شجرة المر


 

تعتمد مصانع النبيذ الفرنسية ، وفي دول أوربية أخرى على موظف لا يمكن أن يشغل مكانه أي كان ، هذا الموظف ، و يقال له ” الذواق ” يتميز بحاسة ذوق مختلفة عن الآخرين ، يجوب المصنع طوال النهار لينهل من كل برميل كأساً فيقرر إن كان العصير قد اختمر فيه أم ما زال خلاً و كم يحتاج من الوقت ليتعتق ويصبح نبيذاً جيداً ضمن مواصفات المصنع المعروفة ، و ما مدى جودته ، ثم ينتقل إلى برميل آخر و هكذا يفعل طوال النهار متتبعاً إحساسه و ذوقه و خبرته .

و تعتمد دور النشر في الغرب على ” ذواق ” يقرأ الروايات المرسلة إليها و ينصح دار النشر بقبولها أو بالإعتذار من الكاتب ، قد لا يكون من واجبه التصريح بمتى ” ينضج ” هذا الكاتب فيصبح روائياً فمهمته تنتهي بإبداء رأيه لذلك فهو أيضاً موظف لا يمكن أن يحل محله عامل الطباعة الألكترونية أو موظف الإرشيف إذ تتطلب هذه الوظيفة أن يجمع صاحبها بين عدة صفات منها أن يكون قارئاً نهماً متذوقاً لهذا الصنف الأدبي و ناقداً متمكناً .

لا أدري على ماذا تعتمد دور النشر و التوزيع في العراق اليوم في فرز ما يكتب و ينشر و يوزع في مختلف المجالات فتمنع هذا الكتاب و تتلكأ في توزيع ذاك في حين تدعم كتابات أخرى لا ترقى لأهمية تلك التي حرمت من فرصتها في الإنتشار و حرم القارئ العراقي أيضاً من مواكبة الإصدارات الجديدة .

رواية الكاتب حسن متعب ” شجرة المر “طبعت في العراق و لم توزع لا ندري لماذا ، البعض يقول أنها منعت و البعض يقول أن هناك عشرات الروايات طبعت ولم توزع لعدم اهتمام دائرة الشؤون الثقافية بالتوزيع و هكذا كانت الطبعة الأولى للرواية في مصر 2009 و توزعت و نفذت هناك مما يعني أنها لو وزعت في العراق لنفذت أيضاً و للاقت أصداء أوسع مما لاقته في مصر لأنها تناولت الأوضاع في العراق لمرحلة ما بعد الإحتلال و تأثير الإحتلال على الواقع الإجتماعي و السياسي لتنتهي شريحة كبيرة و مهمة من هذا الشعب على أرصفة الغربة أو على زوارق الموت المطاطية بعد أن أصبح البلد مركز شرطة يتجول في أروقته لص كان شرطياً و شرطي كان لصاً .

لا أريد الكتابة عن الرواية بقلم ناقد لأني حقاً لست بناقد و أخاف إن فعلت أن أبخسها حقها و أترك هذه المهمة للنقاد لكني أحاول هنا فقط أن ألفت نظر القارئ إلى الحيف الذي يتعرض له الكاتب العراقي داخل بلده ، خاصة و أن سنين طويلة مرت على صدورالرواية دون أن توزع في بلد كاتبها محاولاً إلقاء نظرة ” عين طائر ” على ما يجري إنطلاقاً من اسم زاويتي ربما ، أو عين قارئ ، و قارئ عراقي أحس بهذه الرواية و هي تلامس وجدانه ، ففي كل فصل من فصولها كان هناك عراقي أو عراقية لابد أنك صادفته على قارب هجرة أو في مقهى غربة إن لم يكن هذا العراقي هو أنت .

يعتصرني الألم و أنا أرقب غياب التقاليد الجميلة التي كنا نمارسها لدى ولادة رواية جديدة أو مجموعة قصصية أو ديوان شعر ، كان حفل إشهار كتاب مناسبة للإحتفاء بكاتب و بمنجز يعرف جمهور الحاضرين مدى المعاناة و الجهد الذي بذله ليضعه بين أيدينا و كنا نتسابق لشراء نسختنا ثم نطلب توقيع الكاتب عليها و لا نتسابق للحصول على هدية الكاتب و كلما كان الكاتب صديقاً مقرباً أو زميلاً زاد إصرارنا على شراء نسختنا لا الحصول عليها مجاناً تعبيراً عن دعمنا له و اعترافا بحجم مجهوده . اليوم تغيرت تلك القيم الجميلة فالكاتب يقيم في بلد و دار النشر في بلد و جمهوره الذي يتوقع تسويق منجزه له في بلد ، أما السلطات في بلده فغالباً ما تنظر لمنجزه على أنه مؤامرة على النظام السياسي أو أنه متآمر حتى يثبت ولاؤه للسلطة لا لضميره و أحياناً حتى قبل أن تطلع على منجزه و أن كتابه سيشعل ثورة ضدها بمجرد توزيعه فتضع العراقيل في طريق الكتاب ، ذلك أن الكاتب الذي يتبع ضميره لم يكن يوماً صديقاً لنظام ثيوقراطي أو ديكتاتوري و سيبقى منجزه على رفوف النسيان حتى يرعوي و يعود إلى جادة النظام .

هذه الحال دفعت الكثير من القراء و في مقدمتهم متابعو الكاتب و قراؤه للبحث عن نسخة ألكترونية كحل بديل و قد تكرر ذلك مع كتاب آخرين وهو حل قبلتُ به على مضض عندما طلبت ” نسختي ” الألكترونية من رواية صديقنا حسن متعب التي لم أستطع الحصول على نسخة ورقية منها رغم مرور تسع سنين على صدورها للأسباب السابقة ..

هذا الوضع المجحف بحق الكاتب و القارئ باق و يتمدد طالما بقي الفساد و تمدد و طالما بقي أمر الكتاب منوطاً بذواقين لا يميزون الخمر من الخل .

مقولة ” الناقد كاتب فاشل ” لا بد أن تكون من اختراع من فشل في أن يكون كاتباً ثم فشل في أن يكون ناقداً ليخرج علينا بتلك المقولة فالنقد أيضاً لون أدبي رفيع . افتقار مصانع النبيذ الوطنية لذواقين منصفين يتبعون إحساسهم لا جيوبهم أغرقت شارع المتنبي ببراميل الخل الرديء و حرمت القارئ العراقي من منجزات رائعة صدرت في الخارج و حاز بعضها على جوائز مهمة مثلما جعلت الكاتب يرى ثمرة جهده في بلده تتحول بفعل الفساد إلى ثمرة من ثمار شجرة المر

المقال السابقثقافات تنقص ساستنا
المقال التالىالأسد يربح الحرب وفلسطين تدفع الضريبة
عماد عبود عباس كاتب عراقي عضو عامل في نقابة الصحفيين العراقيين 1974 وعضو اتحاد الصحفيين العرب و الاتحاد الدولي للصحافة İFJ اكمل دراسته في جامعة سراييفو في يوغسلافيا السابقة عمل في مجال الاعلام مدير تحرير و مذيعا و منتج برامج، يكتب العمود الصحفي و المقالة في عدد من الصحف و المواقع الالكترونية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد