جامع الفتح ” أولاد عنان “


 

يعد جامع الفتح حالياً من أكبر جوامع القاهرة، ومن أهم معالم ميدان رمسيس أكثر مناطق القاهرة ازدحاماً، جامع الفتح برمسيس والذي عرف قديماً بجامع المقس ثم جامع ابن عنان أو أولاد عنان، والجامع الحالي بناء حديث افتتحه بعد سنوات من الإهمال الرئيس السابق محمد حسني مبارك في ٢٢ فبراير ١٩٩٠م في ذكرى الإسراء والمعراج، تحت اسم “مؤسسة الفتح ومسجد أولاد عنان”، وقد تولت شركة المقاولون العرب إعادة بناء المسجد، وبلغ ارتفاع مئذنته 130 مترًا لتصبح أعلى مآذن القاهرة على الإطلاق، كما تبلغ مساحة المسجد 2000 متر، ويضم مكتبة إسلامية ومستوصف طبي وعيادة خارجية.
وللجامع تاريخ عريق، عرف قديماً بجامع “المقس” وكان يطل على نهر النيل مباشرة قبل أن ينحسر في مجراه الحالي، ويروى أن القضاة بمصر كانوا يطوفون على مساجد ومشاهد القاهرة قبل حلول شهر رمضان المبارك بثلاثة أيام، بادئين بجامع المقس ثم بجوامع القاهرة يليها الأضرحة والمشاهد، ثم بالقرافة وصولاً إلى جامع عمرو بن العاص، بغرض حصر ما تحتاجه المساجد من قناديل وعمارتها وترميمها.
يعود تاريخ بناء الجامع إلى عصر الدولة الفاطمية فأنشأه الخليفة الحاكم بأمر الله أبو علي المنصور بن العزيز نزار بن المعز الفاطمي عام ٣٩٣هـ على شاطئ النيل بالمقس ميناء لمصر آنذاك، وكان إلى جانبه منظرة المقس التي يستعرض فيها الخليفة الأسطول البحري الفاطمي قبل الذهاب إلى الحرب وعند رجوعه، كما اهتم الحاكم بأمر الله بالجامع فأوقف عليه الأوقاف الكثيرة منها أراض زراعية ومحلات تجارية ليُصرف منها على ما يحتاج إليه الجامع من عمارة وغيرها، ويعد ثاني أهم الجوامع التي بناها الحاكم بأمر الله.
يرى البعض أن اسم المقس ما هو إلا تحريف لكلمة المقسم نسبة لتقسيم الغنائم حيث يقال أنه أقيم في نفس المكان الذي قسم فيه الصحابي الجليل عمرو بن العاص رضي الله عنه الغنيمة بعد فتح مصر، ويرى البعض ان كلمة المقس محرّفة من المكس وتعنى المكوس او الضرائب التي كانت تحصل على البضائع التي تدخل من خلال المركبات النهرية.
وفِي نفس مكان منظرة المقس أقام صلاح الدين الأيوبي قلعة بنفس الاسم، حيث أقام متولي العمائر في تلك الفترة بهاء الدين قراقوش برجاً عالياً سُمي فيما بعد بقلعة المكس، غير أن صلاح الدين أهمل الجامع بحكم أنه من جوامع الفاطميين، وفِي عام ٥٨٧هـ أطاح فيضان مفاجيء للنيل بأحد جدرانه، وظل مهدماً حتى جدده الوزير الصاحب شمس الدين عام ٧٧٠ هـ وهدم القلعة.
وفى أواخر الدولة المملوكية أطلق عليه اسم “ابن عنان” نسبة لضريح الشيخ محمد بن عنان الذى دفن فيه، والشيخ محمد بن عنان من مشايخ الصوفية المشهورين ويعود نسبه إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وإليهم تنسب السجادة العنانية، ونسبه: محمد بن أحمد شمس الدين بن عبد الله بن علي حجي بن علي بن خضر بن علي بن عنان بن علي بن عليم بن عبد الرحمن بن عبد المجيد بن أبي النجا بن أبي بكر شبانه بن أبي القاسم بن عبد الله بن عنان بن أبي العباس بن محمد بن علي بن عليل بن محمد بن يوسف بن يعقوب بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنهما.

ولد ابن عنان بالدقهلية وانتقل للقاهرة، عرف بالزهد والاخلاص والاجتهاد في الطاعة، كما جمع بين علم الشرع وعلم الحقيقة، وكان يقيم فوق سطوح الجوامع في خَص أو خيمة، فمكث ثلاث سنوات فوق مسجد عمرو بن العاص، وتتلمذ على يديه عدد كبير ، ثم انتقل بن عنان لجامع المقس ليصبح مقراً لمريديه ومنهم طومان باى آخر سلاطين مصر من المماليك، الذى يروى أنه كشف قدم ابن عنان بعدما مات ومرغ وجهه بها علها تحميه من جيوش الفاتح العثمانى سليم الأول، ولكنه هزم وأعدم ليعلق أياماً على باب زويلة الشهير .
ويروي أحفاد الشيخ ابن عنان أن في أثناء إقامة الشيخ بزواية المقس نصب له العداء أحد الأثرياء يدعى “عثمان الحاذق” وكان من أصحاب السفن المستخدمة بالشحن والتفريغ في منطقة المقس، حارب عثمان الحاذق محمد بن عنان كثيراً، ثم ما لبث بعد مدة أن اقترب من الشيخ واصبح من مريديه، فأراد أن يكفر عن خطاياه وتجاوزه في حق الشيخ، فقام عثمان الحاذق بهدم المسجد وأنشأ مسجداً كبيراً ليعرف بمسجد ابن عنان.

ويصف الإمام الشعرانى الشيخ ابن عنان قائلاً: ” كان مشايخ العصر إذا حضروا عنده صاروا كالأطفال فى حجر مربيهم، وكان على قدم من العبادة والصيام وقيام الليل حتى بلوغ الشمس”، وكان ابن عنان يقول: “حفظت القرآن الكريم وأنا رجل ومنذ وعت على نفسي لم اقدر على جلوسي بلا طهارة”، ومن أقواله: “الفقير ما رأس ماله في هذه الدار إلا قلبه، فليس له أن يدخل على قلبه من أمور الدنيا شيئاً يكدره”.
عمر الشيخ ابن عنان حتى بلغ ١٢٠ عاماً ورحل في ربيع الأول عام ٩٢٢هـ ودفن بالجامع ومازال ضريحه به، ثم أقامت ذريته من بعده بالمسجد فعرف بأولاد عنان قبل أن يطلق عليه الفتح في التسعينات.
وقد هُدم هذا المسجد في عام 1798م من قبل قوات الحملة الفرنسية على مصر أثناء ثورة القاهرة الأولى، وأقاموا مكانه طابية أطلقوا عليها اسم “كامان” وهو ضابط فرنسي، وفي سنة‏1896‏م هدم مسجد ابن عنان‏، واعيد بناؤه بعد توسعته ضعف مساحته السابقة‏، وافتتحه الخديوي عباس حلمي الثاني في ١٨٩٧م، وفِي عام ١٩٧٠م تم فك جدران الجامع وضمها إلى مسجد السيدة عائشة الذي كان قد تهدم ولَم يتبقى منه غير ضريحها اعيد تركيب نفس أحجار جامع ابن عنان مكان جامع السيدة عائشة‏.

المقال السابقأول الرحلات
المقال التالىاللوحة التشكيلية ضمن الموروث الحديث
الدكتور عمر الشريف عمر محمد عبد العزيز الشريف، كاتب وباحث مصري يمارس البحث التاريخي بصورة حرة. من مواليد مدينة طنطا عام 1989م. حاصل على بكالوريوس الصيدلة الإكلينيكية من جامعة المنيا عام 2011، وله مقالات عدة نُشر بعضها بوكالة عرب نيوز الإخبارية وأهرام الدلتا، كما صدر له كتاب "أعلام منسية من أرض الغر....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد