قداسة الغباء – المشهد الثاني


 

يقدسون مقدساً هو أصلاً من صنع بشر مثلهم يأكلون، وينامون، ويتألمون ويضاجعون النساء يخطئون ويرتكبون الآثام؛ لكنهم بشر ملكوا الفطنة والحنكة والذكاء دون غيرهم من البشر فاستثمروا المكر والدهاء في تطويع الجهلاء والدراويش لخدمة مصالحهم واشباع رغباتهم والسطو على العقول قبل الأملاك؛ ولكي يملكوا السلطة المطلقة على كل شيء بدأوا أولاً بالسطو على العقول وترويضها كما تروض الثيران.

ولكي يقنعوا الدراويش والمساكين بقداستهم وبركاتهم التي نالوها من المقدّس جعلوا من أنفسهم الوسطاء ما بين الدراويش وما بين المقدس، فلن يتقبل المقدس من الدراويش القرابين والأضحيات إلا عن طريقهم، ولا يغفر خطاياهم مالم يعترفوا بها أولاً للوسطاء؛ فيتختارون مقدساً أصم أبكم هم وحدهم الذين يفهمون لغته الصماء ويعرفون ما يغضبه وما يفرحه وما يجعله راضٍ عن العبّاد له ليجعلوا للغباء قداسة.

مع مرور الزمن وانتشار الإنسان على اليابسة، ومع تفاقم حدة الصراع حول المقدّسات ومع تنامي الوعي يلجأ الوسطاء والكهنة لاختراع مقدساً له صفات منطقية تتماشى مع نمو الوعي لدى الإنسان وبما أن الإنسان دائم الشك وكذلك شديد الخوف من المجهول فهم يخترعون له مقدساً شديد التعقيد وله رهبة وله القدرة على كل شيء لكي يطمئنوا لقوته ويخافوا من لعنته.

وظل الدراويش على جهالتهم ولم يتساءلوا:

وماذا يفعل الصنم المقدّس بالأموال والقرابين التي يقدمونها له، ومن شدة خوفهم من غضب المقدس لم يتبادر إلى أذهانهم أين تذهب الأموال والقرابين التي يأخذونها الوسطاء والكهنة.

يقدسون النار والماء والشمس والقمر والحجر والعجل والبقر ويخرون سجدا لأمثالهم البشر. يطوفون مثل الدود حول القبور يعفرون وجوههم بالتراب ويتباركون بالحجر الأبكم الأصم.

ينفقون أموالهم ويعانون مشقة السفر للطواف وزيارة المقامات وهم بالكاد يجدون لقمة عيشهم لأنهم يعيشون في قداسة الوهم والاعتقاد بأن من تحت القبور يمنحنونهم العفو والغفران ومن خر للقبر ساجدا خاشعاً سوف تتفتح له أبواب السماء بالمن والعطاء، ولا ينتبهون إلى أن أموالهم وقرابينهم كيف تذهب إلى الوسطاء والقائمين على المقامات والحج، بقداستهم للغباء يجعلون من الوسطاء أثرياء ليزدادوا بطشاً وغطرسة.

قداسة البابا، فلان قدّس الله سره والدروايش إلى يومنا هذا لم يدركوا السرّ بأنهم مجرد بشر يموتون وتفنى أجسادهم وتتعفن كما تتعفن أجساد البشر؛ فلو أنهم يملكون القداسة كانوا قد جعلوا لأنفسهم الخلود، ولو أنهم يملكون البركة والمعجزات لما أصابهم المرض والوهن ولما تهالكوا كما يتهالك البشر.

فما الذي يحجبهم عن التواصل مباشرة دون وسيط مع الإله؟ ما الذي يجعلهم يخافون الشيوخ والبابوات واسياد المرجعيات ويولونهم التقديس والولاء والطاعة؟ إنه الغباء والجهل والانصياع الأعمى دون أن يتدبروا حقيقة الأمر. إنه فوضى العواطف والعجز والخوف الأهوج من اللعنة التي قد تصيبهم لو مسوا ثوب شيخ أو راهب أو مرجع.

ما الفرق ما بين الذين كانوا يعبدون أصناماً هي لا تضرهم ولا تنفعهم بشيء، وما بين الذين يتدافعون اليوم ويتقاتلون فيما بينهم ويشتمون بعضهم ويؤذون غيرهم من أجل تقبيل حجر أصم؟

أيهما أعظم طواف الناس حول القبور والمقامات وحول الكعبة أم طوافهم حول الأحياء الفقيرة وحول مخيمات اللجوء؟

أيهما له معنى وقيمة إنسانية، إطعام من يأت لزيارة القبور أم إطعام من لا يملك كسرة خبز؟

إن التقديس يفقد قيمته حين يتحول إلى عبادة بالعادة أو مجرد طقوس ومباهاة قد يصل الأمر إلى درجة الأنانية والنرجسية عندما يسعى كل متعبّد أن يفعل هذه الطقوس فقط ليدخل الجنة وينال الحور العين وفاكهة دانية وهو يقدر بتكاليف هذه الطقوس أن يُدخل الفرحة إلى قلب محروم ومقهور.

متى يفهم الناس بأن العبادة ليست بالركوع والسجود دون أدنى إحساس وليست بتقديس الأشخاص والرموز الدينية والتبرك بقبور الأولياء والصالحين وزيارة المقامات؛ إنما هي إحساس مرهف ورغبة وشعور عالي برغبة الإنسان بالحد من القتل الهمجي ونشر السلام وزرع المحبة وتخفيف وجع القلوب الموجوعة والمفجوعة طالما إن الله محبة وسلام فهو يحب من يتقرب إليه بفعل الخيرات لا بكثرة العبادات

العبادة فكر وعلوم بحاجة الوعي والإدراك وإلى منطق في ممارستها؛ فليس من المعقول أن يقدّس الإنسان الواعي بقرة، ويتبارك ببولها، ومن ثم يأتي من يطالبنا باحترام مثل هكذا عقيدة من باب احترام عقيدة الآخر؛ لعله من واجبنا عدم التدخل في عقيدة الآخر لكن ليس من واجبنا أن نحترم فالاحترام هنا في

هذا الجانب يعني القبول والامتثال؛ وكذلك ليس من المعقول أن نقبل ونمتثل للذين يتدافعون ويمشون على أجساد الخلق فقط ليصلوا إلى الحجر الأسود وينالوا منه قبلة.

فكما ننتقد عقيدة الآخر ونراها غير منطقية أو مضحكة كذلك الآخرين ينتظرون إلى معتقدنا بنفس الصورة.

حين أكون واعياً ومدركاً لمعنى العبادة واختار بوعي شديد وبإحساس ممتلئ بالصدق ما يتلائم مع وعي هو لا يعني أنني ملحد وكافر أو أنني أقلل من هيبة الشعائر الدينية. لم يخلقني الله هكذا عبثاً ولم أُخلق لأساق كما تساق النعاج بلا إرادة وبلا وعي إلى أساق إليه وامتثل لكل ما يقره كهنة الدين لمجرد أنهم يقرون ويفسرون في شيء هم من جعلوه وأقروه مقدساً.

أنا أعبد الله بعقلي وأراه ببصيرة قلبي دون أيّ وسيط أو شيخ هذا يقول كذا وهذا يقول كذا فأتوه ما بين هذا وذاك واعيش في صراع ما بين حكم هذا وما بين حكم ذاك. فطالما هم بشر مثلي فهم عرضة للوقوع في التفسير الخاطئ.

لم يسبق لي أن وقفت في حيرة وفي وجل وارتباك حين لا أعرف اتجاه القبلة لأنني أرى الله يحاوطني من جهات قلبي الأربع.

تقديس الأشخاص ” الرموز” أيّاً كانت مكانتهم ودرجة علمهم وفقههم هو غباء مطلي بلون القداسة وعبودية واستسلام ومازوخية شديدة اللهجة يمارسها المنقاد الذي صفّد نفسه بنفسه بأغلال الاعتقاد الأعمى.

أتعجب من إنسان يتلذذ بالعبودية ويعشق لبس الأغلال؛ فإن لم يجد أغلالاً تطوق معصميه راح يبحث بنفسه عن أغلال تطوق عقله؛ وحين يصاب الإنسان بهوس العبودية وعشق الأغلال يتساوى بهذا الهوس والعشق الجاهل والعالم.

يؤلمني أقوام تقدس الأساطير والخرافات وتقيم حروباً وتقتل وتصلب وتسفك الدماء من أجل تلك الاساطير والحكايات المزورة.

يوجعني أقوام تحتل بلداً وتنتهك حرمته بحجة الدفاع عن مقامات تعود رمزيتها لهم، فهل يعقل أن من يرقد في هذا المقام الكريم يرضى ويقبل أن يُقتل الأبرياء من أجل الدفاع عن قبره ومقامه؟ وهم يدرون بأنهم لو نبشوا القبر لما وجدوا فيها إلا عظام نخرة تأكلها الديدان أما روحه فهي هناك عند باريها في مقام كريم.

الكهنة والوسطاء يعرفون هذا حق المعرفة لكنهم يسخّرون حب المريد من أجل مصالحهم الكبرى ويستغلون عواطف الدراويش وسذاجنهم لزجهم في حروب أهلية بحجة الدفاع عن معتقداتهم المقدسة.

يجنون الأموال الطائلة والثراء الفاحش لمجرد أنهم وجدوا على هذه الأرض التي عليها المقامات المقدسة، فيجعلون من شعائر الدين صقفة ومصدر ثراء وكأنهم وحدهم من يملكون الحق بهذه المقدسات والناس من جهلهم وخوفهم وشدة قداستهم يجمعون الفلس على الفلس ليذهبوا بها ويدسوها في جيوب الملوك والأمراء، زحام كبير لا يسمح لهم بالخشوع والركوع ما أن يسجدوا حتى تدوسهم الأقدام لكثرة الوافدين من كل فج عميق؛ فلو أنهم جلسوا في ركن هادئ يناجون الله بخشوع ووجل لكان أفضل لهم وأبر لهم وتلمسوا الله في قلوبهم لأن الله لا يجلس في الكعبة إنما يجلس على عرش عرضه السموات والأرض.

متى تفعّل الناس خلايا عقولها ليعبدوا الله بجوارحهم وأرواحهم لا بأحسادهم وصورهم؟

متى يتوب الناس عن عبادة الأشخاص ويعبدوا خالق الأشخاص؟

متى يتحرر الناس من تقديس الغباء ليقدسوا العقل الذي ميزهم به الله دون الكائنات؟

متى تنتهي الناس من الانقياد وراء المرجعيات والمذاهب والأحزاب وينظروا بأم عقولهم إلى قصور الشيوخ والدعاة وأصحاب المرجعيات والقساوسة والرهبان وإلى ثرائهم الفاحش وإلى ما ملكت أيمانهم من النساء والجواري وحور العين؟

متى يفهمون بأن الله لا يحتاج إلى وسيط، بل يحب من يناجيه بقلبه سراً أوعلانية فهو لا يحتاج إلى كاهن أو شيخ يترجمان له ما يدعو به العبد ولا إلى قسيس ينقل اعترفاته وخطاياه التي ارتبكها إلى الله؟

يتبع ….

المقال السابقشباب البصرة
المقال التالىبين مستنقعنا و هضبة ميونخ
الشاعر السوري لؤي طه، الذي يراوغ رؤاه في كل مرة، ويبحث عن شتات الإنسانية وولع الذات التي تكون حاضرة في أشياؤه وأشياء الآخر. ليس هذا فحسب إنما يسمح لعاطفته أن تقوده إلى كتابة مالا يكتبه الآخر في أمكنة تستنطق الكلمات لتوقظ مساحة البوح. الشاعر لؤي طه، سوري الجنسية من مواليد 1970 يعتبر أن القصيدة توأمة....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد