ديلاور سليمان يجادل الجسد بعذاباته


 

لم يمض على تخرجه من معهد أدهم إسماعيل للفنون التشكيلية بدمشق إلا سنوات قليلة ، كان ذلك عام 2006 ، أقول لم يمض على تخرج ديلاور سليمان المولود عام 1981 إلا بضع سنوات ، و رغم ذلك يمضي ليعزف منفرداً ، فهو في بحثه عميق و غير محايد ، و يركز على ما هو منبسط أمامه ، غارساً ظله كنقار خشب لخلق تجويفات تكون أناشيد وصوله إلى زاده الأثير ، و هذا مؤشر جميل على أنه يتقن فن النقر في حضرة الغياب أو في الجسد النقي الممتد في حلم المسافات ، نعم يتقن فن العوم في هذا البحر المتلاطم ، الهائج ، العذب و لا بد أن يغوص بعيداً في الأعماق ليعود لنا بلآلئه و كنوزه


تاركاً كل الأمواج العالية و العاتية تمارس وهجها و جنونها بحرية على السطوح ، فهو يميل إلى الإقتران بالألوان الداكنة كشكل من أشكال الجدل بينه و بين فراغاته من جهة و بين منتجه و المتلقي من جهة ثانية ، لا الجدل الذي يدور بين المنجل و سنبلة القمح ، و لا الذي يدور بين الشمس و الغبار ، و لا ذلك الذي يلد على شكل وجوه خسرت ملامحها ، بل الجدل الذي يحرك صميم الأشياء بعذاباتها و أحلامها ، و يجعلها تتدفق بغزارة الطيف الحامل لخصوصية المكان ، الجدل الذي يكون على شكل رغيف خبز قادر أن يشبع إحتياجاتهم جميعاً ، أو على شكل أطروحة تكتسي تمهيدها و متنها و لا نهايتها دفعة واحدة ، أو بين الخرنوب و النعناع البري حيث التنقيب و الكشف قائم بينهما دون أن يطيح أحدهما بالآخر ، فلكل منهما مشهديته الجمالية التي تخصه هو دكنته ، و صراخ الشارع الفاقد لبوصلته ، و الفاقد لوجهه بتفاصيله و في حركيّة صياغته ، متأملاً الرماد بتصاعديته و ما يوحي بخيباته .


ديلاور يدفع بمزاميره نحو الإنشاد بلوعة جريئة و مبتكرة و حزينة ،
و بتكثيف مستمر يستفز تلك الملامح الغائبة على الإقتراب من أحاسيس مميزة ، فيها تتداخل إمكاناته و تلك العوالم المغلقة ، مبتكراً خطوة البداية ، و التي هي الأهم بين مدارات بحثه ، ممسكاً بمجال حيوي يحيط به من كل حدب و صوب جماليات بصرية ستكون هي بصيص تجربته في الطريق نحو تشكيل ملامحها و معالمها الفنية ، فهو من جهة يلخص مرحلة زمنية برصد متوالياتها المتنوعة و المتناغمة حيناً و المتناقضة في أكثر الأحيان ، يلخصها في جسد كتب عليه أن يتذوق كل الوجبات الفاسدة ، باحثاً عن ملامح سقطت منه ، و لا جدوى في ذلك ، فهو و بكل عنفوانه الوارف و الممتد في حركيّة لمساته و ألوانه يجعل من الحداثة التشكيلية أبجديته في النطق تعبيراً لكل صيغه الشكلية التي تجمع بين أكثر من مفهوم


فالسرد عنده ينشغل على شبكة محاور فيها تتحرك المقاصد المختلفة حيث ستجري الأزمنة في نبل مهامها ، و هذا ما يجعل حكاياته تتعدد وفق تبنيها لمعطياتها الواقعية ، التاريخية ، الأسطورية بألسنتها الملتهبة العالية ، و فوق ذلك يراجع ديلاور فضاء المرحلة ، المنتهك جداً ، يراجع موروثها الواسع المتنوع و المتناقض مع تكثيف عنصر البحث للإمساك بإسترجاعات قد تكون تكميلية في ترسيخ مقولته ذي أبعاد فنية واسعة ، ذي لغة تلاحق السرعة ذاتها في إقترابها من التفاصيل و مؤثراتها للدخول إلى عوالم جديدة غير مغلقة ، عوالم مفتوحة في المدى بهوية تحمل القيمة الحقيقية إلى منتجه ، و تجعل هذا المنتج جديراً بالإهتمام و الديمومة .


ديلاور كما عمل في مجال التصوير الزيتي عمل أيضاً في مجال الرسوم المتحركة ، سواءاً حين كان ينبض داخل البلاد ، أو حين حمل حلمه و أصابعه و بات ينبض بالبلاد و هو خارج أسواره ، فهو كالكثيرين ما إن بدأ الغول يأكل أبنائه ، و يلتهم السموات و الأرض حتى وجد نفسه تائهاً لا يدري إلى أين ، فمن مدينة إلى مدينة ، و من دولة إلى أخرى ، و من علقم إلى علقم آخر أكثر مرارة ، و من رصيف لا يتقن لفظ إسمه إلى رصيف لا يطيق وجوده أبداً

ببساطة فديلاور يمارس خطواته المصاغة وعياً و معرفة و بملامح ستزيد من تألقه و حضوره ، يمارس خطواته التي ستضعه مع طموحه أمام بوابة ستفتح له رويداً رويداً نحو آفاق سنسمع صداها كثيراً ، و إيماناً منه بأن الحياة تستحق أن تعاش ، و بأن الإنسان هو أكثر من يستحق العيش في هذه الحياة يرسم صرخته الغزيرة عالياً علها تجرف ولو قليلاً ما يعرقل بقاء الإنسان إنساناً .

لا تعليقات

اترك رد