عوامل تفعيل حركة التذوق الفني التشكيلي ج6


 

لقد اختلف المفكرون والفلاسفة في تقييم فكرة الجمال وايجاد خصائص محددة له بوصفه علماً، فهناك فريق من المفكرين مثل اصحاب النظرية الصوفية والنظرية التأثيرية في الفن يقولون باستخدام منهج محدد لدراسة الجمال، وتعد النظرية الصوفية للجمال مثالاً لاصحاب الموقف اللامنهجي في الجمال، اذ يرى هؤلاء “ان العقل عاجز عن ادراك الجمال، لذا يستبعدون محاولة العقل لوضع منهج، لان الجمال يتجاوز العقل، وانما يدرك، والجمال، الجذب والوجد والكشف، والفن نوع من العبادة المقدسة .

اما اصحاب المواقف المنهجية فيمكن ايجاز آرائهم بما يأتي :

اولاً:: اصحاب المنهج التجريبي: حيث حاول (فخنر) قياس شدة الاحساس عن طريق بياناتها الموضوعية والكمية، وتدخل التجربة ميدان علم الجمال، وقد استخدم المقياس الذهبي والاشكال الهندسية لوضع مقاييس للادراكات.

ثانياً: اصحاب المنهج الوصفي التحليلي: وقد حاول هؤلاء الكشف عن القواعد والمبادئ التي ينبغي ان يتمرس فيها الفنان في انتاجه، ومحاولة ايجاد تفسيرات وتحليلات للعمليات الجمالية لعملية الابداع او التذوق الفني.

ثالثاً: اصحاب المنهج الوصفي: يرون مهمة عالم الجمال الوصف والتفسير والحكم على الاشياء في ضوء الجنس والبيئة والزمان.

رابعاً: اصحاب المنهج الدوغماتي والنقدي: يرون ان هناك مثلاً اعلى للجمال يعد (افلاطون) اول من وضع المثل الاعلى للجمال تشارك فيه الاشياء الجميلة المحسوسة، اما (كانت) فانه يصوغ المثل الاعلى بوصفه سابقة للتجربة الجمالية.

خامساً: اصحاب المنهج المعياري: وهؤلاء يتناولون دراسة الجمال ضمن فلسفة القيم بوصفه قيمة كالحق والخير والجمال، وعوداً على بدءً، ان الاعتقادية الدوغماتية التي رسمت المذهب الجمالي الافلاطوني سبقه تنظير جمالي نسبي محوره الانسان، هو مذهب السفسطائيين الذين اكدوا انسانية الظاهرة الجمالية بوصفها وليدة تحولات زمانية ومكانية حيث ابرزت الفلسفة السفسطائية قيمة الادراك الحسي والانطباعات المرافقة له، وطالبوا بحرية الفرد في التعبير عن مكنوناته وانفعالاته. ومن هؤلاء السفسطائيين (غور جياس) 483-376 ق.م. وقد صاغ افكاره عن الجمال مبتعداً عن ربطها بفكرة الحقيقة، فغاية العمل الفني لديه ارضاء المتذوق عن طريق تجاوز الاقناع العقلي الى حد اثارة الانفعالات والعواطف وسلب الانسان ارادته (عون سامي، الموسوعة الفلسفية العربية1988).اما فيثاغوريون فقد نظروا الى الجمال بمعايير رياضية، (ففيثاغورس) 580-500 ق.م، رأى ان المعيار الجمالي هو المعيار الرياضي الهندسي ويقوم على الاعتدال، وان هدف العمل الفني هو التعبير عن الحقيقة بصدق ( عون، سامي 1988) اما سقراط 470 – 399 ق. م فقد عارض أي نظرية للفن تجعله غاية لذاته وتصميمه على المعيار الحسي، بل ان الجميل هو ما يحقق الخير النافع .

اما افلاطون وهو تلميذ سقراط (488 – 347ق. م) فقد كان من ابرز الفلاسفة الذين اهتموا بتسجيل موقف محدد للجمال، وقد افاد من الفيثاغوريين واستاذه “سقراط” لصياغة اكثر النظريات الجمالية تماسكاً في العصر الاغريقي، لقد اقام مثالاً للجمال هو الجمال المطلق او الجمال بالذات، ذلك الذي يجتذبه الصانع او الفنان في خلقه لموجودات العالم المحسوس، وقد تكلم “عن الجمال في محاورتين بطريقة تفصيلية، المحاورة الاولى هي ايون Ion) ثم محاورة (هيباس الاكبر). وفيها التصور السقراطي الداعي الى تكريس الجمال في خدمة الفضائل الاخلاقية.كما اصدر افلاطون حكماً بان الشكل وليس المضمون، هو ما يجعل العمل الفني جميلاً، واكد ايضاً ان الجمال مستقل عن الحقيقة والنفع ولكنه كثيراً ما كان يتمنى، وكما في نهاية فايدروس مثلاً حدوث تألق بين الشكل والمضمون.

وفي مؤلفه “المأدبة” وضع افلاطون رؤيته الفلسفية للجميل في ذاته وصور على لسان سقراط “هذا الجمال الالهي الذي لا يتولد عن شيء ولا يفنى، ولا يزول ولا ينحط، ولا ينمو والذي يضفي معنى الحياة”( زيتاني، الموسوعة الفلسفية) وقد ابتعد افلاطون عن النزعة العقلية بتشديده على التأمل الصوفي وصولاً للجمال المطلق او المثال اذ افترض وجوداً مسبقاً لحب المثال في عالم مفارق يفترض بالفنان الحقيقي الوصول اليه، فالقيم موجودة قبل أي عمل فني، وهي لا تبدع ولا تخلق، بل على الفنان ايجادها ومحاكاتها، والمحاكاة في المفهوم الافلاطوني تفترض المعرفة الفلسفية والصدق في التعبير، وهي مستنيرة وتقتضي ان يعبر الفنان عن فن محقق للحق والخير والجمال.

اما ارسطو 364-322 ق.م، فقد رأى ان الجميل ليس مفارقاً دائماً بل هو كامن، واكد ان الفن ليس محاكاة الجميل في ذاته انما هو محاكاة جميلة لأي موضوع يختاره الفنان، فالجمالية تأتي من محاكاة الطبيعة وهي ليست بالضرورة محاكاة لموضوعات جميلة فقط، بل هي محاكاة الواقع كما هو او الطبيعة بما هي عليه، فالفن هنا يكون مكملاً للطبيعة، وان المحاكاة غريزية في الانسان، لذا لابد من ارواء الحس الجمالي وتنمية التذوق الفني.

وانا اتفق مع رأي الفيلسوف ارسطو كون الجمال الفني يكمن في مضمونه الهادف وكذلك مستوى المهارة، وهذا ما يتطابق مع الواقعية الحديثة التي تحررت من قيود الرسم لاصحاب الامراء والسلاطين الذي يمثل الشموخ والرفاهية بعيدة عن محتويات وتشخيص المجتمع العام .. مع ان نظريته كانت تختلف عن افلاطون وسقراط ولكن هي بداية بسيطة للتحرر.

اما الفلسفة الهيلينية وما اصطلح على تسميته الافلاطونية المحدثة* التي يمثلها الفيلسوف افلوطين 205-270م. ورواد هذا الاتجاه كان لهم تأثيرهم الكبير في الفكر الفلسفي الاسلامي، وفيما بعد على الفلسفة المسيحية في القرون الوسطى، اذ تمتاز فلسفته بعمق الشعور الصوفي والمثالية الافلاطونية، اذ يرى (افلوطين) ان الوجود الحقيقي، انما هو موجود الاول “او الواحد أي الله وهو المطلق المتناهي، وهو اعلى من أي صفة، وانه فوق الجمال وعلته، وفوق الخير وعلته، وهو اعلى من كل شيء، وهو كامل، وكماله من الشمول بحيث لا يمكن الا ان يكون فياضاً، وهكذا انطلق منه الفيض، ولا قيمة للمعرفة العقلية او الاحساس، انما القيمة الحقيقية هي للتجربة الصوفية وللكشف والذوق والارشاد (الفيضي)، والفيض كما يصدر النور من الشمس من دون ان يتغير جوهر الشمس، (فالاول) يفيض على كل الاشياء، وكل الكائنات والموجودات هي صورة للاشياء التي انبثقت عنها .ففلسفة افلوطين تمثل طريقاً ميتافيزيقياً وطريقاً صوفياً، الاول يصف فيه سير الوجود من (الاول) الى (العقل) ومنه الى (النفس) اما الثاني فيصف فيه عودة النفس الى مصدرها الاول وانجذابها اليه واتحادها به، وهو يعود من الكثرة الى الوحدة .اما الفلسفة الاسلامية العربية فقد لاحظت تداخلاً وتفاعلاً بين التراث الاغريقي والهيليني والتراث العربي الاسلامي، فيما يخص مفهوم الجمال، ولقد تأثرت الفلسفة الاسلامية بشكل كبير بفلاسفة العقل الاغريق: افلاطون وارسطو، وكذلك بالفلسفة الافلاطونية الجديدة وعلى رأسها الفيلسوف افلوطين، الذين امتزجت افكارهم مع الفكر الاسلامي الذي يؤمن بالمطلق الواحد الذي هو الله والذي تتمثل فيه كل قيم الخير والحق والجمال.

وقد ظهر عدد من الفلاسفة المسلمين والحركات والاتجاهات الفكرية تطرقت بشكل او بآخر، الى موضوعة الجمال لارتباطها بالكمال الالهي، كما ظهرت بعض الافكار والنظريات الجمالية والفلسفية بما يخص بعض الفنون خاصة الفنون الكلامية، كالشعر، وكذلك فنون الموسيقى وفنون الخط والزخرفة والعمارة، بنسب متغيرة من فكر الى آخر، واما هذه شكلت (الفيثاغورية، بتعليمها المركز على الرياضيات والهندسة وبخاصة عبر تيارها الاقل عقلانية، مستنداً لكل الجماليات النابعة من الحركات الدينية التي ظهرت في تاريخ الاسلام.

ولقد تأثر المعتزلة بما جاءت به الافلاطونية من فكرة الجمال المطلق، وان الحق والخير والجمال انما هي ماهية واحدة، اذ وجدوا بوصفهم ممثلي التيار العقلاني في الاسلام. ان في هذه النظرة اولوية العقل والمطلق. اذ ربطوا الجمال بالعقل والشرع معاً، فما حسن في نظر الشرع يعد حسناً في نظر العقل، بمعنى ان العقل هو اساس القيمة الجمالية، وبذلك فالموقف الجمالي يطابق الحق بالجمال.

اما المتصوفون المسلمون فأن موقفهم من الجمال وتفسيره مرتبط بالجمال الالهي وكل الجمالات الجزئية سواء كانت عقلية ام حسية انما تشارك في الجمال الالهي وترتبط به لانها اثر من اثارة،او ضمن افاق الانهاية. .وقد ميز الغزالي بين طائفتين من الظواهر الجمالية، احداهما تدرك بالحواس وتتعلق بالصور الخارجية وانسجامها، سواء اكانت بصرية ام سمعية ام غير ذلك، وطائفة ثانية هي ظواهر الجمال المعنوي التي تتصل بالصفات الباطنية وتدرك بالقلب، بمعنى ان الوجدان يمثل قدرة ادراك الجمال المعنوي الذاتي والوجداني .

وللافلاطونية الجديدة دورها وبخاصة كتاب (الالهيات) المنسوب الى ارسطو على اراء الفارابي 878-950 م، و (ابن سينا) 1980-1037م. الفلسفية، وكذلك الاتجاه الصوفي الفارسي عند السهروردي 1155-1191. وهذا ما يفسر ظهور المنمنات وتزويق الكتب الدينية واهمها المتعلقة بالمعراج النبوي.

وقد اسهمت الفلسفة الارسطوطاليسية إضافة الى الفكر الاسلامي القائم على التجريد في تضمين الجماليات الاسلامية فكرة التجريد، اما الجماليات في العصور الوسطى فقد تأثر بعض الفلاسفة بامثال بونافنتورا 1221-1274م، حيث كان يرى الجمال لا يقوم في الوحدة في المختلفات والتناسب العددي، والانسجام بين الاشياء، ولذلك فالجميل هو ما هو ملائم لذاته، وفي انسجام مع الاشياء الاخرى، وكل جمال في الجسم يؤكد تناسق الاجزاء، مقروناً يكون مناسب.

اما في عصر النهضة فقد (اصبح الانسان مقياساً لجميع الاشياء). وقد شهدت فلسفة الجمال عصرنة للقيم الجمالية مع تغير الاتجاه الفكري نحو الطبيعة وظهور النزعة الانسانية، فغلب على الجماليات النظر في الوقائع الطبيعية بحد ذاتها. والاهتمام بالمعنى الانساني للفن وحاول (دافنشي) وضع الفن على اساس رياضي

وفي القرن السابع عشر كان ديكارت من اشهر فلاسفة عصره، ولم يشر صراحة الى علم او بحث مستقل بدراسة الجمال، على الرغم من انه عرض لتفسير ظاهرة الجمال في رسالته عن الموسيقى، حيث يرى العقل مرتبط بالاحساس، (فالجميل بالنسبة لديكارت يرجع الى عالمين في وقت واحد، عالم الحواس وعالم الذهن، ويرى نسبية تقدير الجمال، فالاجمل هو ما يروق لعدد اكبر من الناس.

اما في انكلترا فكان تفسير الجمال على يد (هيوم) و (لوك) و (هوغارت)، و (بيرك) وغيرهم، الذين ربطوا الجمال بالاحساس وميزوا بين الشعور الخالص وبين المنفعة، واكدوا الرجوع الى الطبيعة.

اما في المانيا فقد كان نوئيل كانت 1724-1804 قد ارجع الحكم الجمالي الى الذات، فالذوق هو ملكة تحكم بقبول فكرة او موضوع، او عدم قبولها من دون أي غرض او منفعة، ويؤكد على الطابع الكلي ومن دون أي تصور عقلي للحكم الجمالي. والحكم الجمالي هنا وليد التخطيط الخفي الذي هدفه تسيير التناغم بين الملكات او ملائمة الفكرة المحصلة عن الشيء الجميل وادراك هذه الملاءمة، والحس الجمالي لديه هو التناغم بين ملكة الفهم والمخيلة وهو موجود مثلاً في الذات، ويؤسس بذاته المصداقية الكلية والضرورية للاحكام الجمالية، وينتج عن هذا التناغم الشعور باللذة والرضا. ويؤكد ان الذوق ينظم العبقرية المبتكرة ويفرض نفسه معياراً لتقدير الجميل في العمل الفني. ان فلسفته لم تبحث عن عمّاهية الجمال، قدر بحثها في شروط ادراكه انسانياً.اما هيجل 1770 – 1831: فيؤكد ان الجمال موضوعه ليس الجمال الطبيعي، بل الجمال الفني، وان هذا الاخير هو وليد ابداع الروح والوعي والحرية، وهذا الطابع الروحي للجمال الفني يؤهله لان يكون ارفع مقاماً من الجمال الطبيعي، فالفن هو ابداع، وليس مجرد محاكاة، اذ يتحول المحسوس الى روحاني، والروح تتمظهر في الشكل الحسي، وان الجانب الفكري يشارك في المثالي.

شوبنهور – 1788 – 1861م: الفن عنده هو التصور الدقيق للارادة وهو تأمل في الاشياء المستقلة عن مبدأ العقل – وان الفنان هو من اعارنا عينيه للنظر الى العالم. والفن افضل نمط للمعرفة الفلسفية، اما نيتشه 1844 – 1900م: فقد رفض النزعة العقلية متابعاً خط فلسفة الارادة عند شوبنهور حيث يعتقد ان الفنان هو الذي يسعى بمداراته الكلية التي هي حصد كل ابداع فني . ورداً على الاتجاهين الهيغليوالكانتي، فقد ظهر اتجاهان مضادان يتمثلن في :

الاول – فلسفة كارل ماركس 1818-1883 الذي وضع نظرية جمالية تشدد على المضمون لا على الشكل. والجمال والفن يتحقق بقدر تعبيري عن مصالح الطبقة الصاعدة (البروليتاريا) اما الاتجاه الثاني وهو الاتجاه الرافض، فيتمثل في افكار الفوضويين خاصة بيار جوزيف بردون 1809-1865م وميشال باكونين 1840-1876م، وهم يحذرون من تسلط الفنان وديكتاتوريته، فيصرون على فن يبدعه الشعب .اما ليندتوكروتشه 1866-1952م: فاتجاهه روحي تاملي (الفن لديه هو حدس غنائي تمثيلي ووجداني في آن واحد. والعمل الفني هو مزج تعبيري متسق ومتحقق بين صورة ما قبلية وعاطفية حسية، فهو رفض للمحاكاة وتأكيد الحدس الجمالي.

اما جون ديوي 1856-1952: فقد رأى ان الفن حياة وخبرة، اذ يقول “ولما كانت الخبرة هي بمثابة تحقيق يضطلع به الكائن الحي في صراعه مع عالم الاشياء، وربط الفن الجميل بالفن النافع وانهما مظهران لنشاط بشري واحد في صميمه، ويعدُّ ديوي التذوق الفني بمثابة خلق وابداع لخبرة المتذوق للعمل الفني، بعد ان كان العمل متمثلاً في خبرة الفنان التي تتصف بطابع حركي يخلع على تطورها صورة التغير المتصل المستمر وهكذا تكتسب الطابع الجمالي”( إبراهيم،ص122,1966 ) اما مدرسة التحليل النفسي: سيغموند فرويد 1856-1939: الذي ربط الفن بالمعطيات السايكلوجية، وانه تعبير عما هو مختزن في اللاشعور من افكار وعقد، ومناحٍ نفسية عديدة مؤثرة في العمل الفني، مثل ظاهرة التسامي والاعلاء والنرجسية وعقدة اوديب، وعقدة الكترا وما الى ذلك من الرموز والحالات التي تختزن في اللاوعي وتظهر في الاحلام او النشاط الابداعي.

اما آراء ومواقف الفلاسفة في الجمال في القرن العشرين فيمكن ايجازها باتجاهين وهما كالآتي:

الاول- يولي الشكل الاهمية الكبرى، اما الثاني- فقد اكد مسألة الذاتية منطلقاً في سبيل استطيقيا علمية وفلسفية. الا ان الفكر الجمالي الوصفي قد تبلور وتأكد في القرن العشرين، وتمحور هذا الفكر في ثلاثة تيارات رئيسة:

الاول:- الجمالية في صيغة المتكلم ويمثل الاتجاه الذاتي:

ومحوره دراية الوعي الجمالي بتحليل عياني ويمثله (اندريه مالرو) 1901-1976م اذ يرى أن “الاعجاز الفني لا يقاس بمدى، على عكس الواقع الحياتي وانما تجميل المعطى ودفعه الى عالم اخر. فالمضمون في الفن هو مادة اولى ليس الا، سرعان ما يفرض الاسلوب نفسه موضوعاً خصوصياً.

الثاني:- الجمالية في صيغة المخاطب (الاتجاه الذاتي – الموضوعي ) ومحور هذا الاتجاه دراسة عملية للادراك الجمالي ودور التراث في الحكم الجمالي على الموضوع، ويمثله (هنري بيرغسون) 1859-1941م، والظاهراتية الهوسلرية التي انبثقت منها الوجودية الفرنسية، ومن اشهر فلاسفتها (بول سارتر). وقد اكد بيرغسون ان الفن له محطات ثلاث رئيسة: الخلق والتامل، والتفسير لن يستطيع فهمه ما لم ترفض الذاتية المطلقة والموضوعية المطلقة. وان المنهج الانسب لعلم الجمال هو الحدس. والفن يبسط الادراك والادراك ليس نقيضاً.

الثالث:- الجماليات في صيغة الغائب وهو الاتجاه الموضوعي :

يسعى هذا الاتجاه الى جماليات موضوعية بالركون الى الاختيار والاستقراء ومن ابرز ممثلي هذا التيار (غوستاف تيودور) فهو (الذي حاول اكتشاف عبر تطبيق مبدأ الاستقراء، المبادئ الاساسية التي تتيح اخراج علم جمال اختياري واحصائي ينهي عن التنظيرات السالفة) . اذ يرى الا يبتعد علم الجمال عن التأملات الفلسفية في الجمال، ويقتصر على البحث في سياق القوانين الفيزيولوجية والنفسية المتحكمة في تجربة التذوق الفني. اذ قام بتجربة القطاع الذهبي التي اجراها بوساطة مستطيلات من الكارتون الابيض توضع باشكال مختلفة على خلفية سوداء لمعرفة أي الاشكال تلقى قبولاً لدى عينة محددة من الافراد اختارهم من الفئة المثقفة.

ومن هذا الاتجاه (ريمون باير) 1859-1959، مفكر فرنسي يطرح المنهج الواقعي الاجرائي بوصفه افضل منهج لدراسة العمل الفني والجمالي وينتقد جميع المناهج الميتافيزيقية والنفسية والفيزيائية والاجتماعية والذهنية، اذ يعتقد بأن للانتاج الفني شكلاً حسياً متحققاً يمكن ملاحظته، فلا ضرورة اذن للاهتمام بالمفاهيم الفلسفية مثل الحدس والتصور والوجدان، بل الاعتماد على المنهج الاستدلالي التجريبي بمعنى ان المتذوق يخرج باحكام محددة بعد مواجهته للعمل الفني واستقرائه ضمن مدلولات وحيثيات محددة في العمل نفسه.

اما (شارل لالو) 1877-1953 م، فيمثل الموضوعية الاجتماعية، ثم اتخذ مبدأ الجمالية التجريبية، وهو يرى ان الفن بالمعنى الواسع هو عبارة عن عملية التعديل او التغيير التي يدخلها الانسان على مواد الطبيعة. وان العنصر المشترك بين كل الفنون الجميلة والتطبيقية هو عنصر الصناعة او التقنية، وكلما ابتعدت الفنون عن آلية الصناعة اكتسبت طابعاً حراً يدنو بها من الفنون الجميلة، فيصبح في وسعنا ان نجعل منها موضوعاً من موضوعات علم الجمال، اذ تنطوي تلك الفنون عندئذ على ابداع خيالي ورمزية شعورية او لا شعورية، وعلى نزوع نحو اللعب او المتعة ومن المفكرين المعاصرين (ارنست كاسيرر) المفكر الالماني الذي جعل الفن شكلاً ورمزاً، وقال في مجال التذوق الفني (حينما نعمد الى اتخاذ وجهة نظر الفنان او حينما نتخذ من منظوره منظوراً لنا، فاننا لابد ان نجد انفسنا مضطرين الى رؤية العالم من خلال عيانه الخاص، وعندئذ قد يخيل الينا اننا لم نر العالم قط من قبل في هذا الضوء الخاص، ولكننا نشعر شعوراً اكيداً بأن هذا الضوء ليس مجرد ومضة سريعة خاطفة بل هو قد اصبح بفضل العمل الفني نفسه نوراً ثابتاً للاستمرار، لذلك فان النتاج الفني عندما يبتعد عن آلية المقيدات الهندسية فان المتع يضاف اليه.

هربرت ريد: كاتب وناقد ومفكر أثرى الفكر الفلسفي والجمالي ببحوثه وكتاباته العديدة في فلسفة الجمال، يرى ان الهدف الاسمى لتذوق الاعمال الفنية ليس هو الاستمتاع ببعض القيم، بل هو الوصول الى التثبت من بعض الحقائق، وان للفن لغته القائمة على الرمز، وان لهذه اللغة نسقاً خاصاً من القواعد، وان الشيء القابل للادراك، هو الصورة التي تنقل معنى من معاني الوجود، او قطعة من الحقيقة هي من صنع الانسان. وقد عرف الفن بانه “محاولة لخلق اشكال ممتعة، ومثل هذه الاشكال تشبع احساسنا بالجمال، واحساسنا بالجمال انما يشبع حينما نكون قادرين على ان نتذوق الوحدة او التناغم بين مجموعة من العلاقات الشكلية من بين الاشياء التي تدركها حواسنا.

اما الكاتب والمفكر سومرت موم، فيرى ان الاثر الفني ليس حصيلة معجزة، بل انه يتطلب التحضير والتمهيد، فالفنان كالتربة يجب تغذيتها لتكون غنية، فعليه تنمية شخصيته عقلاً وتنويعاً بالتفكير وببذل الجهد، ومن ثم يترك كما تترك التربة للراحة، بعدها عليه انتظار الشارة التي ستضمن له حياة روحية، عندئذ تنبعث امامه الفكرة من دون ان يعرف مأتاها، وعلى الفنان ان يشحذ كل همته وكل مهارته وخبرته، وكل ما فيه من خلق وفردية متحملاً كل عناء لاظهار الفكرة بالكمال الذي يناسبها( موم،سومرستفي الادب والحياة 1975 ). وفي وصفه للتذوق الفني وشعوره امام العمل الفني يقول (انه تأثر يؤدي الى شعور بابتهاج عقلي ولكنه مصطبغ بالشهوة، شعور من العافية احس معه بالقوة وبالتحرر من القيود البشرية، واشعر في الوقت نفسه بحنان غامر غني بالعطف الانساني، وبراحة وسلام وسمو في الروح).

مما تقدم يمكن الوصول الى مؤشرات مفادها ان الآراء والافكار التي اتخذت مناحي مختلفة لتفسير ماهية الجمال والفن، سواء كان جمالاً فنياً ام طبيعياً، حسياً ام عقلياً، مثالياً ام واقعياً، حدسياً ام غير حدسي، صوفياً ام موضوعياً تجريبياً، تؤكد ان للفن والجمال قيماً وثوابت تنبع من ذواتنا ومن الواقع الموضوعي الذي يحيط بنا، وهذه القيم لها عناصر واسس مصدرها العالم الموضوعي كالخط والمساحة والفضاء والحركة والتوازن والتناسب وغيرها ودور الفنان المبدع هو تنظيم تلك العناصر والاسس بالوعي الجمالي والمعرفي، وكلما تكاملت تلك الشروط الاساسية للأثر الفني، كانت الاستجابة الذوقية للمتلقي افضل، وهي المفتاح الرئيس لعملية نمو التذوق الفني والخيال الادراكي للمتذوق الفنان على حدٍ سواء.

وان التذوق هو احساس بالجمال الطبيعي والفني يعتمد على المعرفة والثقافة وفهم الاسس العلمية للعناصر التشكيلية، وموازنة العلاقات المتبادلة بين تلك العناصر، اضافة الى تدريب المدركات الحسية والتنبهية للفرد المتذوق وكذلك التطبيقات المهارية على وفق الاسس المذكورة للمتذوق المختص (الطالب) او الفنان، والذي يأخذ جانبين من آلية التذوق الفني (المبدع والمتذوق) حيث تكتمل آلية التذوق الفني بالاتي:
-المبدع (المنتج للاثر)
-الانتاج الفني
-القيمة الفكرية للعمل
-المتلقي
-التغذية الراجعة.

المقال السابقإستفهام بلا علامة
المقال التالىفيزياء المعرفة
ماضـي حســن نعمــة فنان عراقي وكاتب وناقد في الفن التشكيلي..حاصل على بكلوريوس فنون تشكيلية ..ماجستير طرائق تدريس الفنون التشكيلية .. دكتوراه طرائق تدريس الفنون التشكيلية . اقام العديد من المعارض الشخصية والمشتركة اخرها معرض شخصي في قاعة ادمينتن الكندية. لديه العديد من المؤلفات منها كتاب ( تنمية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد