اَلْعَوْدُ أَحْمَدُ


 

غدا تَعود إلى تلاميذك، غدا تتفقّد محفظتك تمسح عنها غبار الصّيف، تعرج بك أوراقٌ وصحائفُ أطلّت من جيوبها إلى آخر لقاء كان معهم نهاية السّنة الدّراسيّة المنقضية. ما أسرع ما يمضي الوقت! … الأرض تدور دورتها، والسّاعة تكمل دورتها وتستأنفها وتكملها وتستأنفها وتلاميذك يكبرون، تطول قاماتهم، يشبّون، ويشبّون عن الطّوق، وأحلامهم تتّسع بُهرتُها قدر أقباس قبسوها وقدر أنوار ذكت فيهم. وأنت في تلك البهرة يحتويك الزّمان فأنت دقّاته التّترى ساعاتُه وأيّامُه حتّى تشيخَ فيك عقارب الوقت، ولا سلوى غير راحة الضّمير ونظرة الاعتراف بالجميل، ومحلّك من عقول وقلوب.
“العودُ أحمدُ أبنائي”.
أهذه أمنيتك أم رجاؤك؟ قولك بلسانك أم ما انعقد عليه قلبك؟ تصميمك أم عزائمهم؟ صوتك أم أصوات اجتمعت فيك؟ جهدك المفرد أم جهود تُظاهره وتؤازره؟ …
ها أنت تقف بينهم، تطالع وجوههم، يطالعون وجهك، سَمتك، قولك، فعلك، وقفتك المهيبة ومشيتك الواثقة ونظرتك القاصدة تضمّ الفضاء إليك…
وها أنت تبادرهم:” هلّا حدّثتموني عنكم، عن الحياة معكم ومِن حولكم، حظِّكم منها ومطلبِكم منها…، حدّثوني عن أهوائِكم: أيّ أغنية تسمعون؟ إلى أيّ فنّ تميلون؟ أيّ كتاب تقرأون؟ أيّ رياضة تمارسون؟ …، ليحدّثني كلّ واحد منكم عمّا يراه أصيلا جميلا في نفسه يختصّ به، وبه ينماز؟ … من تُرى منكم يكتب الشّعر أو القصّة أو الخاطرة؟ يحسن الغناء؟ يعزف جميل الألحان؟ يتقمّص الأدوار؟ يرسم جميل التّصاوير؟ …
أصْدقوني القولَ أيّ الموادّ الدّراسيّة أحبّ إليكم؟ ما منشأ الرّغبة في بعضها والرّغبة عن بعضها الآخر؟ وكدتَ تسألهم:” وهذه العربيّة ما حاجتكم إليها…؟ ” ولكنّك لم تفعل.
وكنتَ ترى أصداء أسئلتك في بريق العينين، وفي افترار الثّغور، وفي نظرات تتراسل، وفي صمت يمتلئ كلاما…، وكان عليك أن تصغيَ إليهم. وها هم أولاء يتكلّمون ويعبّرون ويبوحون… وها هي ذي حكاياهم تبدأ ومضات ثمّ شيئا فشيئا تستحيل فيوضات؛ تتتابع وتتوالد وتتقاطع وها يأخذك ويأخذهم سحر الحكاية، يطيرون بأجنحتها، وها أنت تراهم من خلال عبارتهم، وها أنت تعْبُر رؤاهم… وها هم يتراءون أجمل وأبهى… وها أنت تضعهم – من دون أن يشعروا-موضعهم من الدّرس الّذي عليك أن تضعه موضعه من حياتهم وقلوبهم وعقولهم.
نسيتَ أن تقولَ إنّك أيضا – وقد أخذك سحر الحكاية وأردت مشاركتهم سحرها-حكيت حكايتك. طبعا لن تحكيها لقرّائك خوف أن يتحوّل نصّك إلى سيرة ذاتيّة. ولكنّك واهم فكلّ ما نكتبه يحكينا على نحو من الأنحاء.
وتراهم يَرَون درس العربيّة حصّتَه الأولى مجلسا من البوح والألفة يكادون ينكرونه؛ أنتَ الآن تقرأ على شفاههم أسئلتهم: لمَ لَمْ يُمْلِ علينا أستاذُنا عناوين البرنامج الدّراسيّ؟، لِمَ لَمْ يدافع عن مادّة اختصاصه ويغرينا بفضائلها ويرغّبنا في الإقبال عليها ويحذّرنا من مغبّة التّهاون في دراستها… لِمَ لَمْ يضبط لنا ما ينبغي فعله وما لا يجوز فعله؟ لِمَ لم يدعونا إلى شراء كرّاسات كيتَ وكيتَ؟ …
وكانت أسئلتهم رجع صدى لأسئلة خامرتك وأنت تتأمّل ممارستك: ما حاجة المتعلّم من درس العربيّة؟
وكان تحضيضك إيّاهم على أن يتحدّثوا في ما تحدّثوا فيه رغبةً منك في تعرّف الإجابة. وأصدقُ الإجابات ما لم تكن إجابة مباشرة عن السّؤال، ما كانت فيضَ خاطر وبوح ضمير.
وسيعلم تلاميذك بعد حين أنّ مفردات البرنامج هم معقدها وسرّ انتظامها وهي بعضٌ منهم تقولهم فليست شيئا خارجا عنهم، وسيعلمون أنّ الجميل ما تبدّى فوقع في النّفس غنيّا عن مُدافع منتصِر ورسول مُغرٍ، وسيعلمون أنْ كفى بالوقائع والمواقف الّتي سيشهدون في حياتهم المدرسيّة وفي ساعِ درسهم وفي سلوك أستاذهم واعظا، وسيعلمون أنّ عصرهم أغناهم عن الجمع والنّسخ وأنّ الدّرس في التّفكير والنّظر.
وسيعلمون بعد وقت أنّهم بحكاياهم هذه قد أصابوا الغرض الّذي تخطئه دروس تسأل سؤال أبي الفتح الإسكندريّ داعيه إلى المضيرة:” هذا الشّكل فمتى الأكل؟” وهل الأَدَبُ إلّا أَدْبٌ إلى فاكهة البيان وجوهرِ الإنسان؟
غدا يقرأون في النّصوص شكاتهم وأشواقهم، عجزهم واستطاعتهم، حلمَهم المدَّ والحدَّ، واقعهم مِزاجا من عقل وقلب، من حقيقة وخيال، غدا يرسمونها ألوانا ويغنّونها ألحانا وينشئونها نشأة أخرى…
سيعلمون…سيعلمون… وتمضي تُحدّث نفسك كيف ستُصرّف درسك؟
وتتساءل: أليس الأدب النّاشئ في رحم الحياة حكايا نحن رُواتها وكتّابها وأبطالها؟ فَلِمَ يستحيل الأليفُ الحميمُ غريبا بين أيدينا؟
إنّك الآن ترسم سمتَ درسكَ: نصوصٌ من حياة تحاور نصوصا من حياة. فلن يكون درسك إلّا حوارا مع تلاميذك في قضايا تشغلهم وينوء بثقلها محيطُهم، ولن تكون موضوعات الدّروس المختلفة إلّا زوايا نظر متعدّدة لهذه القضايا ولموقعهم منها، سيكون الدّرس سبيلَهم إلى ذوق الحياة وعقلها، إلى إبداع أكوانهم، إلى امتلاك شروط الفعل. وأوّل شروطه الكلمة الحرّة وهذا البوح والتّعبير والمكاشفة.
وأنت في مقامك هذا بين تلاميذك ذكرتَ شيئا من مقابسة التّوحيديّ الخامسة والسّتّين: ” إنّما يخرج الزّبد من اللّبن بالمخض، وإنّما تظهر النّار من الحجر بالقدح، وإنّما تستثار النّجابة من الإنسان بالتّعليم، والمعدن لا يعطيك ما فيه إلّا بالكدح، والغاية لا تبلغها إلّا بالقصد، ومن نشأ بالرّاحة الحسّيّة فاتته الرّاحة العقليّة. والعاجلة تتصرّمُ، والآجلة تدومُ”.
العود أحمدُ. ودرسنا درسٌ حميمٌ. نستطيع الآن أن نرسم مشروعنا ونتوزّع المهامّ.

لا تعليقات

اترك رد