في سوريا …. وحتى اخر قطرة دم ؟؟!


 

هل هو الهولوكوست الجديد .. هل هو التطهير العرقي .. هل هي الكارثة أو كارثة الكوارث أم اُم الكوارث .. هل هي المأساة أو قمة المأساة .. ربما تضيع الكلمات و الحروف و نحن نحاول وصف ما يجري في بلاد الشام منذ سنوات، في سوريا، و هم يستعدون هناك لإبادة جديدة لشعب يقدر بالملايين، و تدمير لمدينة عريقة أخرى من بلاد العرب و المسلمين، إدلب ..

الكارثة في سوريا لها نكهة أخرى، و سيناريو مختلف، منذ حوالي السبع سنوات و لحد الآن أمتدت أيادي العالم كله لتعبث بأمن و سلامة و أرواح و دماء السوريين الكرام، بما في ذلك أيادي قادة البلد نفسه الذين تسابقوا مع الأشرار الآخرين في الكيف و النوع و العدد و حجم الأذى الذي يحاولون أن يلحقوه بأبناء هذا البلد، و حجم التدمير الذي يحاولون إلحاقه بمدن سوريا العديدة، العربية المسلمة، من حلب لحمص للاذقية و الآن، كما يبدو الحلقة الأخيرة أو من ضمن الحلقات الأخيرة لهذا المسلسل الدموي المقيت، مدينة إدلب التي يقال أن عدد السكان المحاصرين فيها قد بلغ الثلاث أو الأربع ملايين نسمة، و التي يتسابق نظام الأسد مع النظام المجرم في روسيا مع النظام المجرم الأمريكي مع النظام الإجرامي الفارسي، و من خلفهم النظام الصهيوني الإسرائيلي المجرم، كلهم ينسقون و يتناغمون و يتفاعلون من أجل إلحاق أكبر الضرر و الدمار و القتل بأهل سوريا الشماء و أرضها ..

في تعليقين قصيرين نشرته الإعلامية الصحفية السورية المعروفة السيدة حميدة نعنع، تعبر عن عمق و حجم المأساة السورية بشكل واضح و بليغ، تقول :

“ ان التدخل الإقليمي و الدولي في انتفاضة سوريا هو الذي زاد أزمة سورية تعقيدا و حولها الى حرب عالمية بالوكالة ، ما تعرضت له سورية تتحمل مسؤوليته كل دول العالم التي أدلت بدلوها في هذه الماساة ، لم تشهد الانسانية بعد الحرب العالمية مأساة بحجم الماساة السورية ، انها تجربة على العرب الذين يشدون ظهورهم بالدول الكبرى ان يفهموا ان الدم العربي رخيص و لا يستحق الاهتمام ” ….. و …..

“ ثلاثة ملايين إنسان في محافظة ادلب، كان سكان المحافظة قبل بدء الأحداث مليون شخص ، الْيَوْمَ يبلغ عدد المسلحين حوالي ثلاثمائة الف ، الهجوم على ادلب سيكون كارثة إنسانية تذكر بالهجوم على برلين ، العالم بأثره يتفرج و هذه الحرب لن تخدم سكان المحافظة بل سوف تتسبب بكارثة إنسانية جديدة ، كل العالم ترك الشعب السوري لمصيره المجهول ” ، نعم للأسف الكل

يتفرج و يشاهد و يتابع هذا المسلسل القذر، و الكل كما يبدو لا حول لهم و لا قوة و لو فقط للإعتراض و الإستنكار، حتى الإستنكار ولى زمنه، تصوروا ..

ما يميز الصراع في سوريا، و يزيد من خطورته و حساسيته، هو تنوع القوى التي تتفاعل و تتصارع على الأرض هناك، ما بين داعمة للنظام، و محاربة له، و لاعبة على الحبلين كما يقولون أو ربما أكثر من حبلين، و ما بين هذه القوى، من هم على خلاف و صراع مع بعضهم البعض، و منهم من يختلف أو يتفق مواقفهم على الأرض في سوريا مع مواقفهم و علاقاتهم السياسية الأخرى، و قد عبر اللواء الركن ماجد القيسي في دراسته ( التوازن العسكري الجديد في سوريا و تداعياته على العراق ) و الذي نشرها بتاريخ ٢٩ / ٧ / ٢٠١٨، عبر عن هذا الواقع المؤلم بقوله :

“ يمكن القول بأنه لا صراع اكثر حساسية من تحقيق معادلة التوازن على الأرض و تعلقه بالحسابات الدولية و الإقليمية مثل الصراع الدائر في سوريا منذ سنوات، الى الحد الذي تحولت فيه سوريا الى ساحة تلتقي عندها اسوار الصراع و التنافس بين الفواعل الإقليمية و الدولية المهمة، و بات أولئك اللاعبين اطرافاً مباشرين في الصراع الدائر هناك ” ..

و يمكننا أن نحدد أهم القوى اللاعبة على الأرض السورية بشكل عام، و بمستويات و مديات مختلفة و متنوعة، بالإضافة إلى نظام الأسد ذاته و العديد من الميليشيات و المجموعات و القوات العسكرية السورية النظامية و غير النظامية المؤيدة و المعارضة له كما يلي : أميركا، روسيا، إيران، تركيا، العراق، حزب الله اللبناني، و لا يمكن أن ننسى طبعا اللاعب الإقليمي الأهم الذي ربما تجيّر كل الإنجازات لصالحه، و هي إسرائيل، كما أن لعدد آخر من الدول العربية بعض المصالح في بقاء أو إزالة الأسد، بشكل مباشر أو نيابة عن عدد من الدول الكبرى التي تأتمر بأوامرها، و منها، السعودية، الإمارات، مصر ، قطر و غيرها ..

و يضيف اللواء ماجد فيقول :

“ تمثل مسارح العمليات المختلفة في سوريا متاهة بالغة التعقيد من حيث عدد الفاعلين و اختلافهم، بالإضافة الى التغيرات الدينامية التي تصيب التوازنات التي تحكم الصراع في سوريا و على نحو لا يجعل أي طرف يمتلك قوة موازنة قادرة على الحسم، و من بين كل التحولات التي تشهدها سوريا فان التحولات في الجبهة الجنوبية اثارت الكثير من الاهتمام بعد سيطرة النظام على درعا، لحساسية تلك الجبهة و محاذاتها لإسرائيل و الأردن، بالإضافة الى انها قد تمتد لتشمل جيب داعش الغربي في سوريا و ربما يثير التساؤل حول مصير داعش هناك و تداعياته الإقليمية وعلى العراق بشكل خاص ، و في سياق البيئة الإقليمية و الدولية الملتهبة على نحو غير مسبوق، و مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة و حلفائها في المنطقة مع ايران، فان النظر الى مسرح العمليات الحالية في سوريا يشير الى تساؤلات حول واقع التوازن العسكري الحالي بعد درعا، و تداعياته على الساحات الرخوة في المنطقة و الذي يأتي العراق في مقدمتها ” ..

و من خلال التقارير و التحليلات المختلفة، يبدو أن الإستراتيجية الأمريكية في سوريا، و التي ظن البعض إنها تنازلت عنها طوعا إلى روسيا و إيران، و التي يرى البعض لحد الآن أن السياسة الأمريكية تجاهها لا زالت غير واضحة و لا حاسمة على الأرض في مواجهة القوى الأخرى الأكثر وضوحا و بروزا كإيران و روسيا، حيث تتبع الاستراتيجية الامريكية في سوريا اهدافا متعددة ..

و من خلال قراءة انتشار القواعد العسكرية الأمريكية في سوريا تبين ان اهم تلك الأهداف هي ممارسة الضغط على النظام السوري من خلال سيطرتها على حقول نفط عمر و غاز كونيكو في دير الزور و حقول نفط الحسكة و التي تقدر بـ ٨٠ ٪ من مصادر الطاقة السورية لتكون لاعب اساسي في اي عملية سياسية لتسوية القضية السورية، اما اهم الأهداف الإستراتيجية الأمريكية في ظل تواجد هذه القواعد هو احتواء إيران و منعها من الوصول إلى البحر المتوسط و جعل الشرق السوري هو ( منطقة عزل ) ما بين إيران و دمشق و لبنان و المحافظة على امن إسرائيل، كما و أنها تعتبر تواجدها شرق الفرات هو ورقة ضغط أخرى على روسيا في سياق التنافس الأمريكي الروسي دوليا ..

أما التدخل الروسي في سوريا، فتشير الدراسات و التقارير إلى أنه بدأ في سبتمبر ٢٠١٥ تحت ذريعة مقاتلة تنظيم داعش و حسب طلب الحكومة السورية ليضفي على هذا التدخل الصفة الشرعية، و هذا التدخل غير فعلا موازين القوى على الأرض في سوريا، فبعد أن كاد نظام الأسد أن يخسر ما يقارب من ٧٥ ٪ من الأرض السورية، تنقلب الأمور شيئا فشيئا لتعود لصالح النظام و القوى المساندة له، علما أن معظم العمليات العسكرية الروسية الداعمة لنظام الأسد و قواته الرسمية كانت في مواجهة الجيش السوري الحر و عموم الفصائل المعارضة للنظام، إلا أن ما رأيناه أن قوات النظام مدعومة من الطيران الروسي بشكل خاص قد شنت حملات إبادة و قتل و تدمير في العديد من المدن السورية المهمة، و على رأسها حلب، و هذا ما تسبب في هجرة و مقتل عشرات الآلاف من المدنيين العزل ..

و ياتي في مقدمة الأهداف الإستراتييجية الروسية من وراء التدخل في سوريا الحفاظ على بقاء النظام السوري من اجل المصالح الروسية و المتمثلة في تأسيس قواعد جوية و بحرية في حميم و طرطوس و نشر صواريخ في القاعدة البحرية ( طرطوس ) لمواجهة الدرع الصاروخي للناتو في شرق اوربا ( لاتفيا ، لتوانيا ، استونيا ، بولندا ) و في دول اوربية اخرى ، و تشكل هذه القواعد الخاصرة الرخوة للنظام الصاروخي الأوربي ..

ان الغطاء الجوي ما بين روسيا و المياه الدافئة صار مفتوحا عبر ايران و العراق الى سوريا ، و لاول مرة في تاريخ روسيا تقوم صواريخ كاليبر و القاصفات الإستراتيجية بعبور هذا الفضاء و الوصول الى المياه الدافئة في البحر المتوسط لتعزيز حضورها غرب الممرات البحرية الإستراتيجية في مضيق البسفور و قناة السويس ،و تكون بذلك قد حققت هدفا استراتيجيا ظل حاضرا في الذهنية الاستراتيحية الروسية منذ الاتحاد السوفيتي بالوصول الى المياه الدافئة ..

كما و ان طرطوس ( القاعدة البحرية الروسية ) هي خط الدفاع الاول عن شبه جزيرة القرم و البحر الأسود ، بذلك فان الأهداف الخفية لروسيا تأخذ بعدا دفاعيا ضد توسع الناتو و ثانيا في

القضاء على الجماعات الإسلامية المنحدرة من القوقاز و اسيا الوسطى و التي تتواجد ضمن تنظيمات كالنصرة و داعش و محاربتها خارج روسيا و جعل سوريا محطة قطع بوجه تمدد الاصولية الاسلامية من منابعها الى روسيا و الدول المحيطة بها ..

أما إيران و العراق، فيتواجد في سوريا حوالي ٢٠٠٠ مستشار ايراني من فيلق القدس و ٧٠٠٠ مقاتل من حزب الله و ٩٠٠٠ مقاتل من فرقة فاطميون و اغلب عناصرها من الشيعة الافغان ( الهزارة ) ، و فرقة زينبيون و عناصرها من شيعة باكستان القاطنين في شرق ايران، و كان لهاتين الفرقتين دورا كبيرا في استعادة حلب الشرقية عام ٢٠١٦ و يتوزعون في مناطق القلمون الغربي و الغوطة الشرقية و جنوب دمشق و في حلب و البوكمال و تدمر و مناطق حماه ..

اضف إلى ذلك الى ١٢ مجموعة عراقية مسلحة تتوزع في ريف حمص و منطقة السيدة زينب و في العاصمة دمشق و في ريف دمشق و حلب و في الغوطة الشرقية و في البوكمال و مابين دمشق و البوكمال و التنف، و هناك معلومات عن ارسال قسم منها الى الحدود مع الجولان، بالاضافة الى لواء الباقر و اغلب عناصره من السوريين و يتواجد في مناطق دير الزور و المناطق القريبة من البوكمال ..

و كما أشرنا، فأن الوضع في سوريا و مع مرور حوالي السبع سنوات من المعارك و الصراع الداخلي و الدولي على الأرض السورية، لا زال وضعا غائما زئبقيا قاتما غير واضحا و غير محدد المعالم، و كلما شككنا في وصول الأمر لساعة الحسم و خط النهاية، نجد الأمور تتأزم من جديد لسبب ما، و كما نجد اليوم فأن المعارك على إقليم إدلب تعيد الأمور للتأزم و الإشتعال بعد فترة هدوء نسبية ..

و في دراسة أصدرها مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، أعدها السيد حسام الجيلاوي، تشير إلى تذبذب و تردد أميركا في إتخاذ موقف موحد ثابت و موحد تجاه الوضع السوري، مما يفسح المجال واسعا للقوى الروسية و الإيرانية و السورية في أن تثبت أقدامها و تنفذ أجنداتها الخاصة على الأرض، و أن أميركا لم تتخذ أية إجراءات حاسمة و مناسبة لحماية حلفائها من قوات المعارضة السورية المعتدلة التي أشرفت على تدريبها و تسليحها منذ منتصف عام ٢٠١٣، رغم وعودها في بيان صدر عن وزارة الخارجية الأمريكية بفعل ذلك، حيث أبلغت واشنطن فصائل المعارضة السورية ضرورة ألا يبنوا قراراتهم على إفتراض أو توقع قيام الجانب الأمريكي بأي تدخل عسكري حاسم ..

و في الوقت الذي يرى البعض هذا التذبذب و التردد الأمريكي سمة من سمات العهد الجديد في ظل إدارة ترامب، يرى البعض أنه تردد أمريكي في مواجهة القوى الأخرى بشكل حاسم و قوي، خاصة الجانبين الروسي و الإيراني، في حين يرى آخرين أن الجانب الأمريكي ورط المعارضة السورية بشكل مقصود خاصة تلك الإسلامية منها، بقصد التخلص من القوى الإسلامية و ما يسمونها الجهادية، و التي من المنطق أن لا يترك لها أي موقع أو قوة على الأرض في بلد يجاور و يحادد الكيان الصهيوني الذي بات يتحكم في التحركات و الأجندات الأمريكية و الغربية و الدولية في هذه المنطقة بشكل أكثر وضوحا من أي وقت سابق ..

و في مقابل الدعم الروسي و الإيراني الواسع و المطلق لقوات الأسد، و الذي مكنها خلال العام الماضي من السيطرة على مساحات واسعة من البلاد، خففت الولايات المتحدة من موقفها تجاه بقاء الأسد في السلطة ، و نقلت مجلة  نيويوركر الأمريكية في تقرير سابق لها عن مسؤولين أوروبيين و أمريكيين اشارتهم إلى تبدل و اختلاف توجهات الإدارة الأمريكية حول مصير بشار الأسد، و عدم ممانعتها بقائه بالسلطة حتى عام ٢٠٢١ حيث تراجعت وتيرة المطالبات الأمريكية برحيل الأسد، و تطور هذا الموقف مع وقف تقديم الدعم العسكري و اللوجيستي و المالي للمعارضة السورية السياسية منها و العسكرية ..

و في مقابلة صحفية مع قناة ( روسيا اليوم ) قال رئيس النظام السوري بشار الأسد :

” إن  واشنطن تخسر أوراقها في سوريا، و إن الوضع يقترب من خط النهاية ” ، و أشار الأسد إلى أنّ “ أعداء سوريا و خصومها في الغرب و الذين تقودهم واشنطن يحاولون جعل نهاية الحرب أبعد مع كل تقدّم للجيش السوري ” ، و اعتبر أن المشكلة الوحيدة المتبقية في سوريا هي قوات سوريا الديموقراطية ( قسد ) ، و أنه سيتم التعامل معها عبر خيارين : المفاوضات أو القوة ..

و لمواجهة تخلي واشنطن عن دعمها، بدأت المعارضة السورية في التقرب و الاعتماد على تركيا، حيث انضمت معظم الفصائل العسكرية للمعارضة السورية لغرفة عمليات ( غصن الزيتون ) التي شكلتها تركيا للسيطرة على عفرين قبل أشهر ، و كشفت مصادر عن تلقى فصائل الجيش الحر العاملة في محافظة إدلب دعماً مالياً من قبل تركيا، كبديل عن برنامج الدعم الأميركي السابق، هذه الفصائل بدورها انضمت لغرفة عمليات ( دحر الغزاة )، و اشترطت تركيا تقسيم نشاط هذه الفصائل بين جبهات الريف الشرقي لإدلب و منطقة عفرين للمشاركة في عملية غصن الزيتون ..

و ينتهي هذا التقرير بقوله، أن مصير أصدقاء الولايات المتحدة الأمريكية في سوريا يبدو أنه سيكون متشابهاً ، فواشنطن مصممة على التخلي عن جميع حلفائها في المعارضة السورية لصالح ما يتم الترويج له تحت مسمى ( الحل الواقعي ) في سوريا، و المتمثل في بقاء الأسد في السلطة ..

كما قلنا، كل الأنظار تتجه الأن نحو مدينة أدلب التي تجمعت فيها معظم ما تبقى من قوة المعارضة السورية، و كما يبدو ستتعرض المدينة و من فيها لعملية دمار و قتل و تصفية مخطط و متفق عليها، و كما يتوقع البعض إن تمت هذه المعارك و التي تعد القوات السورية و الروسية و الإيرانية العدة لها بشكل كبير و حاسم، فأنها ستكون مجازر تفوق تلك التي جرت في مدن سورية أخرى و أهمها حلب، و تلك التي جرت في مدن عراقية مجاورة و أهمها الموصل ..

و كما يبدو، و بما لا يدع مجالا للشك، فأن سياسة الأرض المحروقة، و إستخدام أسلحة بالغة الشدة و القوة في مواجهة ميليشيات محدودة التسليح و مواطنين مدنين آمنين محاصرين، كل ذلك يؤكد الشكوك في وجود النية لعمليات تطهير عرقي و تدمير متعمد للمدن تحت أغطية و شعارات متنوعة و مختلفة، و كما نرى فأن الغرب و الشرق غير مختلف كثيرا في نواياه و خططه و أفعاله، و نتائج أعماله، ربما الإختلاف في الأسلوب و العنوان و الغطاء المعتمد ..

و يشير تقرير آخر صادر عن مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، من إعداد السيد حسن عارفه إلى أنه :

“ يتواتر الحديث في الآونة الأخيرة عن معركة إدلب، التي ينتظر النظام السوري و يتطلع لبدئها، بهدف بسط سيطرته على هذه المحافظة، التي أصبحت الملاذ الأخير لكل معارضي الأسد من مختلف التوجهات ، و يحشد النظام قواته على مشارف محافظة إدلب الجنوبية الشرقية عند محور أبو الظهور، و حدودها الغربية حيث يحشد عند جبل الأكراد في ريف اللاذقية ، فيما أعلنت روسيا قيامها بمناورات كبيرة في الساحل السوري في بدايات شهر سبتمبر / أيلول ٢٠١٨ ، و كالعادة، يمهد النظام السوري و حليفه الروسي قبل الهجوم على أي منطقة عن طريق نشر ذرائع عديدة لتبرير هجومه ، هذه المرة برزت قصة وجود أسلحة كيميائية في إدلب، حيث نشرت وكالة سبوتنيك الروسية خبراً تحدثت فيه عن أن عناصر من الدفاع المدني السوري يستقلون ٨ سيارات، قاموا بنقل شحنة جديدة من البراميل البلاستيكية من معمل أطمة عند الحدود التركية ، هذا المعمل، طبقاً لمزاعم التقرير، متخصص في إعادة تصنيع مادة الكلور ” ..

و تعتبر محافظة إدلب موقعاً استراتيجياً مهماً جداً للنظام السوري، و يبحث الحليف الروسي عن ذرائع لكسر الهدنة في هذه المحافظة، و التي تمت في اتفاق موقع من قبل الدول الضامنة لاتفاق آستانة ( روسيا وتركيا وإيران ) منتصف سبتمبر / أيلول العام الماضي ٢٠١٧ ، و كان النظام السوري الرسمي قد شن هجمات في بداية شهر أغسطس / آب على مناطق بريف إدلب أودت بحياة ٢٥ شخصاً وفق وسائل إعلام محلية و عربية ..

و بالنسبة لأهمية إدلب، و حسب التقرير المذكور، يقول العميد السوري المتقاعد أحمد رحال لمدونة مصدر سوريا ، بأن لإدلب أهميتان، الأولى : أن الأسد صرح سابقاً عن نيته إعادة سلطته على كل الجغرافية السورية، لذلك فإن استعادة السيطرة على الشمال السوري ( الذي يضم محافظة إدلب و شمال حلب وشمال ريف اللاذقية ) الذي تسيطر عليه المعارضة هو هدف له ، أما عن الأهمية الثانية، فتتمثل في حلب التي سيطر عليها النظام نهاية عام ٢٠١٦ ، و لكنها بقت سيطرة بدون جدوى، فأهم طريقين يربطان حلب باللاذقية و دمشق يمران بإدلب ، يسعى النظام لإعادة شريان الحياة لحلب، لذلك من مصلحة النظام القيام بعمل عسكري ..

و يقول العميد رحال :

“ النظام ممكن أن يهجم على إدلب، لو كان القرار بيده، فمن مصلحته هو و إيران و حزب الله اللبناني أن يكون دائماً هناك معارك، لكن القرار بيد موسكو ، و أعتقد أن صاحب القرار هي روسيا، و من يوقف الحرب على إدلب هي تركيا ، و بالتالي، التوافق بينهما يتوقف على مدى قدرة تركيا على ضبط التصعيد، و قدرة موسكو على تحقيق التوازن بين مطالب إيران و تركيا و النظام السوري ” ..

و يضيف التقرير فيقول :

” أما الموقف التركي، فيبدو أنه ضد الحرب في إدلب، فليس لأنقرة مصلحة في ذلك أبداً، و لا يعتقد أن الأتراك لهم مصلحة في عملية عسكرية واسعة في إدلب، لأن هذا سيعني تدفق أعداد كبيرة من اللاجئين في اتجاه تركيا، و لن تتمكن من ضبط الحدود، مما يعكس حجم الضرر الكبير عليها ، لذلك هي ليست مع عملية عسكرية كبيرة ، و يمكن أن تكون تركيا مع عملية عسكرية صغيرة بجسر الشغور و ريفه الجنوبي و الغربي أو الغاب، و قد تقدم تنازلاً للروس في هذا السياق ” ..

المخاوف كبيرة من اندلاع معركة عسكرية في إدلب أياً كانت أطرافها، فالمنطقة المكتظة بالسكّان ستواجه كارثة إنسانية كبيرة، فهي كانت ملاذاً آمناً للمهجرين و النازحين من مناطق أخرى ، و يعيش في محافظة إدلب، حالياً نحو ٣ إلى ٤ ملايين نسمة ، حيث أصبحت عاصمة المهجرين من مناطق سورية أخرى ، نتيجة لذلك تعاني إدلب من ضغطٍ سكّاني كبير، مما يضاعف الأزمة التي سيواجهها السكان في حال شهدت المنطقة حرباً بين النظام و فصائل المعارضة و جبهة تحرير الشام ، لا يوجد مكان ينزح إليه أهالي إدلب و من فيها من نازحين ..

ساعة الصفر تبدو حتمية، فالنظام السوري يبدو مستعداً حالياً للهجوم، و خاصة بعد تسويات الجنوب، لكنّه ينتظر ما سيجري بين أنقرة و موسكو و ما تتفق عليه العاصمتان ليتحرك لاحقاً ، فالنظام لديه قوة أكبر، خاصة أنه مدعوم جوياً من موسكو ، و يوجد فائض قوة لدى النظام بعد سيطرته على ريف حمص الشمالي و الغوطة و جنوب سوريا، و استعادته جزء كبير من قوته خصوصاً بعد التدخل الروسي، و عنده مقاتلون أجانب كثر، و بعد القضاء على جيوب المعارضة و تجفيف منابعها صار النظام يتحرك بسهولة و يعزز قوة كبيرة باتجاه إدلب، حيث تم نقل مقاتلي الفرقة الرابعة و فرقة النمر باتجاه حماة و اللاذقية ..

ما نخشاه أن يكون هذا الصراع حتى آخر قطرة دم .. و ما نراه، أن كافة الأطراف تعد العدة لمجزرة جديدة في أدلب، لن تبقي و لن تذر، و ستحرق الأخضر و اليابس، و كما تردنا الأخبار و التقارير، فأن كافة الأطراف في كامل الإستعداد و كل الشوق و التحفز لبدء هذه المجزرة، خاصة أميركا و روسيا و سوريا و إيران، و ربما الطرف الوحيد الذي لا زال ممانعا و حذرا من ويلات و مخاطر الإقدام على هذه المعركة هو الطرف التركي، و لا أظن أن لهذا الموقف التركي أي إعتبار أو تأثير جدي حاليا، و ربما سيضطر للإنجرار لهذه المعركة و المشاركة بها بشكل ما، خاصة و أن تركيا ستكون المتضرر الأكبر في حالة هجرة جديدة للناجين من أبناء الشعب السوري في مدينة أدلب، و التي كما ذكرنا فأنها تحوي ما يقارب من الأربعة ملايين نسمة حاليا أغلبهم من النساء و الأطفال، و كلهم محاصرين لا يتمكنون مغادرة المدينة إلا بإتجاه مصيرهم المحتوم، و لا حامي لهم إلا الله تعالى، و لا حول و لا قوة إلا بالله ..

المقال السابقبين مستنقعنا و هضبة ميونخ
المقال التالىنصفُ مثقّف، أم ماذا ؟
غسان العسافي .. كاتب و باحث في الشؤون العربية و العراقية. حاصل على شهادة الماجستير في إدارة الأعمال.. خبير و إستشاري في التدريب و الإدارة ... عمل في العديد من المناصب و الوظائف الإدارية و الإستشارية في العديد من الشركات و الإدارات الحكومية في السعودية، قطر، اليمن، العراق، و نيوزيلاند. مقيم حاليا في ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد