ما لم يقال في أحداث البصرة

 

تناولت اغلب وسائل الإعلام على المستوى العالمي مجريات الأحداث في محافظة البصرة لان ما يحدث فيها يخالف كل الأعراف والقيم الإنسانية التي نادت وتنادي بها كل الشرائع السماوية والوضعية فلا يوجد دستور في العالم يبيح لأي دولة إهمال مواطنيها بهذا الشكل القاسي بل وحتى لو كانوا من الأسرى والأعداء يتوجب على الدولة الآسرة أن توفر لهم ما يؤمن حياتهم من المنافع الشخصية الضرورية ولا يخدش إنسانيتهم ولا يسمح بالتقصير بهذا والتعامل بما يضمن الكرامة للفرد والمجموع وكما هو معروف فان الدستور العراقي يلزم الدولة أن توفر بشكل عادل ومتساوي لجميع مواطنيها حق العمل والتعليم والتفكير والتنقل والسكن وما شاكل ناهيك عن التزامات الدولة الطبيعية والبديهية في توفير الخدمات الأساسية كالماء والكهرباء والصرف الصحي وأي تقصير في احد تلك الجوانب يعتبر إخلال بالعقد المبرم بين عناصر الحكومة كأشخاص والشعب ويترتب عليه إسقاطهم حتى إذا كانوا معينين بأسلوب ديمقراطي (الانتخاب) ومحاكمة أصحاب القرار فيهم.

يأتي الاهتمام من المجتمع الدولي بمحافظة البصرة ليس حبا بأهلها وان كان ظاهره الادعاء بالتكافل الإنساني والشعور بمعاناة البصريين بل لأنها المستودع الأكبر لخيرات العراق إضافة إلى كركوك من جانب ولأنها تمتلك تقريبا اكبر احتياطي نفطي عالمي أي أنها شريان مهم في الاقتصاد العالمي ناهيك عن كميات النفط الهائلة التي تمر من خلالها من النفط العراقي إضافة إلى ما وفرته عقود جولات التراخيص التي عقدها الدكتور حسين الشهرستاني من نسبة الأرباح التي تدر على الشركات الغربية مليارات الدولارات ظلما من خيرات الشعب العراقي التي حرم منها ولا يمكن التفريط بها ومع هذا لم نلحظ عدا التخوف شيء ولم نلحظ أي جهد دولي للتدخل في حل المشكلات العالقة والتي طالب بها المتظاهرون طيلة أكثر من شهر.

إن أهم أسباب اندلاع الأحداث في البصرة هي نقص الخدمات بل انعدامها وما رافقها من استهزاء المسئولين على غرار استهانة الدكتورة عليه حمود وزيرة الصحة التي قالت إن من راجعوا المستشفيات هم ألف وخمسمائة متسمم ولم يمت منهم احد بينما أعلن غيرها إن أكثر من خمس وعشرون إلف هم من راجعوا الدوائر الصحية وكأن العدد الأول غير مهم وكان ينبغي لهم أن يموتوا حتى يهتز ضميرها كما إن وعد السيد رئيس الوزراء المنتهية ولايته الدكتور حيدر العبادي بتعين عشرة آلاف بصري لم يجد طريق إلى النور رغم معرفة الناس بعدم إمكانية تحقيقه لان الناس يدركون انه لا يمتلك هذه الصلاحية من الناحية الدستورية حيث إن موازنة العام الحالي خالية من التعيينات بدلالة عدم تطبيقها لحد الآن وإذا كان يمتلكها فلماذا انتظر خروج التظاهرات ليطلقها وما طالبت به محافظة البصرة في نقص الخدمات طالبت به جميع محافظات العراق .

ما حصل في البصرة لم يكن وليد ساعته وان كانت انطلاقته عفوية وهو نتيجة لتراكم معاناة استمرت لفترة طويلة كانت حالات التسمم فيها القشة التي قسمت ظهر البعير ولم يخرج مسئول بتصريح ليبرر أسباب التسمم فشط العرب هذا يجري منذ بدء الخليقة فماذا جرى له ليسمم ويقتل من يعتاش عليه ومن شرب مائه اليوم فكل عراقي له ذرة من الوطنية والإخلاص يريد أن يعرف السبب .

التظاهرات من عدة أشهر وهي تعم جميع محافظات العراقي في الوسط والجنوب واغلب مدنه وفي بدايتها كانت عناوينها واضحة وبسيطة وكلها دستورية لكن إهمال الرد عليها رفع سقف مطاليبها حتى أصبحت تطالب بإسقاط الحكومة ورموزها ورفض العملية السياسية بالكامل فالخلل لا يتركز عند حزب أو عند جهة سياسية معينة بحد ذاتها إنما أصبح الجميع يقف تحت مظلة التقصير فالوزارات كلها قصرت ابتداءا من وزارة التخطيط التي ينبغي لها دراسة الأوضاع وتهيئة خطط تنمية البلد وانتهاءا بآخر وزارة خدمية ومما زاد في تصعيد حدة المطالب الجماهيرية إن أركان العملية السياسية يسقط بعضهم بعضا من خلال وسائل الإعلام دون اتخاذ إجراء مناسب وقضاء يتجاهل تحريك دعاوى ضد الفاسدين وتغول البعض وتعاليهم وغرورهم وتنامي فسادهم وليس هنالك من يتعامل بشفافية مع موضوع صرخات هذا الشعب فماذا يمكن أن تكون النتائج غير هذا الذي جرى .

المتظاهرون في كل محافظات العراق دون استثناء استخدموا حقهم الذي منحه لهم الدستور سلميون ليس لهم هدف سوى أن تسمع الحكومة مشكلاتهم وتستجيب لهم في معالجتها وهم شباب في مقتبل العمر لم تتجاوز أعمارهم العشرين إلا في بعض المشاركين وعددهم بأصابع اليد من المتضررين وجرحى الحرب وعوائل الشهداء أو ممن تعرضوا إلى ظلم وهم أيضا لا يطمحون أكثر من الحصول على حقوقهم الطبيعية كجزء من أبناء البلد وهم لا مصلحة لهم في حرق مقر حزب أو دائرة رسمية أو مؤسسة حكومية لأنها بالأصل تحتوي على أرشيف معاملاتهم وطلباتهم التي ينادون بها لكن من يحرق بالتأكيد هو غيرهم ممن يحمل غايات مريضة وهؤلاء على نوعين الأول منهم قد حصل على ثمن جريمته من المنتفعين بحرق الدوائر خصوصا تلك التي حدثت فيها عمليات فساد لإخفاء معالم وآثار فسادهم وإما من المأجورين من أصحاب السوابق في الجريمة المنظمة لينحرفوا بجهود الحق الشرعية ويمنحوا الفرصة لمن يتصيد بالماء العكر والحاقدين والذين ينادون بشعارات لا يتقبلها العقل السليم وممن يحاول إبراز قوته من المشبوهين والمتعطشين للدماء من ضرب المتظاهرين مصداق هذا كلام السيد رئيس الوزراء الدكتور حيدر ألعبادي الذي أعلن من البصرة إن المتظاهرين أصحاب الحقوق لم يحرقوا أي شيء ولم يعتدوا على أي احد بل انسحبوا لينكشف من قام بالفعل المشين وعادوا إلى التظاهر السلمي بعد أن تكشفت الحقائق.

لقد طرح الشيخ قيس الخزعلي عن حركة عصائب أهل الحق وتلاه السيد عبد المهدي المهندس عن الحشد الشعبي في مؤتمرات إعلامية ليومين متتاليين وفي اليوم الثالث جاءت تصريحات السيد حيدر ألعبادي لتؤكد إن الأحزاب السياسية قد حاولت استغلال أحداث البصرة وسيحاولون هذا في كل محافظة تنتفض لتسقيط الآخر أو لتصفية الحسابات بينهم أو لفرض واقع رفضه المجتمع العراقي بعد أن جربه يخدم الاستحواذ أكثر على المناصب الحكومية وان الغد القريب لا زال يحمل الكثير من المفاجئات .

المقال السابقفيزياء المعرفة
المقال التالىاَلْعَوْدُ أَحْمَدُ
لاسم/ رقيب عبد الرحمن المطيري التولد / 1957 التحصيل الدراسي / بكالوريوس آداب / قسم التأريخ المهنة / متقاعد اعشق العراق وشعبه بجنون ولا فضل لي بهذا اكتب ما أراه يخدم شعبي وتنشر لي بعض المواقع والصحف....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد