أبناؤنا وأبناؤهم ج1


 

أثار انتباهي وغضبي مشهد طفل في مجتمعنا العربي يجمع ما يمكن جمعه من القمامة، وحين سأله الصحفي أجابه: تعبت خالو، كلمتين اختزلتا معاناة طفولة مهمشة في مجتمعات الظلم والفساد. طفل لم يبلغ بعد العاشرة من عمره تعب من الوضع ومن الوطن ومن المجتمع الذي لم ينصفه، إنه واحد من آلاف الأطفال المقصيين والمهمشين الذين يموتون ويتشردون يوميا في كل أنحاء وطننا الكبير.

والمؤسف جدا وما يحزنني هو حين يتحدث أحدهم وأعني رجال السياسة والحكم، عن أطفال الوطن ومستقبله يتم التعميم في وطن الطبقات والمصالح الإجتماعية، فما المقصود بأبناء الوطن حسب مصطلحاتهم هم ومفاهيمنا نحن؟

حاولت جاهدا أن أفهم المغزى والمقصود، فهل يعني أبناء الوطن بالنسبة لهم هم أبناء العامة والطبقة الكادحة ودور الصفيح والمدن الهامشية وقرى القرون الوسطى، أم أبناء الطبقة الوسطى السائرة في طريق الانقراض والذين ينتحرون يوميا لتوفير سبل عيش كريمة لأبناءهم ربما يكون مصيرهم أفضل بكثير من مصير الآباء، يتسابقون نحو مدارس خاصة لا هم لها سوى الربح وبيع الأوهام في حين يتم القضاء تدريجيا على المدرسة العمومية كآخر حصن وأخر أمل، لفسح المجال أمام المتاجرة بالعلم والمدرسة ومستقبل أمة.

أم يقصدون بأبناء الوطن أبناؤهم هم، أي الساسة والحكام، أبناء المدارس الأجنبية والكتب الأجنبية واللغات الأجنبية والمدرسين الأجانب، حتى أصبحوا هم أيضا أجانب ولا علاقة لهم بهذا الوطن سوى وجود مدارسهم على أرض الوطن، لا علاقة لهم بعادات الوطن ولا ثقافته ولا أعياده ولا تقاليده ولا حتى لغته.

إنهم نسخة أجنبية منقحة برتوشات محلية، ما هم لا محليون ولا مستوردون لكنهم صمموا لقيادة البلاد.

بالنسبة للساسة والنخبة العليا، هؤلاء هم أبناء الوطن الحقيقيون، هؤلاء الذين لا نراهم كثيرا في الشوارع ولا يحدثون الفوضى ولا ينتفضون من أجل المطالبة بالحقوق والمساواة والعدالة الإجتماعية داخل الوطن.

باختصار، هم غير معنيون بما يجري من ظلم داخل هذا المجتمع، غير معنيون بما اغتصب من حق ولمن سيؤول هذا الحق، كل شيء تم الترتيب له مسبقا : تعليم أجنبي ودبلومات أجنبية ثم العودة لتقلد المناصب العليا وتوريث الكراسي والمقاعد للنخبة أبا عن جد.

تأكدت الآن من هم الأبناء الحقيقيون لهذا الوطن الجريح، إنهم أبناؤهم، أبناء النخبة الحاكمة، الكثير من أجدادهم عملوا ضباطا وموظفين في عهود الإستعمار الأجنبي ووجدوا أنفسهم طبقة حاكمة ومسيطرة اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا بعد الإستقلال. .للأسف. . .

لكن. . أنهم كلهم أبناء الوطن في الحقيقة جمعهم أطفال أبرياء لا ذنب لهم، إنهم فقط ثمار مجتمعات طبقية فاسدة وسياسيات تعليمية هشة، إقصائية وفاشلة تعيد إنتاج نفس المجتمع ومدارس الطبقات وتعيد إنتاج نفس النخبة في الزمان والمكان جيل بعد جيل.

يتبع الجزء الثاني الأسبوع المقبل

لا تعليقات

اترك رد