95 عاما على رحيل الموسيقار العظيم سيد درويش


 

تمر هذه الايام الذكرى الخامسة والتسعين على رحيل الموسيقار العظيم فنان الشعب سيد درويش الذى بلغ انتاجه في حياته القصيرة “31 عاما” من القوالب المختلفة العشرات من الأدوار وأربعين موشحا ومائة طقطوقة و 30 رواية مسرحية وأوبريت
عاش سيد درويش 31 عاما فقط كنه ترك اعمالا عظيمة سبق بها عصره ..اعملا ما زالت وستظل ملء سمع الزمان وبصره ..
لقد كان من اسباب انتشار اعمال سيد درويش بين أفراد الشعب هوان لكل لحن قصة ومناسبة ولكل مناسبة أثرها العميق في نفس الشيخ سيد درويش المرهفة الحساسة فأول أغنية لحنها كانت زوروني كل سنة مرة حرام تنسوني بالمرة وكانت مناسبة تأليفها أن امرأة يحبها قالت له هذه العبارة ابقى زورنا يا شيخ سيد ولو كل سنة مرة ..وذاعت أغانيه حتى وصلت إلى سمع رائد المسرح الغنائي المصري سلامة حجازي الذي حرص على زيارته في الإسكندرية والاستماع إليه شخصيا عام 1914، وأبدى إعجابه بأسلوب سيد درويش في التلحين وتنبأ له بمستقبل كبير ثم عرض عليه الانتقال إلى العاصمة القاهرة للعمل معه وفعلا ترك الإسكندرية واستمع جمهور القاهرة إليه لأول مرة مطربا بين الفصول المسرحية، لكن الجمهور الذي تعود على صوت سلامة حجازي كان استقباله فاترا للمطرب الجديد مما جعل الشيخ سلامة يخاطب الجمهور دفاعا عنه قائلا هذا الفنان هو عبقرى المستقبل لكن الشيخ سيد يقرر أن ينهى المهمة ويعود إلى مدينته في اليوم التالي في عام 1917 يعود سلامة حجازي إلى سيد درويش بعرض أقوى وطلب منه تلحين رواية كاملة لفرقة جورج أبييض هي فيروز شاه، وعندها انتبه الجمهور، وكذلك الفرق الأخرى إلى أن فنا جديدا قد أتى وأن الألحان أثمن من الرواية نفسها، وحرصت معظم الفرق على اجتذاب سيد درويش لتلحين رواياتها ثم أصبح في سنوات معدودة الملحن الأول في مصر متفوقا بذلك على الملحنين المخضرمين مثل كامل الخلعي وداود حسني وغيرهم
– لقد كانت أول حفلة أقامها الشيخ سيد في القاهرة في مقهى الكونكورديا وحضر هذه الحفلة أكثر فناني القاهرة منهم الممثلون والمطربون وكان على رأسهم الياس نشاطي وإبراهيم سهالون الكمانجي وجميل عويس حتى وصل عدد الفنانين المستمعين أكثر من عدد الجمهور المستمع وفي هذه الحفلة قدم سيد دوره الخالد الذي أعده خصيصا لهذه الحفلة الحبيب للهجر مايل من مقام السازكار وفيه خرج عن الطريقة القديمة المألوفة في تلحين الأدوار من ناحية الآهات التي ترددها الجوقة وكانت غريبة على السمع المألوف ولذا انسحب أكثر الحاضرين لأنهم اعتقدوا أن هذه الموسيقى كافرة وأجنبية وان خطر الفن الجديد أخذ يهدد الفن العربي الأصيل وبالطبع إن فئة الفنانين المستمعين لم ينسحبوا لأنهم أدركوا عظمة الفن الجديد الذي أعده الشيخ سيد لمستقبل الغناء العربي اشترك الشيخ سيد مع الفرق التمثيلية ممثلا ومغنيا فعمل مع فرقة سليم عطا الله وسافر معها إلى سوريا ولبنان وفلسطين وكان لهذه الرحلة أثر كبير في اكتسابه أصول الموسيقى العربية إذ تتلمذ في حلب على الشيخ عثمان الموصلي العراقي ويقول الشيخ محمود مرسي إن الشيخ سيد عاد بعد هذه الرحلة أستاذا كبيرا في ميدان الموسيقى العربية.

سافر مرة ثانية مع فرقة جورج أبيض إلى البلاد السورية فأعاد الصلات الفنية بينه وبين موسيقييها واكتسب من أساتذتها ما افتقر إليه من ألوان المعرفة ولما عاد إلى القاهرة في هذه المرة رسم لنفسه خطة جديدة في ميدانه الغنائي والمسرحي فلحن معظم أدواره وموشحاته الخالدة التي عرفت الناس بمدرسته الإبداعية الجديدة ظهر للشيخ سيد أول دور بعد هذه الرحلة وكان مقام العجم يا فؤادي ليه بتعشق وكان مقتبسا من موشح حلبي قديم مقام العجم أيضا أخذه الشيخ سيد عن الشيخ عثمان الموصلي وينسب إلى الشيخ سيد عشرة أدوار وخمسة عشر موشحا وأوبريت وطقاطيق وأهازيج وأناشيد حاسبة وغيره
وقد اقتبس من أقوال الزعيم مصطفى كامل بعض عباراته وجعل منها مطلعا للنشيد الوطني
بلادي بلادي بلادي لك حبي وفؤادي
ولحن أيضا نشيدا وطنيا من نظم مصطفى صادق الرافعي ومطلعه
بني مصر مكانكم تهيأ فهيا مهدوا للملك هيا خذوا شمس النهار حليا
كما لحن في مناسبة أخرى أناشيد وطنية قال فيها
أنا المصري كريم العنصرين
بنيت المجد بين الاهرامين
جدودي أنشأوا العلم العجيب
ومجرى النيل في الوادي الخصيب
لهم في الدنيا آلف السنين
ويفنى الكون وهم موجودين

وأنشد في جماعة من المتظاهرين ضد الاحتلال الإنجليزي هذا النشيد محمسا إياهم قال:
دقت طبول الحرب يا خيالة
وآدي الساعة دي ساعة الرجالة
انظروا لأهلكم نظرة وداع
نظرة ما فيش بعدها إلا الدفاع

وعالج سيد في أغانيه الموضوع الاجتماعي في غلاء المعيشة والسوق السوداء قال

استعجبوا يا أفندية لتر الجاز بروبيه
وهكذا نجد أن سيد درويش استطاع أن يدرك ويلمس سائر الأمراض الاجتماعية وأن يسهم في الميدان الوطني إسهاما كبيرا فكانت أغانيه الوطنية يغنيها الشعب بكل حواسه وقلبه ومشاعره.

لم يكن أثر سيد درويش في ميدان التمثيل والأوبرا العربية بأقل من أثره في ميدان الموسيقى والموشح والدور والطقطوقة والمونولوج الشعبي والأناشيد الوطنية وغيره من ألوان الغناء العربي في شتى مواضيعه فقد أضاف إلى هذه المآثر مأثرة جديدة وهي التلحين البارع خلال الأوبريتات ومنها أوبريت شهرزاد ظهرت هذا الأوبريت للمرة الأولى أواخر عام 1920 وأوائل العام 1921 وكان انقلابها بدء انقلاب جديد في عالم الموسيقى العربية والألحان المسرحية كما لحن أوبريت العشرة الطيبة ألف هذه الأوبريت محمد تيمور ونظم أغانيها بديع خيري وألف نجيب الريحاني فرقة تمثيلية خاصة برئاسة عزيز عيد لإخراجها وكلف سيد درويش بتلحين محاوراتها وأغانيها ولحن أوبريت البروكة وهذه التسمية هي اصطلاح فني يقصد به الشعر المستعار الذي يضعه الممثلون على رؤوسهم والرواية معربة عن أوبرا لاما سكوت لأروان ولحن أوبريت “كليوباترة وانطونيو” اقتبس هذه الأوبرا للمسرح العربي الأستاذان سليم نخلة ويونس القاض يوقدماها للسيدة منيرة المهدية التي قدمتها بدورها لسيد درويش لوضع موسيقاها ولكنه لم يلحن منها إلا الفصل الأول وقد حاول إتمام تلحينها في فصليها الثاني والثالث الأستاذ محمد عبد الوهاب.

المؤكد ان سيد درويش وضع ألحانا للأوبربتات التي بلغ عددها العشرين منها تلك التي لحنها لفرقة نجيب الريحاني وهي ولو وإش ورن وقولوا له وفشر ولحن لفرقة علي الكسار راحت عليك ولسه وأم أربعة وأربعين والبربري في الجيش والهلال وجزء من أوبريت الانتخابات ولحن لفرقة منيرة المهدية كلها يومين والفصل الأول من أوبريت كليوباترا وأنطونيو ولحن لأولاد عكاشة الدرة اليتيمة وهدى وعبد الرحمن الناصر وإذا اعتبرنا أن في كل أوبريت عشرة ألحان فتكون مجموع ألحان الشيخ سيد في أوبراته العشرين مائتا لحن هذا بالإضافة إلى الأدوار والموشحات والأناشيد الوطنية والمونولوجات وغيرها من الألحان والأهازيج التي قدمها الشيخ سيد للموسيقى العربية.

لقد كان هدف الموسيقى المصرية قبل سيد درويش الطرب فقط ولكنه جعل منها رسالة أكبر وهي استخدام هذا الفن العظيم في الجهاد الوطني والإصلاح الاجتماعي هذا بالإضافة إلى ناحية التطريب في الموسيقى والغناء العربي على أن الطريقة التي سار عليها الشيخ سيد في ألحانه للأوبرا كانت منهجية صحيحة وكأنه متخرج من أرفع المعاهد الموسيقية فكان يتلوا النص الشعري أولا ليتفهم معانيه فهما دقيقا ثم يعيش في بيئته ويعاشر أبطاله ثم يأخذ في إلقاء النص الشعري إلقاء تمثيليا يناسب عباراته ومعانيه كأنه ممثلا على خشبة المسرح

وبعد ذلك يأخذ في إلباسه ثوبه الموسيقي الذي يناسبه ويقول سيد درويش أن الموسيقى لغة عالمية ونحن نخطئ عندما نحاول أن نصبغها بصبغة محلية يجب أن يستمع الرجل اليوناني والرجل الفرنسي والرجل الذي يعيش في غابات أواسط أفريقيا إلى أي موسيقى عالمية فيفهم الموضوع الموسيقي ويتصور معانيه ويدرك ألغازه لذلك فقد قررت أن ألحن البروكة على هذا الأساس وسأعطيها الجو الذي يناسب وضعها والذي رسمه لها المؤلف سأضع لها موسيقى يفهمها العالم كله.

انتهت حياة هذا الفنان الخالد يوم 10 (سبتمبر) من عام 1923 ( وهناك روايات كثيرة عن سبب وفاته ومنها أنه توفى بسبب جرعة زائدة من المخدرات ولكن أحفاده خرجوا ونفوا تلك الرواية مستندين على خطاب بخط يده يقول فيه لصديقه أنه اقلع عن السهر وكل ما يصاحبه وينصح صديقه بالتخلى عنهم واستندوا فيها أيضا على ما تم ذكره في مذكرات بديع خيرى أن الشيخ سيد أقلع عن المخدرات ويظهر ذلك جليا في أغانيه التى تنصح الشعب بالابتعاد عن المخدرات أما الرواية التى قيلت بالأدلة أن سبب الوفاة هو تسمم مدبر من الانجليز أو الملك فؤاد بسبب أغانى سيد درويش التى تحث الشعب على الثورة وقد نشرت جريدة الاهرام المصرية العريقة “الأهرام” فى 26 ديسمبر 2017 نقلاً عن حفيد سيد درويش أن “من قتله هو الاحتلال الإنجليزي عن طريق إحدى الأسر الصديقة لسيد درويش والخائنة للوطن ولسيد درويش، والتي تم إغراؤها بالمال، حيث أعدوا له عشاء بمناسبة الانتهاء من لحن استقبال سعد زغلول، وتم دس السم له في الطعام، وبمجرد عودته إلى المنزل وافته المنية ولم تتمكن الأسرة من إسعافه على الفور”.
وأوضح الحفيد أنه “نظراً لشكوك الأسرة والمحيطين طالبوا بإخراج الجثمان وإعادة تشريحه لمعرفة سبب الوفاة، فامتنعت السلطات ورفضت تنفيذ هذا الطلب، لتأكدهم من دس السم له وخافوا من افتضاح الأمر”، وهذه هي رواية النهاية المؤكدة لوفاة سيد درويش عند أسرته.

لكن الاهرام تساءلت: من دمر سمعة الشيخ درويش وألصق به إدمان الكوكايين؟
– توفى الموسيقار والفنان العظيم موسيقار الشعب سيد درويش وعمره 31 عاما وما أقصره من عمر وما أكثره من إنتاج وما أشقه من جهاد في سبيل هذه الحياة القصيرة الصعبه ..رحم الله الموسيقار العظيم سيد درويش

لا تعليقات

اترك رد