صناعة التغير – المجتمع –

 

بعد أن ناقشنا الهدف و الفرد، علينا ان نناقش المجتمع. فلا يمكننا ان نتخيل شجرة (الفرد) تنمو من غير أرض (المجتمع) صالحة.
و هنا ايضا لدينا الواقع كما هو الآن و الواقع كما يجب ان يكون. فالمجتمع الحالي في الوطن العربي بشكل عام و العراق بشكل خاص هو مجتمع ممزق و غير صالح لتهيئة ارضية للفرد.
طبعا هذه الظاهرة معروفة حتى لو لم يكن الكثيرون يفكر بها، فنحن من نكتب و نفكر لا نختلق معجزة، بل فقط نصف الحقيقة و الافكار عبر الكلمات، لذا فانا اصف المجتمع بالكلمات، بينما الافراد يعون الحقيقة حتى و لو يصفوها أو ينظرون لها. و بما ان المجتمع الكبير (المجتمع على حدود الدولة) هو مجتمع ممزق و غير فعال، يتساقط المجتمع الى مجاميع اصغر مثل المجتمع القبلي/العشائري او المجتمع الطائفي الخ.
وعلى اثر هذا التساقط، توطد القوانين الوضعية و المحلية و تبدى على القوانين المسنة من الدولة نفسها.

فعلى سبيل المثال، تستطيع العشيرة أن تنهب و تسلب و لا يستطيع القانون ملاحقة المذمبين لأن العشيرة تكون اقوى من الدولة. و هناك ايضا فدائح اخرى مثل نظام “الفصل” و جرائم قتل بداعي الثار او “غسل العار” و التي يسكت عنها النظام و الدولة.
أما بما يخص التكتلات السياسية (لاحظ التسمية التي تخلو من الإيديولوجية) فهنا حدث و لا حرج، مهرج يلبس عمامة و يحضى بالقدسية الدينية و آخر اهبل جاء من الغرب على انه معارض و آخر متسلق لا هم له سوى طعمه و ترى كل هؤلاء ينصبون كقادة على مجاميعهم الرعناء المدعمة بالمال الكثير و السلاح الوفير. و هنا ينتج لدينا نظام سياسي فاشل لا يهيء لإنشاء مجتمع قوي و متكامل. لاحظ هنا ايها القارئ الكريم بأني لا اشير إلى الدولة كمسؤول لصناعة المجتمع، فالحاكم و الحكومة ليسوا هم من يصنع المجتمع بل ان الافراد هم من مخولين بهذه المسؤولية.

هذا النظام المعلول الموجود في العراق لا يهيئ للمجتمع الصلاح، بل اقل ما يقال عنه هو أنه فاشل.
و هنا اشير إلى المجتمع كنظام و ليس كأفراد، فالنظام هو الذي يصوغ الأفراد ما اذا كان الافراد مؤمنين بموقعهم كناتج للنظام، و هنا بيت القصيد. فلطالما كنا نحن العرب و العراقيين بشكل خاص شعوب تنبد حظها على كل شيئ و تعزوا اخطائها (كأفراد) على المجتمع و النظام السياسي بدل أن تتحول إلى مفهوم جديد حول دور الفرد في بناء مجتمعه.

ما اود ان اقوله اليوم هو أن المجتمع لا يكون قائم إلا بالأفراد، لذا فإن هناك علاقة متبادلة ما بين المجتمع و الفرد، فلا يصح ان نعتقد بأن المجتمع هو الذي يصنع الفرد فقط، لا بل إن الفرد بدوره يصنع المجتمع.

و هنا يجب ان أركز على كلمة “صناعة”، فهو العنوان الأساسي لمجموعة المقالات التي اكتبها في صدد التغير الذي يحتاجه العراق.
فأنا لست من مناصري الراديكالية (التغير السريع للقانون و للنظام السائد) بل أدعو الى صناعة الحياة بشك ممنهج و موزون، فالعراق بكل ما فيه من مشاكل لن يتحسن وضعه بسرعة ما لم يبنى حجرة تلو حجرة. فهذا التغير يجب أن يصنعه المجتمع، و الذي بدوره يتكون من الأفراد.

في المقال التالي (و الأخير في هذه السلسلة) سوف اكتب عن كيفية صناعة التغير و كيف نربط الهدف و الفرد و المجتمع في حسبة واحدة.

لا تعليقات

اترك رد