المسرح المدرسي ونظام التعليم

 

مقتبس من المعالجة:
“يبقى المسرح المدرسي وجودا بنيويا مؤثرا في دفع نظام التعليم باتجاه يرفض المنطق الملائي الذي يجمد العقل بخلاف المسرح الذي يعني الإبداع مثمرا شخصية خلاقة. فكيف نقرأ اشتغال طرفي تلك المعادلة؟”.

المسرح بعامة هو طاقة إبداع وقدرات إضافة بما تعطي من منجز جمالي عميق المضامين. والتعليم نظام نقل المنجز البشري من جيل إلى آخر بما يوفر فرص إعداد أرضية الإبداع في مختلف الميادين وعلومها ومعارفها.. فالتعليم بهذا المنطق منظومة تبني العقل (العلمي) المفتوح القادر على الإتيان بالجديد ما يتطلب إعداده لمهمة الخلق وإنتاج ما يوائم مراحل عيش الإنسان المتجددة المتغيرة على الدوام..

لكن في ظروف خضوع (التعليم) لمنظومة قيمية سلبية هي منظومة الخرافة ومنطقها يلجأ المتحكمون بالتعليم إلى (التعليم الملائي) أي نظام الحشو السلبي الذي تكون فيه المخرجات ببغاوات تردد مكرِّرةً ما حفظته نصاً جامداً لا مجال فيه لجديد.. إن التعليم الملاّئي ليس سوى عملية تسجيل معلومات (بعينها) وهي عادة ما تكون معلومات شوهاء ناقصة لا تعد العقل للعمل بقدر ما تعده للاجترار والتكرار السلبي الآلي الجامد…

هنا في مثل هذا النظام التعليمي لا فرصة لأي أمر يلامس (الإبداع) ووالنظام برمته يُدار بطريقة تتعارض وإِعمال العقل لتقديم ثماره الجنية (ثقافةً) تنويريةً ، تجسد الداعم الرئيس والرافع الإيجابي لآلية تشغيل العقل تشغيلا إبداعيا منتجاً وبنَّاءً.. ولهذا لا تجد في ذاك النظام التعليمي فرصة لـ((ـلمسرح)) لأنهما نقيضان فالمسرح إبداع وثمار متفتحة والملائية تجميد وتعطيل للعقل وحشوه بترهات الخرافة ومفرداتها الفارغة..

إنّ إدخال المسرح في الفضاء المدرسي يعني بالضرورة منح التفتح والاشتغال والحركة المثمرة فرصاً كبيرة للتأثير على منظومة القيم حيث تتكسر مظاهر الجمود والتكلس لتفسح المجال واسعا كيما تدخل آليات العمل المنتج الخلاق بديلا عن الجمود والسلبية والاجترار المفروض قسراً بقيم التعليم الملائي..

وبين أن ننشط المسرح في الفضاء المدرسي وبين أن نغير نظام التعليم هناك جسور تفاعل واجبة؛ فالمدرسةَ تجسّدُ مختبرَ حياةٍ بقصدِ التعليمِ والتدرُّبِ على بناء أفضل العلاقات مع الحياة مما يتيحه توافر المعارف والعلوم وآليات بناء العقل ووسائل اشتغاله، وهنا بهذا الفضاء سيكون المسرح المدرسي عالماً آخر لإضافةً جديةً مؤثرة في إنجاز مهمة التعلّم بطريقةِ عيشِ التجربة وإدراك محاورها وتفاصيلها؛ تنهض بهذا الفعل جماليات الإبداع، جماليات المضامين الثرة معرفيا فكريا قيميا، بما يمنح التلميذ ما يجنّبُهُ الوقوع بقبيح مسارات الحياة وتجاريبها السلبية..

وهكذا فإنّ المسرح المدرسي، بهذا المعنى ليس أداة تعليم يجسدها التجريد الرياضي ولكنه أداة صنع حياة بمشرط فلسفة الجمال في تركيبيته وتقمصه تجاريب الحياة واحتمالاتها التي تضع توقعات أولية وتزود التلميذ بفرص توقع احتمالات أخرى بتحريك العقل وإعماله لإنتاج إضافاته الملموسة المخصوصة به بالتوازن والتفاعل مع منطق العامل الجمالي الذي يعني مضمونيا، ثيمات الإيجاب وامتلاك أدوات معالجة السلب…

هذا الاتجاه، موجود ومكرّس فعليا بدول التمدن والتقدم وهو أيضاً ما يتبدى اليوم، في ظروف أغلب بلدان المنطقة، ولكن بالمقلوب تماماً حيث إهمال ميزانيات التعليم وقصور في المباني المدرسية وعدم كفايتها وبحجمها وتفاصيله الهندسية ومرفقاتها ومن ذلك مساحة منتظرة لصالة مسرح غائبة أو مهملة مستغلة لكل الأمور إلا المسرح.. إنّ واقعنا يؤكد أنه في بلدان الأزمات المتوالدة كما في العراق، تتهدم المباني المدرسية ويتم تخريبها، عدا عن تلك التي يسمونها مدارس الهواء الطلق!!

في اعتقادي على الرغم من قسوة ظروف العيش و على الرغم من أشكال القصور تجاه المدارس ومنظومتها، وبنيتها التحتية، يمكن لإدارات المدارس، أن تستفيد من الفضاءات المدرسية وتمنح الطلبة ومشرفيهم وموجهيهم فرص ممارسة الإبداع المسرحي، فهو خير أداة لتغيير سياقات التكلس الملائية الكتاتيبية الضحلة بكل مقاييس اشتغال التعليم وما نتطلع إليه من ورائه..

وحتى في المباني المهدمة يمكن أن تتم ممارسة المسرح وتقديم معالجاته التي تدين العنف والتوحش والخراب وتقدم البدائل بطريقة تربوية جمالية سليمة تكرس السلوك الإيجابي البناء وقيمه السامية.. ربما بطريقة تناظر اشتغال الطبيب المعالج أو المهندس الذي يزيل الخراب ليأتي بوسائل الإعمار.. هنا وسائل إعمار الروح وبناء الأنفس وغرس الجمال فيها بدل القبح والتشوّه المتفشي كرهاً بتلك المناظر المجسِّدة لزمن الحروب وعبثيتها وتهديداتها بتخريب الأنفس بالانعكاس المباشر لتلك المشاهد المهولة المرعبة..

ومع أن روائع المسرح المدرسي تظل بحاجة إلى الصالة المتخصصة ويظل المسرح يحتاج الاهتمام بالإضاءة والإنارة ويحتاج لمفردات جمالية كثيرة أخرى إلا أنه أيضا يمكنه أن يقدم مادته بوساطة ما نسميه المسرح الفقير في أوضاع بعينها كالتي أشرنا إليها للتو..

ولنتذكر أن المعلمين أنفسهم ينبغي أن يمارسوا أدوارهم أحيانا بمفردات مسرحية، في محاولة لإيصال ما يريدون معلومات…، معززين ذلك بتفعيل أدوار بعينها تُسند إلى الطلبة واختيارهم بطريقة مناسبة تنجح بالتقديم والعرض ولا تخلق التردد غذا ما أخطأت الاختيار…

وعلى فكرة، فإن المسرح المدرسي يمنحنا فوائد جمة يمكن أن نجنيها من تبنيه أقصد تبني المسرح المدرسي؛ من تلك الفوائد، على سبيل المثال لا الحصر، فوائد مخصوصة بمجال اللغة لعل الإشارة إلى بعضها يساعد على استيعاب كيف يكسر المسرح حال الكلائية وجمودها ويأتي بمنظومة بديلة هي منظومة الإبداع:

إننا سنتمكن في إطار اللغة من الآتي:
أ‌. تعزيز الثروة المعجمية عند التلامذة
ب‌. توفير حالة إبداع المفردة ونحت العبارة وبنائها صورياً بصرياً.
ت‌. توفير خبرة إيجابية في الأداء الصوتي للحروف ومخارجها وللألفاظ وسلامتها وللعبارات وصوابها وتبادل ذلك بتأثير واضح مع التلامذة.
ث‌. إفادة تفعيل اكتساب اللغة على وفق منطق طابعها كونها إشارية وصفية عند طلبة المدارس حتى مرحلة بعينها ثم لاحقا تحليلية نقدية ما ينبغي الالتفات إليه في المنجز المسرحي.. وفي هذا الموقف يمثل المسرح مفتاحا مهما للتناول المتفتح لا الجامد للغة كما في الكتاتيبية الملائية.
ج‌. أما توافر الموسيقا والإيقاعات في الجهد المسرحي المدرسي فإنه يعني بالحتم المساهمة في إعادة ترتيب عمل الدماغ على وفق أحدث الدراسات السايكولوجية.
ح. وسيكون هناك مجالات أخرى يساهم بها المسرح المدرسي ويؤثر بإطارات اشتغالها في المستويات المضمونية والموضوعات وطرائق المعالجة وقضايا الثقافة وغير ذلك مما يتطلب إغناء وتنمية واهتماماً مخصوصاً…

وعلينا بجميع الأحوال البحث في معالم أخرى لتأثيرات المسرح انطلاقاً من سماته بمستواه المدرسي؛ ولربما يساعدني هنا المرور ولو بعجالة على أبرز تلك السمات وما تخدمه:

أولاً يشتغل المسرح المدرسي باستخدام لغة سهلة وفكرة بسيطة واضحة..
كما يتسم اشتغاله بالتشويق والإبهار والاستعانة بالحركات والموسيقا. وكل هذه الأمور مثيرة لأسس بناء الشخصية المنتجة المتفتحة على صيغ العمل الجمعي وتبادل التفاعلات بروح التعاون فضلا عما يسده من ثغرات فادحة في المشهد اليومي القائم على منطق العنف والخراب فيما يحتاج التلميذ لوسائل تعويض بنائية يجسدها المسرح المدرسي.
وطبعاً نجدد التوكيد على أن هذا المسرح يتضمّن بمنجزه المغزى التربوي التعليمي المباشر وغير المباشر وعلى وفق موضوعاته ومعالجاتها وكيف يمنح الشخصية على الركح أم في الصالة أو في منطقة الجمهور وهم جموع التلامذة، يمنحهم قدرات العطاء والإبداع..
وهكذا يكون مسار وجود المسرح المدرسي متعارضا تماما في الاتجاه والمحتوى مع مسار نظام الملائية الذي يتم اجتراره اليوم في فصول المدرسة العراقية وإن بنسمات شكلية مغايرة لشكليات الكتاتيب.. وبهذا سينجح المعلمون الجادون في غيجاد وسائل تحطيم ما يُفرض عليهم من آليات متخلفة للتعليم ويفتحون للطلبة آفاقا مشرقة للتغيير والبناء والتأسيس لمراحل تالية أكثر فاعلية..

إنني أضع ندائي عبر معالجتي الموجزة هذه، بكلمتي المجملة للعناية بالمسرح المدرسي بوصفه محوراً مهما في الجهود التربوية التعليمية من جهة معرفية، وفي بناء الأنفس بجماليات وجودنا الإنساني الذي يمتلك مناعته ضد أمراض التشوه وقبحها أو المعالج منها…

وكم يحتاج تلامذتنا اليوم لمثل هذه المهمة السامية في ظل ما ساد من عنف غزا ميدانيا كثيرا من بلداننا ومنها العراق اليوم، إذ ينتشر عبر وسائل عديدة أشكال ضغط على تكوين ذهن الأبناء ودفعه لقيم منحطة متخلفة أساسها الخرافة ودجل المضللين وما أنزل الله بها من سلطان وإن ارتدت لبوس الطقسيات الدينية توهما وتزلفا للخطاب السياسي ومقاصده المرضية.. بلى تلامئتنا بحاجة لتفتيح آفاق عقولهم لا لمزيد قشمريات يحشونهم بها بقصد وبغير قصد…

وبهذه المناسبة ومرات متجددة أقول توكيداً: يمكن من أجل ذلك تنشيط الفعاليات المسرحية، أن نفتح فرص التنافس الإيجابي إبداعيا ونطلق وسائل التحفيز بمختلف أدواتها وممراتها: سواء منها أشكال التقييم و\أو التكريم والتخطيط لمسابقات مختلفة ومنحها الكفاية في الاشتغال.. كما يمكننا أن نفتح الدورات التخصصية للمشرفين والمنشطين ولكل من يمارس الهواية من التلامذة ومعلميهم.. وينبغي أن نتوقع دعما وموازنات وافية للمسرح المدرسي وأن نعمل على تلبيتها وفرضها؛ لأنّ المسرح مدرسيا، من الأهمية بمكان ما يوازي العملية التعليمية نفسها في كثير من مفردات إعداد شخصية التلميذ وذهنه ومنطقه الأمر الذي يتم عبر ترسيخ قيم الإيجاب في سلوكهم وقيم الصحة النفسية والعقلية وجماليات الروح الإنساني..

ولهذا تحديداً ولمجمل ما يتضمن من مقاصد وأهداف نبيلة كبيرة، أجدد توكيد ندائي بالقول:
هلَّا شرعنا بوضع المسرح المدرسي بين أبرز مهامنا و واجباتنا في الاشتغال بنهج تغيير نظام التعليم وما يُفرض من سياقات مرضية واشكال خراب! وهلا تبنينا الفكرة بوساطة برامج مرسومة بدقة وموضوعية وتأنِ وبخطط وافية بشأن تحقيقه وولوج فرص التنمية بميدانه وبالارتقاء بأدواره الإنسانية التوعوية الغارسة للقيم والمعرفية العلمية المثبتة لنهج الخلق والإبداع؟ هلَّا؟؟؟

Virusvrij. www.avg.com

لا تعليقات

اترك رد