صدق المكان


 

هناك في حضن الطبيعة و في مكان يقال عنه أنه حزين سماؤه باكية وشمسه كثيرة الغياب جلست تتأمل وجه الحقيقة لعلها تدر ك شيئا مما أنتزع منها في لحظة إرتياب قاتلة .هناك و في ذلك المكان الممتد باشجاره الوارفة المتشابكة المتحابة ينتابك إحساس عميق بالانشراح والسكينة .يضمك المكان ويحويك حتى تسكن إليه ويسكن إليك .

في ذلك المكان تتوافد القلوب العاشقة لتزداد عشقا و ترتوي من ضمأ السنين . وفي هدوء ذلك المكان تنام العيون الساهرة لتستيقظ باسمة حالمة مشرقة..
هناك في هذا المكان الذي لا تحدده الاسيجة و لا الاسوار تجد ذاتك..هناك تتعرف على مخزونك العميق… على عالمك الباطني هناك تغتسل بماء السماء الدامعة فتزداد صفاءا وبريقا.
هناك تتحول أوراق الأشجار المتناثرة إلى فراش يدثرك فيغنيك عن ما أهدتك الحضارة من متع الحياة و من بهرج أجوف..من أشياء اصطناعية عمقت هوة الإنسان مع ذاته .

إنها الطبيعة تناديك لتحييك من جديد لتبعث في أحسن تقويم فلماذا لا نتماهى مع الطبيعة في صفائها و نقائها ؟؟

جلست تتأمل وفي ذهنها ألف سؤال: قد تتلون الطبيعة ..قد تشرق الشمس وتغيب ..قد تبتسم السماء ثم تغضب وقد ترج الأرض أثقالها فتخرج ما في أحشائها ثم تهدأ فيضمك المكان من جديد … هذه هي الطبيعة كما هي_ قبل أن تعبث بها يد الإنسان _ لا تحركها قصدية إرادية و لا تعي بمحدداته بل تسير ها ضرورة أو حتمية صارمة. .هذه هي حقيقتها متغيرة متقلبة لا بمقتضى إرادتها بل بحسب قوانين طبيعية . فهل يمكن ان تدان الطبيعة أو تجرم أو أن نحاكمها على تغيرها ؟؟

وهل يمكن ان نماثل بين الطبيعة و الإنسان ؟؟؟هل ثمة ما يبرر خاصية التلون و الغدر و النفاق و عدم ثبات الإنسان على مبادئه و عدم وفاءه… ثم هل يصدق قانون الطبيعة على عالم الإنسان؟

هناك في صدق المكان تتهاوى أقنعة الحبيب وترفع الحجب وينكشف المخفي وكأن الذات قد امتلكت قدرات جينالوجية مكنتها من العودة الى الأصل لتكشف عن الحقيقة . حقيقة الأشياء وحقيقة ذاتها التي كثيرا ما توارت وراء الحجب .
هناك في صدق المكان وهي تحتفل بذكرى ماضي بعيد ظنت انه الاستمرارية في الحاضر جلست تحدق في هاتفه وهي تتلعثم وكأنها نسيت أبجدية الكلام . ثم تهاوت على الأريكة مثقلة بأتعابها يتقاطر الحزن من عيناها الدامعة …
صرخت بمرارة تبحث عن أنفاسها التي اختنقت في صدرها . صرخت….ثم صرخت من جديد وكأنها تغتال أوجاعها …وكأنها تريد أن تقنع ذاتها باستمرارية تواجدها .
إنها في الوجود هذا يقيني ولكن الى متى؟؟
ما عاد الوجود يحويها
ما عاد المكان يأويها
ما عاد الإحساس إحساسا
تهاوت الاحلام. …تبعثر ت…تناثرت.
ماذا بقي من ذاتها؟ وماذا بقي في الذاكرة ؟ لا شيئ سوى أكاذيب كادت تكون حقائق لو لا صدق المكان الذي احتواها في لحظة فقدان اليقين..في لحظةارتياب قاتلة وهي تعيشها في حضرت المكان
نظرت اليه وهو يساءلها عن سبب تغير قسمات وجهها وعن سر انزعاجها…حدقت فيه وكأنها تراه لأول مرة …لم يعد هوهو…إنه صورة مشوهة … كائن غريب غرابة هذا الإحساس الذي تمكن منها… كائن لا يملك من معاني الإنسانية شيئ …
هاهو يسألها من جديد ويلح في سؤاله فماذا يمكن أن تقول له و بماذا ستنطق شفتاها .؟؟؟..إن القلب ينزف بطعنات الغدر المعلن في الصدر و الظهر..

تضاعفت دقات القلب فيها ثم فقدت توازنها وتساقطت مثل أوراق الخريف تعلن عن موتها البطيء.
وبقي السؤال معلقا وبقيت الذكرى متجددة في حضرت المكان الحزين .مكان لا يسكن إليه إلا من تطهر من غدر الانسان .

لا تعليقات

اترك رد