة بقدر ما هي صناعة للحقيقة هي صناعة للكذب «مَن يحجب الحقيقة؟».

يبدو أن القضية الكوردية في غربي كوردستان، لم تعُد تحظى – هذا إن كانت كذلك بالفعل – بمكانة مركزية في الكيانات الكوردستانية السياسية والمؤسّسات الدولية الحاكمة، ولعل الانتقال من عبارة الصراع على تحقيق الاستقلال إلى الصراع حول تأمين متطلّبات العيش الاجتماعية والثقافية ضمن السورية الموحّدة، يعبّر بشكل فعلي عن استقالة القيادات والمسؤولين الكورد من الصراع القائم، من دون أن يعني ذلك غياب كوردستان، بوصفها قضية باتت ثانوية لدى الدول التي تدير أزمات الشرق الأوسط.

يكفي أن ننظر إلى ردود أفعال الكورد على إثر المعركتين الأخيرتين في كركوك وعفرين، على أنهم يشعرون وبيقين كبير على أن حلم الاستقلال لن يتحقق، ولو بعض ربع قرن، وأن الفيدرالية الكوردية في غربي كوردستان ذهبت أدراج الرياح، والحكم الذاتي “الوهمي” ما هو إلا حكم ذاتي بنكهة بعثية، بدليل ما يُطبخ خلف الكواليس من سموم وهموم، سيتجرّعها الكورد في غربي كوردستان، ليعودوا إلى ما قبل عام 2000، أضف إلى ذلك تأثيرات الهجرة والتهجير ونشر الجهل والقضاء على العلم والمعرفة ومحاربة كل من ذو ضمير يطالب بحقوقه.

هكذا نجد العديد من المسؤولين الكورد، يندّدون بما آلت إليه الأوضاع في المنطقة الكوردية خاصة والسورية والشرق الأوسط عامة، وتُسارع المجتمعات للاندماج في المجتمعات التركية أو الأوروبية، لكن سرعان ما تهدأ الأمور في سوريا ويتم من جديد التطبيع والتعايش مع الوضع القديم الجديد.

إن القضية الكوردية في غربي كوردستان صارت اليوم هي قضية كوباني، أو جزء من قامشلو وشرقها حتى نهر دجلة، وربما ستصبح مستقبلا قضية منطقة ريفية أو قرية، لأن التحلیل بالتمني وبیع الأحلام والتمسّك بقوة لا تستخدم قوّتنا إلا لأجل أن تزداد قوة وشراسة لیس فعلاً واقعياً.

إذن! لا يكفي أن ننظر اليوم للسياسة من زاوية الصدق، فأيّ سياسة لا تخلو من الكذب، إن لم نقل إن تاريخ السياسة هو تاريخ الكذب نفسه، كما لم يعد مقبولاً النظر إلى السياسة كمجال للكذب المتخفي، ذلك التاريخ الذي لم يعد يخفي كذبه ويحجبه، بل صار يكذب متعرّياً، أصبح كذباً صادقاً.

ومن هذا المنطلق، فإن السياسة اليوم هي فنّ إدارة الكذب الصادق. فالكائن السياسي المعاصر لم يعد “يظهر كما يتمنى أن يكون” أو “يكون ما يتمنى أن يظهره”، وإنما أصبح يظهر ما كان يخفيه، بهذا لا يملك المثقف إلا أن يعلنها مقاومة للسياسة بالسياسي: “في أن يكون ديمقراطياً؛ بالاعتراف أننا في عالم لا ديمقراطي”.

لا تعليقات

اترك رد