معاني استمرار الحركات المطلبية الحقوقية والسياسية

 

لم يعد من كثير إضافة أن يجري عرض الوقائع الكارثية الجارية في العراق سواء بالبصرة أم بغيرها من المحافظات؛ فتلكم قضية مفتوحة ومعاشة بتفاصيلها من طرف المواطن المسحوق المغلوب على أمره.. ما يتطلع المواطن البسيط يكمن في من يقدم البديل؟ وكيف؟ وما الحل النهائي النوعي والجوهري في منطقة منكوبة بكل المعايير!؟

أشكال التضامن التي تصدرها ببيانات وبلاغات بعض المنظمات والأحزاب ما عاد يلتفت إليها الشعب الواقع بمرجل وصل درجة الغليان والتفجّر. وهي صورة تضامنية شكلية بأغلبها تمارس من جهة دجل التستر وتضليل التغطية على المجرم الحقيقي ومن جهة أخرى تعمق إحباط الحركات المطلبية في أمل الاستجابة..

فبعد كل جولة احتجاجية مطلبية، ما أن يتم قمعها حتى يلحس المستغلون اعتذاراتهم وينسون وعودهم ويهملون المطالب بما يُفاقِم الأمور فتتضخم كرة المشكلات (لا الثلجية بل الساخنة في تدحرجها بعملية هروب إلى أمام تعمق الجراحات الفاغرة…

لكن بالمقابل هناك بيانات حقوقة وسياسية، تتحدث بصراحة وموضوعية في عمق الكارثة؛ مثلما تبحث عن الخطى النوعية باتجاه البديل وإيجاد النوعي الجوهري من الحلول بما يفير نظام البلاد ويعيد السلطة للشعب ليبني المؤسسات التي تطلق مسيرة البناء والتنمية…

هذه البيانات، لها وقعها وقوتها فقط حين تأتي بسلامة النهج وبالاشتغال الفعلي من قوى تتمسك بحقوق الشعب المقهور اليوم لكنه المنتصر بالغد. وبين أن يكون أداء جهة طبلا فارغا يقرع لمصلحة الاستسغلال نتيجة تحالفاته التي تجير وجوده لمآربها وبين أن تكون الكلمة فعلا قويا يبني الشخصية ويقويها ويفعّل اشتغالاتها، بينهما بون بل تعارض في الاتجاه حيث من يقول ويفعل متمسكا بإنجاز واجباته بين الناس، يقودهم إلى صحيح الاتجاه وبصائب المسارات وحيث من يقول فيطبّل ويزمّر وجعجعة بلا طحن لأنه اختار لعبة صوتية شكلية الأداء!

في مثل هذي الظروف تتداعى الأحداث والوقائع لتلد أزمةٌ أزمةً أخرى بتعاقب مقصود ولا تحتاج سلطة الميليشيات الواقعة فوق القانون ومؤسساته لمراوغات جدية كبيرة.. فلقد أُسْقِط بيد الجمهور المأزوم المبتلى حد الفناء وتم تمزيقه والنتيجة مزيد خراب بكل مفاصل الحياة وتفاصيلها اليومية!

ولنرَ كيف جرت الوقائع؟ فلقد كانت المطالب محدودة وفي أمور ليست معقدة وهي تحددت في شؤون داخل أماكن العمل أو بتفاصيل فيه أو شبيهة من شؤون جزئية.. لكنها تزايدت فصارت بقطاعات محورية اقتصاديا اجتماعيا دع عنك سياسيا… لتططور بوقت لاحق من نهب بمستوى ملايين إلى مليارات ولتختتم بنهب لصوصي بأعلى مستوياته عالميا حيث استنزاف الثروة الوطنية كليا والوقوع بجريمة تعطيل كلي للاقتصاد بقطاعاته المختلفة وتشويه شامل وعميق للاجتماعي بنشر أمراض كارثية مزقت المجتمع ومنحى العيش فيه!

لقد وصلت المطالب إلى ما بات يهدد الحياة نفسها لمجمل سكان البلاد ومحافظاتها: فسلَّموا ثلث مساحة العراق للإرهاب ومقاتله ثم ساهموا بتدمير كلي أو شبه كلي لمحافظات عديدة وألقوا بملايين الأرامل والأيتام لجريمة الاتجار بالبشر فضلا عن تعريضهم لمخاطر الهلاك الفعلي! ومع تعطيل الصناعة وتخريب الزراعة كلياً شوّهوا العمل بدوائر الدولة فجابه المجتمع تخريبا هيكليا فظيعا أودى بالناس إلى البطالة والبطالة المقنعة وإلى نسبة فقر لم يشهدها العراق بتاريخه الحديث! ثم كيف يمكن لبلد من بين البلدان الأغنى ويقع بمنطقة الفقر والفقر المدقع!؟

وأهملوا الاعتداء على الحصص المائية بمختلف سبل الاعتداء من تغيير مجاري الجداول والأنهر إلى حجب الحصص بسدود جائرة في اشتغالاتها والأنكى أن يهملوا الرد على تجفيف وديان الأنهر الكبيرة وإرسال كميات ماء فقط لدفع النفايات الكيمياوية وأشكال التلوث حتى منها المشعة حتى باتت نسب التلوث درجة أوقعت في الأيام المنصرمة عشرات آلاف الإصابات.. والخطر أن الناس لم تأخذ لا جرعات وقائية ولا حصلت علاج مؤثر ما يُبقي على مخاطر الموت بعلية تسميم رسمية!

البصرة بملايينها بلا كهرباء ومرت القضية المطلبية.. وبلا ماء وتكاد تُمرَّر! لكن لا أرض خصبة تلك التي تتصحر ويجري فيها تجريف البساتين وإزالة غابات نخيلها ثم لا كهرباء تدير ما تتطلبه الحياة ثم لا ماء ولا بدائل للحل؛ كلها تجددت ضدها الانتفاضات فأُخمِدت! أما الآن فحق الحياة، فقط الحياة، يستلبونه وكأن شيئا لم يكن!!! وذلكم من المستحيل، مستحيلٌ لعاقل أن ينتظر قتله واغتياله بتلك الطريقة العلنية الصفيقة بهمجيتها!!!

إن الهروب إلى أمام هو جوهر لعبة التخلص من الاستجابة للمطالب الحقوقية. ولكن هذه الطريقة وضعت الناس تحت مقصلة تفاقم لم يُبقِ على شيء سوى الإنسان يسحقونه ويستغلون بقاياه ميتاً والاستثناء هناك منقطع لكنه ليس كذلك عند قوى الميليشيا حيث تشييء الإنسان وتحوّله لسلعة تباع (خردة) في (العتيق)!

هذا ما كان يفرض تجدد الحركة المطلبية واستمرارها لكنه اليوم يتحول بها إلى مستوى لا يمكن بأيِّ حالٍ أن يقف عند مطالب مادية محدودة أو تفصيلية؛ فلقد أوصلوا الناس بخاصة في البصرة إلى منطقة وضعتهم في مطحنة القتل اليومي المُميتة المُبيدة.. وهنا لن يكون المطلب لأيّ فئة مادياً تفصيلياً من معالم الحياة اليومية بل سيكون نوعيا كبيرا شاملاً..

وهكذا فإنّ المطالب بهذي الحال التي تم الوصول إليها، تتحول إلى مطلب سياسي واحد، هو مطلب استعادة سلطة الدولة لإعادة بنائها بعد خراب البصرة، خرابها الكلي وتحولها إلى أداة نهب وسلب وإبادة! إنه مطلب بناء دولة بنظام بديل عن النظام الطائفي المافيوي.. وهو ما لن تفعله قطعا ونهائيا أية قوة ظلامية، من تلك التي ساهمت بجريمة تخريب البلاد واستغلال العباد منذ 2003 وحتى يومنا كما يتوهم بعضهم أو كما يحلم بغفلة غريبة..!!!

لقد مَنح الشعبُ في كل مرة فرصةً لتلك القوى المريضة.. وعاد دائماً إلى بيته، بانتظار تلبية ما كانوا مراراً وعدوا به.. ولكنهم لم يفوا بوعد أو عهد بل أغرقوا أكثر وعميقا بتأزيم الأوضاع ووضعها بمقصلة الآلة الجهنمية، ذلكم هو نظام الطائفية المافيوي الميليشياوي…

ولا يوجد منطق بأن طرفا أو كتلة أو (حزبا) يتسبب ببعض مما وقع من خراب ويعود للسلطة لو حصل ذاك في بلد يحترم القانون والناس.. فتجربةُ مرةٍ ومرتين وثلاثٍ وأكثر، تكفي للانتهاء من عبثية الضحك على الذقون والتضليل بتقديم الظلاميين المجرمين وجوهاً جديدة فبكل مرة يقدمون أنفاراً مُشتراة للعب بها على الناس ثم يطردونهم أو يرسلونهم إلى جنان اشتروها بدماء الضحايا كما اشترى فلان جزيرة بالمحيط وعلان شوارع مهيبة بعواصم الضباب والنور وغيرهما.. وآخرون اشتروا فللا وقصورا يحيون بها هم وأحفادهم مترعين بما نهبوه (مما يدعون أن الله رزقهم به) بعد أن كانوا حفاة فاشتروا ذلك بما (نهبوه) بطريقة جاءت على حساب قرابين بملايين من دماء العراقيات والعراقيين!!!

ومع ذلك فإننا نشهد تحالف بعض واهمين مع أجنحة من تلك القوى الأمر الذي قادهم أيضا للتحالف ليس فقط مع من توهموا أو ادعوا أنه يمثل فئة فقيرة بل مع ما تبقى من قوى الطائفية!! ليعاد إنتاج النظام وفلسفته وآليات إجرامه ويفرضونه بتسميات وتزويقات وعنتريات من قبيل سأوقف هذا وشلع قلع لذاك وليس من شلع ولا قلع سوى للنشطاء المضحين من أجل الفقراء بعد تمزيق قيادة قوى التحرر واستعادة الحقوق!!!

ولا مبرر لا اليوم ولا بالغد لأي تنويري ديموقراطي في مد الجسور مع تلك القوى وإذا كان من صائب في الحراك اليوم وغداً، فليكن عبر (وحدة) خندق البديل النوعي الممثل للشعب ولمطالبه الحقوقية والسياسية وليضغطوا أكثر لتحقيق ما يمكن من مطالب؛ بالضغط وليس بالكدية ولا بالتوسل والصدقات.. وبهذه الطريقة يمكن للشعب أن يتقدم خطوة من هدفه ومن التغيير وإنهاء اضطراره لتكرار انتفاضات ومزيد تضحيات..

إن جوهر السلطة يكمن في استنزاف البلاد والعباد حتى آخر ما يمكن أن ينهبوه وأن يمتصوه من دماء الناس وليس من ثرواتهم فقط.. وعليه فإن العودة إلى البيوت أو النظر السلبي إلى محافظة تنتفض فيما أخرى صامتة لأي سبب يتقوّلونه، هو عامل آخر سيفرض إعادة الانتفاضات المطلبية والسياسية أيضا..

مَن يفرض كُرها استمرار مسيرة التضحيات هو عدم تلبية المطالب والهروب من أزمة غلى أخرى بتدوير الأولى وإضافة أزمة جديدة حداً وصل الشعب لنقطة قاع الهاوية.. وما يساعد على استمرار استنزاف دماء الشعب الثائر هو عبث بعضهم بلعبة افتراضٍ متوهمٍ لإمكان تغيّر هذا الجناح أو ذاك من الظلاميين من قوى الإسلام السياسي وتضليل الناس بأنه تغير بالفعل؛ فيما هم يطمطمون على الحقيقة ويمررون مجددا تشغيل الآلة الجهنمية! وما يضيف للكارثة سببا آخر لتكرار مؤلم للانتفاضات، هو عدم تنادي الجميع بتنسيق ثوراتهم بتوقيت وتزامن يفعّل ضغطهم وينتصر به إذا ما تم (موحدا) و (مستقلا) ببرامج سليمة دقيقة تنهج نهج العقل وحكمته..

لهذا فإنْ أصحاب العقل العلمي التنويري يحذرون من الاستسلام لتبريد الانتفاضات والانخداع بالوعود والعهود والتبريرات التي لا تنطلي على جاهل؛ فكيف بها، يمررها بعضُ عقلاء!!! هناك خطيئة ما في مواقفهم!! ويلزم المتابعة في الانتفاضة من أجل تحقيق استلام سلطة القرار وصياغة قوانين لبناء دولة تقاضي المجرمين وتعيد ما نُهِب وتشرع بعمليات إعمار وبناء وتنمية بحق…

هناك فقط يمكن وقف هذا الاستمرار بعذابات الناس ومن ثمّ الاضطرار للاستمرار بانتفاضاتهم سواء منها المطلبية الحقوقية أم السياسية.. وبالمناسبة، لم يعد اليوم من أمر حقوقي لا يخضع للتشوه البنيوي في المجتمع والدولة، ما يعني حتما ضرورة عدم الانشغال بالجزئي التفصيلي من تلك المطالب الحقوقي التي تحيَّدت، والتوجه مباشرة إلى مهمة تغيير النظام أو أن الناس ستخضع للخنوع لكوارث المفسدين الوحوش الكاسرة حتى الهلاك وزوال البلاد من الخريطة!

فهل ستواصل شرارة البصرة الجارية اليوم، الاشتعال حتى تشمل الثورةُ العراقَ برمته وينتهي نظام النفايات وعهد الأوبئة المميتة!؟ ذلكم ما سيعود لمحددات وآليات اشتغال تتمسك بقيمٍ تحفظ للعراقيين حقوقهم وحرياتهم ووجودهم كرامةً وهويةً، حيث حق الحياة مما لا يملكون غيره اليوم، بزمن عاد بالعراقيين إلى نظام العبيد، نظام الرق المنقرض منذ آلاف السنين.. ألم يبيعوا النساء والأطفال بسوق نخاستهم!؟ ألم يبيعوا الوطن والناس!؟ ماذا تبقى لتقولوا: كفى مرةً واحدةً بوحدتكم ولآخر مرة، كي تشرعوا بطريق الحرية والحقوق!؟

ولحلقات الثورة الشعبية في العراق متابعة، إنها شرارة البصرة تصارع ضد محاولات إخمادها ومن أجل انتشارها ومشاركة قوى الشعب جميعا فيها بقيادة وطنية تتطلع لوحدة وجرأة وشجاعة قرار تنهي زمن إخماد الحركات بعد أن أوصلوا الجميع لمنطقة ما بعدها توالد أزمات إذ لم يبقَ سوى تفكيك البلاد وتقسيم الناس رؤوسا عبيدا بين قوى الظلام الهمجية!!!

وسنتابع من أجل استكمال المعالجات التي يتطلع لقراءتها أهلنا كونها الكلمة الفعل، والخطة الحسم

لا تعليقات

اترك رد