بقايا مقاتل


 

لم أكن أستطيع التمييز إن كانت تلك التخطيطات بقلم الرّصاص أم بالفحم، لكنّها على بساطتها، كانت لوحة تحمل مدلولاتٍ رهيبة وكبيرة.
أرض صحراوية، تعطي طابعاً يقينياً أنها نقطة حدودية، يقطعها سلك شائك يمتد على عرض الفراغ، تعلّقت بهذا السلك خرق بالية مقطعة، ترمز إلى بقايا مقاتل مزقته قذيفة أو أكلتْ جثته الذئاب.
كانت تلك لوحة “بقايا مقاتل”، لفائق حسن، عرفتها مبكراً أيام كان والديّ يجلبان لي كرّاساتٍ خاصّة بتعليم الرّسم، مع علبِ ألوان حسب المتوفّر..
فقبل الشعرِ، كنتُ أهوى رسم وجوه المشاهير، ولو أَتقنتُ رسمَ الأَنفِ، كنتُ الآنَ رسّاماً.
الأَنفُ وحدهُ جَعلني شاعرًا في النِّهاية، أَوصَلني إِلى خَطيئتي المغفورة، سِجلِ خيباتي الباردةِ، ملهّاتي اليومية، أُكافحُ كيلا أَفشلَ فيهِ، فَأَتَخطّاهُ إِلى القتلِ!
في تلك المرحلة، لم أكن لأفوّت حلقة من برنامج “المرسم الصّغير” لمقدّمه الفنّان خالد جبر، والّذي يعرض منذ ثلاثة عقود تقريباً، وما يزال عرضه مستمراً حتّى لحظة كتابة هذه الذّكرى.
ذاتَ ظهيرة قائضة، وكنت ممن يعاند النّوم، رسمت صبياً على متن زورق، وهو يجذف بكلتا يديه، في نهرٍ أزرق..، أحتفظتْ أمي بالورقة داخل مظروف ورقيّ كبير، حملهُ أبي إلى دائرة البريد، معنوناً إياه:
(دائرة الإذاعة والتلفزيون – الصالحية – برنامج المرسم الصّغير)
أصبحتْ متابعتي للبرنامج أكثر رقابة، وأكبر شغفاً، بانتظار عرض اللوحة في فقرة مشاركات الأطفال، وعرضتْ بالفعل في لحظة شعرتُ فيها بأنني أصبحتُ رساماً عالمياً ومعروفاً!
تمنيتُ لو أنّ خللاً يحدث ليتوقّف بسببهِ البثّ على لوحتي الّذتي يمسكها خالد جبر من طرفيها، بينما يعمل مصوّر البرنامج “زووم” على اللوحة حيث يتمعن في إبداع فائق حسن الصّغير.
ثمّ جاءَتْ المفاجأة الأكبر، حين أعلمني والدي أنه سيأخذني إلى مهرجان لرسوم الأطفال، يُشرف عليه خالد جبر، صدق أبي الوعد، وذهبنا بالفعل إلى ذلك المهرجان الّذي أقيم في قاعة النصر، الّتي أعيد لها اسمها بعد عام (2003)، قاعة كولبنكيان” في الباب الشرقي.
تجمهر هناك العديد من الاطفال والصّحافيين والمصورين، احتشدوا في القاعة الواسعة، قبل أن يدحرج العاملون إسطوانة ورق كبيرة على الأرض، هنا إذن سنرسم وليس بالأوراق الّتي حملناها معنا من البيت، والسبب كما فهم منهم أبي، ثمّ عادَ بدوره ليفهمني، أنهم سيأخذون رسوم الأطفال ليدرسها النقاد، ويقررون مدى تأثير الحرب على الطفولة في العراق عبر رسوماتهم.
رسمتُ دبابة مسرّفة، يُرفرف على ظهرها علمٌ عراقيٌّ، وطائرة هيليوكوبتر تحوم في السّماء..
ماذا عسى أن يرسم من تأثر ببقايا مقاتل فائق حسن أول الوعي والتأثر، بتلك الخرق الكئيبة المعلقة بالسّلك الشّائك،
بسحابة الدخان الأسود القادمة من الكويت بعد إنسحاب الجيش العراقيّ منها،
بمراقبتي لخالي وهو يضرب صليباً بالشريط الأسود اللاصق على زجاج النوافذ، عملاً بإرشاداتِ الدفاع المدني، منعاً لتطاير شظايا الزجاج في حال سقوط صواريخ قريبة،
بحفيف أول صاروخ “كروز”، سقط على مسافة (200)م، من بيتي، ثم تتابع سقوطها حتّى جاوزتْ الأربعين صاروخاً قبل أن تنقطع، وقبل أن يخترق صمتنا المرتجف صوت صافرة الإنذار بنهاية الغارة.
فتحنا يومها الباب الحديدي الذي تقعّر بفعل الضغط بصعوبة، وخرجنا نسير على قطع الزجاج التي ملأت الأرض.
إلتقطتُ صورة تذكارية مع أبي، كنتُ منحنياً على الورقة، حين طلب منّي أبي أنْ أرفع رأسي وأنظر إلى الكاميرا، في البيت عاتبته أمي: لماذا لم تطلبوا من خالد جبر أن يقف معكم في الصّورة؟!
بالفعل يا أمي، أنا اليوم أيضاً أسأل: كيف غفل أبي عن هذا؟!

لا تعليقات

اترك رد