الخياطة kāşirānu

 

تعد حرفة الخیاطة قدیمة قدم الإنسان ابتكرها ومارسها لتوفیر ما یحتاجه من الملابس ، ومنذ عصور مبكرة من حیاته. إذ كان الكساء أحد المتطلبات الحیاتیة الأساسیة إلى جانب الغذاء والسكن للإنسان وعلى الأغلب صنع ملابسه في العصور الحجریة من الجلود الحیوانیة التي كان یصطادها. وكان ینسج من الحشائش وسیقان البردي وألیاف لحاء الأشجار ویخیطها كملابس ومن خلال ربطها بالخیوط المستخدمة في الخیاطة.
وقد عُرفت هذه الحرفة خلال العصر الحجري الحدیث وفي جمیع القرى العائدة للعصر ، ومن ثم تطورت في العصور التالیة بدلیل الكشف عن أعداد غزیرة من أقراص الغزل في بقایا طبقات تلك القرى فبعد أن استقر الإنسان وتعلم أخذ یغطي جسده بأغصان الأشجار وألهمته الطبیعة الاستفادة مما كانت تحویه من جلود الحیوانات من الصوف والوبر، بل لم یكتفِ الإنسان بان تكون ملابسه من هذه المواد بسیطة ومتواضعة فقد جملها وزخرفها ونقشها في مراحل لاحقة .
فقد تم العثور على مجموعة جیدة من عدة الخیاطة من العظم كالإبر والمخارز في منطقة تل الصوان تمثل أدلة على ممارسة سكان هذا المستوطن لخیاطة الملابس من الجلد أو الصوف أو الشعر الذي كان یغزل بمغازل تصنع
أقراصها من الفخار أو الحجر ، كذلك تم الكشف عن ثقالات من الحجر أو الفخار تعود إلى أنواع بدائیة من جوم الحیاكة مما یستدل على حیاكة الأقمشة وتهیئتها للملابس والحاجیات الأخرى وطالما كانت الملابس جزءاً من المظهر الخارجي للإنسان فلذلك أهتم سكان بلاد الرافدین بتوفیر المواد الأولیة اللازمة لصناعة الملابس وخیاطتها من أقدم العصور.
ویعود أقدم ذكر لحرفة الخیاطة إلى عصر فجر السلالات الأول ( ٢٨٠٠-2700 ق.م إذ كانت من الحرف السومریة المتعارف علیها في ذلك العصر والتي تطورت فیما بعد فقد ذكر الخیاط مع الحرفیین الآخرین الذین عرفوا بتنوع أعمالهم وتنظیم اختصاصهم بشكل جید ، وحیث أن المعبد كان بؤرة النشاط الاقتصادي في عصر فجر السلالات فقد احتوت المعابد آنذاك على أماكن أو مشاغل للصناعات المختلفة كان یعمل فیها التابعین للمعبد من إماء وعبید ونساء ورجال وصبیان وكان من بین تلك الصناعات التي ذكرت في نصوص سلالة اور الثالثة (2113-٢٠٠٤ ق.م) خیاط الملابس.
وبما أن قطاع الصناعات وورش الحرف كانت تحت إشراف القصر أو المعبد مما استلزم متابعة عمل الموظفین فیها بصورة مباشرة لدعم وتطویر اقتصاد الدولة في كافة الورش ومن ذلك اكتسبت حرفة الخیاطة أهمیة بالغة وتمیزت عن بقیة الصناعات الأخرى لحاجة السكان إلیها آنذاك وقد دلت النصوص المكتشفة من هذا العصر اور الثالثة أن حرفة الخیاطة كان لها مكانة متمیزة في المجتمع السومري، وبلغت مرحلة جیدة في تقنیتها الفنیة فقد استلزمت متطلبات هذه الحرفة الدقة والذوق الرفیع في اعداد القطع المنسوجة وبشكل خاص تلك التي كان یتم صنعها للقصر ولكهنة المعابد وآلهتها. ولما كان الاقتصاد في زمن اور الثالثة تحت اشراف الدولة وسیطرتها فقد استلزم ذلك رعایتها ومتابعتها واشرافها المباشر على قطاع الصناعات والحرف الصناعیة باعتبارها احدى الدعامات المهمة في اقتصاد الدولة وأشارت تلك النصوص إلى الاشراف المباشر على مصانع النسیج وورش الخیاطین ومتابعة الموظفین الاداریین والمشرفین على العمال في تلك المصانع . لقد كانت اور والمدن التابعة للسلالة مثل نفر، واوما، ولكش والمقاطعات التابعة لها مراكز مهمة لصناعة النسیج الصوفي في عصر اور الثالثة وكدلیل على أهمیة دور النسیج مصانع حمل بعضها أسماء ملوك السلالة. اذ كان الكادر النسوي العامل في حقل النسیج والخیاطة له دور كبیر. وذكرت أجورهم وأصناف المواد التي تصرف لهم ومن خلال دراسة النصوص الاقتصادیة كان للملكات والأميرات والكاهنات دور كبیر أیضاً في الإشراف على الحرف وإدارة الورش الصناعیة التابعة للقصر أو للمعبد كما كانت ملكیة بعض الورش تعود لأولئك النساء وكنّ یعملن على إدارتها لحسابهن .
ومن الملكات اللواتي برزن في عصر اور الثالثة في إدارة وتنفیذ شؤون القصر الاقتصادیة والصناعیة هي زوجة التي قدمت في السنة) ٢٢ ( من حكم شولكي على أنها šuLgi-simti الملك شولكي- سمتي أي زوجة رئیسة فقد عاشت في القصر في مدینة أور من السنة ٢٢ من حكم (NIN) ملكة شولكي وحتى السنة ٤٨ مما جعلها تلعب دوراً مهماً في إدارة شؤون اقتصاد الدولة آنذاك.

وفي العصور اللاحقة من تاريخ العراق القديم تشير النصوص الى تطور وازدهار حرفة الخياطة فقد كانت متطورة نتیجة الازدهار الاقتصادي والتقدم السیاسي وخاصة ايام الدولة الآشوریة ، اذ كانت خیاطة الملابس مرتبطة ارتباطاً رسمیا بالدولة حیث كانت تعكس بعض المفاهیم الفكریة للدولة الآشوریة وتدخل في هذا أیضا الألوان المستخدمة ونوعیة المواد الأولیة المستعملة في صناعة الملابس مثل نبات الكتان والقطن والصوف. وتوصل الآشوریون إلى طَرْقْ صفائح الذهب على شكل قطع رقیقة تم قدها إلى خیوط بسمك رفیع لكي یمكن نسجها بالإبر مع خیوط النسیج الصوفیة أو الكتانیة أو غیرها.
وأُشیر في النصوص المسماریة ان حرفة الخیاطة عند الآشوریین كانت تحت تنظیم متطور مع وجود نوع من التنسیق المنظم بین ما كان یعرف ب “رب الصنعة” أو الاسطة وهو وربما یكون هذا اللقب في مجموعة من الخیاطین الذي یشتغلونrab kaşir شیخ الخیاطین للمعبد أو للقصر,وقد ورد في النصوص الآشوریة عن تولي بعض الخیاطین مرتبة رفیعة في القصر الذي كان یزود التجهیزات العسكریة Na-bu-ti المدعو نابوتي rab kaşir كرئیس الخیاطیین من الملابس إلى منتسبي الجیش الدائم وتوزع لهم سنویا بأعداد كافية.
كما أشیر في النصوص الآشوریة إلى “بیت الخیاطة التي نفهم منها بوضوح ان مكانا خاصا كان مخصصا لاشتغال الخیاطین كان kāşirānuهذا المكان دكاناً أو بیتاً أو ورشة كبیرة تجمع مجموعة منهم كانوا یعملون فیه تحت أمرة خیاط ماهر متخصص وقد یكون هذا المكان في القصر أو المعبد أو مستقلاً في حي معین كما هو الحال بالنسبة إلى المختصین بالنساجة مثلاً ففي نص آشوري یوضح فیه المكان الذي كان یعمل فیه الخیاط وهو عبارة عن ورشة أو بیت وإرسال كمیة من خیوط الأصواف والكتان التي كانت تنقل إلى مكان عمل الخیاطین والنساجین في المدن الآشوریة لغرض صناعة الملابس.
اما عن كيفية تعلم حرفة الخياطة ، فقد حرص حرفیو بلاد ال ا رفدین على اعداد أولادهم وتدریبهم على حرفهم وذلك لتمرین الصبي على العمل من أجل ان یكون مؤهلاً للحرفة وبعد ذلك یخلف أباه في الحرفة التي تعلمها وعلى الرغم من أن الحرفة كانت تنقل من الأب إلى الأبن وهكذا فإن ذلك لم یمنح ان یكون هناك حق اختیار الشخص للحرفة التي یرید العمل بها ولذلك كانت الطریقة لتعلیم الحرفة تتم بأن یدفع الصبي المبتدئ إلى معلمه مبلغاً من المال مقابل ان یتعلم الحرفة ویتقنها أثناء مدة محدودة متفق علیها فمثلاً كان یرسل الصبي إلى الحرفي لمدة سنوات محددة وكان الحرفي یقبل بإعالته وتعلیمه الحرفة أثناء تلك المدة لقاء مبلغ من المال.
للإطلاع على تفاصيل اكثر عن هذه المهنة وأهميتها ومراحل تطورها يمكن للقارئ العزيز مراجعة بحث الاستاذة : وصال فيصل حمادي ، حرفة الخياطة في العراق القديم.

المقال السابقديلاور سليمان يجادل الجسد بعذاباته
المقال التالىصناعة التغير – المجتمع –
خمائل شاكر ابو خضير الجنابي .. كاتبة عراقية الشهادات • بكالوريوس اداب / تاريخ / جامعة بغداد 2001-2002م • ماجستير تاريخ القديم /جامعة بغداد/كلية الاداب 2008م • دكتوراه فلسفة في التاريخ القديم/جامعة بغداد/كلية الاداب2014م. الخبرات • تدريسية في كلية الاداب / جامعة الامام جعفر الصادق(ع) مدة ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد