الزواج … تحرر من الحرية

 

عندما تكون عزبا تستطيع أن تقرر ما تريد خلال ربع ساعة وعندما ترتبط بزوجتك تستطيع أن تتخذ قرارا خلال نصف ساعة وعندما يصبح لديك طفلان تستطيع أن تقرر ما تريد خلال ساعة من الزمن . هي الديمقراطية التي تعيننا أن نتخذ قرارا صائبا بعد التشاور مع الشركاء في الحياة والوطن. والزواج ليس قيدا أبديا أو قفصا ذهبيا كما تصوره بعض وسائل الاعلام المقروءة أو المسموعة أو الطرفة الاجتماعية التي تتناقلها الألسن وإنما تنظيم للحرية وتوجيه لها نحو الصواب والمزيد من الانتاجية .
الطريف في الأمر أن النساء يتحدثن عما كان والرجال يتحدثون عما سيكون ولو أنك استمعت لطرفي العقد الاجتماعي الذي يحفظ استمرار الحياة لرووا لك العجب العجاب عن الزواج وحكاياته . فحين تكون عزبا تستخدم أشياء وأشياء بطرقك الخاصة ولكن عندما تدخل حياتك سيدة تشاركك كل شيء تتغير الكثير من العادات والمعتقدات والسلوكيات . المرأة في البيت شخص له اعتباره ويجب مراعاة ما تقدمه المرأة للبيت من تنظيم وتأهيل وتحسين في العادات الاجتماعية والغذائية والصحية . قبل الزواج يذهب الرجل للسوق فيشتري السلع وبعد الزواج يذهب للسوق ويبحث عن نوعية السلع ومواصفاتها فالمرأة تركز على نوع الزيت ومواصفاته وليس الزيت بعينه، كما تركز على أنواع المأكولات وأنواع المحارم الورقية وملمسها وتطلب أشياء يستحيل أن يفكر فيها الرجل. فأنت مضطر لتغيير نوع معجون الأسنان ونوع أنبوب الحلاقة ونوع العطر وصنف الحلويات وعليك أن تستعد طائعا راضيا للتعامل مع نظام غذائي جديد يبتعد عن المعلبات ويهتم بالأغذية الصحية الخالية من الدسم والذي يبعد عنك الكولسترول والشحوم الثلاثية . الزواج عالم جديد وعلى الرجل أن يؤهل نفسه لدخوله والتكيف معه وعليه أن يتقبل التغيير وكلما كانت إدارة التغيير ناجحة كان الزواج ناجحا ومعافى .
والزواج تغيير ناحية المتعة فيمكن أن يحوله الزوجان إلى عالم من الترف والمتعة فصديقي كان يذهب كل أربعاء إلى عيادة العلاج الفيزيائي لإجراء مساج في ظهره وبعد الزواج صار ممنوعا عليه إن يذهب إلى هناك وصارت سارة شريكته الجديدة في الحياة هي من يقوم بالمهمة وصارت تركز على نوع المرهم المستخدم وتقرأ الأبحاث والمجلات المتخصصة لتسريع العلاج في أقصر مدة ممكنة . يقول لي صديقي أن حياته قبل سارة كانت باردة والآن يشعر أنه لا يستطيع أن يتخلى عن هذا الجسد الدافئ الذي ينام بجانبه كل مساء . أما محمد ومنذ أيام الجامعة فقد كان مغرما بتناول المرتديلا ويتفنن في طبخها ويعد وصفات غريبة في تناولها وعندما ارتبط بزوجته تغيرت عاداته وصار تناول المرتديلا من المنكرات ونجحت زوجته في تغيير عادات محمد في تناول الأغذية المعلبة لأنها تعتقد أنها مضرة بالصحة بسبب المواد الحافظة والدهون المهدرجة التي تحتويها . وعندما سألتها مازحا لماذا تنبذي المرتديلا ، تجيبني ضاحكة: ” أتعلم نوع اللحوم المعلبة وطريقة صنعها والمواد الداخلة في تكوينها ؟ نحن في عصر وحوش الصناعة ولا أحد يعلم كيف تتم صناعة هذه الأغذية . عندما يكون الرجل عزبا ليتناول ما يريد أما الآن فممنوع دخول هذه المواد إلى منزلي .” وليست المسألة أن يكون بجانبك جسد دافئ فقط إذ أن وجود المرأة في حياة الرجل تحت سقف واحد يؤمن له الدعم النفسي والعاطفي فعندما تستيقظ ليلا وأنت خائف من حلم مزعج أو كابوس مخيف تجد بجانبك من يهدئ من روعك ويخفف من عبء الحياة ويبعد عنك الشعور بالفشل والضعف فأنت البطل في عالمها وأنت السند وأنت الحامي لمملكتها الصغيرة وفي هذه اللحظات تمد يديها إليك ملاطفة وتساعدك على النوم لتتنفس بعمق وتغفو من جديد.
الحياة الزوجية مشاركة وتوزيع للأدوار فأنت قبل الزواج كنت تقوم بكل الأعمال وبعد الزواج تقوم ببعض الأعمال وليس كلها . فالزوجة تقوم بقسم هام من الأعمال وخاصة تلك الأعمال القاسية من طبخ وتنظيف وتعقيم وتنظيم لشؤون البيت والأسرة . والزوج يقوم بعمل مضن خارج البيت وفي غالب الأحيان تقوم المرأة بعمل خارج البيت إضافة إلى عملها داخل البيت . و يجدر بالزوج أن يشاطر الزوجة العمل داخل المنزل وهنا يخطر ببالي ما حدث معي قبل ربع قرن من اليوم عندما كنت في بداية حياتي الزوجية إذ كنت أدخل المطبخ مع زوجتي نختصر الوقت لنجلس سويا وفي إحدى الأمسيات زارني مهنئا أستاذ العلوم أيام الاعدادي وصدف أن كانت زوجتي قد انتهت من تنظيف الصحون وأنا أشطفها بالماء بدوري فاستقبلت أستاذنا وعقيلته في الصالون وأنا تأخرت قليلا في اللحاق بها في غرفة الاستقبال، إلا أن الأستاذ ألح في السؤال عني وعندما سمع صوت الصحون وخرير الماء من الصنبور وقف وتوجه نحو المطبخ وقال ” كل شيء بس ما يكون أبو كرم على المجلى …. ؟” استقبلته ضاحكا ….لكنه استقبلني متأسفا على شبابي وحريتي بسبب دخولي المطبخ مع زوجتي . ولما رزقنا بتوأم جميل كنت أنا وزوجتي نتشارك في عمل الأشياء ومنها الرعاية للطفلين والتنزه والرحلات المشتركة وتجهيز ما يلزم خاصة وأن العناية بالتوائم عمل شاق للمرأة ويجب على كل زوج أن يساعد رفيقة دربه في هذه المهمة ويخفف عنها وصدف أن اشترينا عربتي أطفال كنت أنا أهتم بواحدة وزوجتي تهتم بالأخرى وكنا نسير في شوارع جبلة سويا في المساءات .جبلة مدينة ساحلية بسيطة وصغيرة تعيش بسلام وهدوء على ساحل البحر الأبيض المتوسط وكان معظم سكانها يعرفون بعضهم ويألفون وجوههم ويظهر الغريب فيها علامة فارقة وبعد ربع قرن صادفني أحدهم في أحد المطاعم وصافحني وقال :” ألست أنت من كان يجر عربة الأطفال من خمس وعشرين سنة ؟” . يشعر بعض الناس بالدهشة من سلوكي وأنا كنت ولا زلت أشعر بالفخر والتميز وأعتقد أن طفلي سيفعلان نفس الشيء في عائلاتهما عندما يتزوجان.
الزواج علامة فارقة وكفاية واكتفاء فأنت قبل الزواج تكون وحيدا ترسم في مخيلتك رؤى وملامح حياة تكونها من الكتب والمجلات والمسلسلات أو الانترنت أو اليوتيوب ولكن الصورة التي تكونها ليست مطابقة للواقع وفيها الكثير من المغالاة والتشويه فهي تمنح الرجل والمرأة قدرات خارقة تختلف عن الحقيقة وتشعر من يشاهدها ويصدقها بالنقص الدائم . أما الجنس في حدود الزوجية فيتحول إلى شيء خاص ويعلم الزوجان أن الجنس الأفضل والأرقى هو ما يتم في حدود بيت الزوجية حيث الحب والحنان والأمان والشعور بالمسؤولية ويثمر الجنس عن أطفال في غاية الجمال يشكلون فاكهة البيت وعطره وأنسه .
وهناك دائما شعور بأنواع الحياة الأخرى المميزة فمن أسوأ الأمور أن تشعر أنك وحيد في حياتك لأن الوحدة تطور لدى الفرد عبادة الذات بينما يساهم الزواج في حب الحياة والآخر وتشعر أن حياتك لها قيمة يزيدها وجود شخص محبب لديك يشعرك بالاهتمام والحب ويزين لك شخصك الكريم . ويستمتع الزوجان بشعور أن هناك على هذا الكوكب شخص يعرفه بحق يدافع عنه ويحميه ويقيم معه علاقة حميمية وعندما تذهب مع زوجتك ورفيقة دربك في رحلة إلى نفس الأماكن التي كنت تزورها قبل الزواج تشعر وكأنك تزور هذه الأماكن للمرة الأولى .
الزواج التزام حتى أخر العمر وبعده سأروي لكم حكاية لا يُعرف كاتبها لها دلالة فكرية وحضارية ترجمتها المترجمة والأديبة السورية نور يوسف بعنوان” الرقص في المطر” تقول الحكاية :
” ازدحمت  المشاغل هذا الصباح حوالي الساعة الثامنة والنصف عندما وصل رجل مسن في الثمانين من عمره  ليزيل آثار الخياطة الجراحية عن إبهامه . قال أنه على عجل لأنه على موعد في تمام الساعة التاسعة صباحاً . أخذت المعلومات الهامة التي تخصّه وطلبت منه أن يجلس . كنت أعلم أن الأمر سيستغرق أكثر من ساعة حتى يتمكن أحد من مقابلته . رأيته ينظر إلى ساعته بإلحاح , وبما أنني لم أكن مشغولة بمريض آخر فقد قررت أن أتفحص جرحه . وأثناء المعاينة , كان الجرح ملتئماً بشكل جيد , لذلك تحدثت مع أحد الأطباء وأحضرت المعدات اللازمة  لإزالة خيوط الجراحة وتبديل ضماد جرحه.
وبينما كنت أعتني بجرحه , دفعتني العجلة التي كانت تبدو عليه أن أسأله إن كان لديه موعد مع طبيب آخر هذا الصباح . فأجابني الرجل بالنفي  ولكن عليه أن يذهب إلى دار العجزة لتناول طعام الفطور مع زوجته . استفسرت منه عن صحتها فأخبرني بأنها هناك منذ فترة طويلة وأنها كانت إحدى ضحايا مرض الزهايمر .
وبينما كنا نتحدّث , سألته إن كانت ستنزعج إن تأخر عنها قليلاً .فأجابني بأنها لا تعرف أبداً من يكون , وأنها لم تعد تعرفه منذ خمس سنوات حتى الآن . وقد دُهشتُ جداً , وسألته : ” أما زلت تذهب كل يوم على الرغم من أنها لا تعرف من تكون ؟ ”
ابتسم وربّت على يدي وقال: ”هي لا تعرفني , ولكنني أعرفها من تكون “
والحكايات كثيرة في دراما الحياة عن الحكايات الزوجية ….
ألستم معي في أن الزواج …تحرر من الحرية ؟

لا تعليقات

اترك رد