بشائر برلمان العراق الجديد

 

اعتدنا في العراق وربما من باب الطريفة أن نتفاءل أو نتشاءم مع مقدم الضيف أو المولود الجديد ونعلق ما يحصل على ذمته فالحدث الأول الذي يحصل ينبئ بما سيحصل لاحقا وضرب على ذلك آباءنا الأمثال وهذا ينطبق على البرلمان العراقي الجديد مع عقد جلسته المباركة الأولى في غير مرة وأكثر من مناسبة قلنا إن للعراق خاصية يختلف بها عن بلدان العالم فبلادنا يمكن أن نطلق عليها بلاد الأزمات ما أن نسعى للخروج من أزمة حتى نجد أنفسنا في أزمة اشد واكبر ولها ثمن مضاعف عن سابقتها يدفعه الشعب الصابر بلا ذنب فقد تصدعت رؤوس الناس كثيرا لما يزيد عن الشهر وحتى قبل موعد الانتخابات بمدة طالت كثيرا بين مؤيد للانتخابات ويرغب بالمساهمة بها وبين مقاطع ورافض أصلا لهذه العملية وأطلقت شعارات رنانة عن مشاريع وطنية وخون البعض بعضا واتهمه بكل الاتهامات وصرح من صرح وعارض من عارض وطرحت مشاريع وأفكار عن تأجيلها أو إلغائها أو غير ذلك ولكن الانتخابات جرت في موعدها ونحن عامة الناس البسطاء الذين لا حول لنا ولا قوة ولا احد يسمع لنا رأيا لا ناقة لنا فيها ولا جمل ولا نعرف شيء مما جرى أو يجري إلا من خلال تصريحات المعنيين في وسائل الإعلام وعاد التسقيط مرة أخرى بين السياسيين وراح الكل يتحدث عن عمليات تزوير حصلت وشكك من شكك بالنتائج وشرعت في آخر اللحظات قوانين واتهم هذه الجهة أو تلك وتشكلت لجان بمستويات حكومية عالية وكشفت بالوثائق حالات التزوير وأحيل ملف الانتخابات إلى القضاء وهو ما يفترض أن يكون أنزه أجهزة الدولة في إحقاق الحقوق وإعادتها إلى نصابها الطبيعي وبعد جهد جهيد في إلغاء نتائج واعتماد نتائج أخرى أعلنت تقريبا بالمطابقة وذهبت نتائج التحقيقات بالتزوير وما رافقه من حرائق إلى حيث يعلمها الله والراسخون في العلم وغابت شفافية عمل مفوضية القضاء وصادق السيد رئيس الجمهورية على النتائج وأخيرا التأم شمل البرلمان في جلسته الأولى حسب الدستور الذي نعتمد بعض من بنوده ونتجاوز ونخترق الأخرى وخلال المدة الزمنية من تاريخ إجراءها وإعلان نتائجها عقدت اجتماعات بين هذه الكتلة مع غيرها بمختلف الميول والاتجاهات وأعلنت تفاهمات ختمت بإعلان الكتلة الأكبر حسب العرف المعمول به لا لاختيار رئيس للبرلمان الذي ينبغي له إدارة جلسات البرلمان في انتخاب نوابه الاثنين ومن ثم التصويت على انتخاب رئيس الجمهورية ثم يكلف هذا بما قصرت حسب الدستور من يتم التوافق عليه كرئيس للوزراء ليشكل حكومته .

إن ما جرى هو مسرحية كاتبها ومن كتب لها السيناريو ومخرجها فاشلين جملة وتفصيلا والشعب منشغل عنها أصلا فالكل من المشاركين فيها فائزا كان أم خاسر يتحدث عن تزوير نتائجها فيكيف يؤتمن المزور في قيادة الشعب وجريمته مخلة بالشرف إذا وصل إلى تمثيل الشعب سواء في البرلمان أو في الحكومة بدلالة ما جرى في الجلسة الأولى فقد بانت حقائق شخصها الشعب من قبل لكنها انكشفت بشكل فاضح وعاد الجميع إلى نقطة البداية والى نفس النهج الطائفي واعتذر مقدما للحديث بهذا الأسلوب ولكن نعتمده لتوضيح الفكرة وإيصالها بشكل مناسب فالأخوان الكرد تمسكوا بمنصب رئيس الجهورية كإقليم وكتلة كردية لكنهم اختلفوا في ترشيح شخصية واحدة لإشغالها فكل حزب له مرشحه وكذلك الأخوان السنة اختلفوا في مرشحهم إلى منصب رئيس البرلمان ولن يتفقوا إلا بإرادة من الخارج ونفس الشيء جرى مع إخواننا في الأحزاب والكتل الشيعية لم يتفقوا على مرشح واحد لمنصب رئيس الوزراء والانكى والأمر إن الحزب الذي كان يقود الحكومة طيلة الفترة السابقة في ثلاثة دورات مضت حزب الدعوة الإسلامية انشطر إلى جناحين منذ البداية جناح يقوده السيد نوري كامل المالكي وجناح آخر يقوده السيد رئيس الوزراء المنتهية ولايته حيدر ألعبادي بل وراحوا إلى ابعد من ذلك فتحالف كل منهم مع مجموعة من الأحزاب وشكل كتلة يقول كل منهم إنها الأكبر والأدهى والأمر صار بعضهم يكذب بعضا في عدد نوابه أو راح ينمي نفسه على حساب الجناح الآخر بطرق لا يرتضيها لغريمه كالشراء بالرشوة والتهديد والوعيد والمضحك المبكي إن كل منهم له من يسانده ويدعم فوزه من الأطراف الخارجية رغم إن هذا الأمر شان عراقي خالص والأكثر من كل هذا كل طرف هدد الآخر بان حكومته ستسقط خلال شهر أو اثنين إذا شكلها ومعروفة للجميع طريقة الإسقاط طبعا بقوة السلاح وما سيرافقها من سفك المزيد من الدماء العراقية فانكشف المستور وتبخر وضاع ما كانوا يسمونه البرامج الحكومي وطغى إلى السطح حقيقة السباق والتمسك بكرسي الحكم .

تحصيل حاصل إن ما يجري بين الجميع هو بسب ما يمكن أن يوفره كرسي الحكم من امتيازات قياسية خارقة على حساب الشعب فبعد ترديد القسم الذي يشك الجميع أنهم يرددوه ترديد الببغاء دون إيمان به وسيحنفون به في نفس اللحظة وقد ضمن الجميع الراتب المغري ورواتب الحماية حتى وان لم يكونوا موجودين كم ضمنوا استلام منحة تحسين الأحوال والتمتع بباقي الامتيازات التي لا يتمتع بها أي عضو برلمان في العالم أما بالنسبة لتشكيل الحكومة فحدث ولا حرج لان السلطة التنفيذية هي صاحبة الذراع الأطول في كل شيء فلا يمكن أن يقتنع أي مواطن بسيط بآي شعار يطرحه أي حزب وإذا كانت نسبة المشاركة في الانتخابات النيابية متدنية فستجري عن قريب انتخابات مجالس المحافظات ومن المؤكد إن نسبة المشاركة مهما بلغة جهود التعبئة ستكون متواضعة للغاية وحتى تجديد بيعة الأحزاب الحاكمة الأعرج وما شرعت من قوانين استندت عليه .

إن من المخجل لنا كعراقيين أن تجري الصراعات على كراسي الحكم بهذه الطريقة بينما لازالت شريحة واسعة من الناس تعيش في مخيمات اللجوء وتعاني ما تعاني من صعوبات والأتعس ما يحصل الآن في وسط وجنوب العراق وفي البصرة خصوصا من احتجاجات وما رافقها من قمع وترهيب ودماء شباب سالت تطالب بأبسط الحقوق الطبيعية وكان من الأجدر بهم أن يعقدوا جلستهم الأولى فيها ومعالجة مشكلاتها الإنسانية أو التبرع بامتيازاتهم لإتمام انجاز المشاريع المعطلة إذا كانوا صادقين بادعاءاتهم .

حقيقة الشعب العراقي في واد والسياسيون في واد آخر بعيد عنه كل البعد وهنيئا للجميع عقد جلسة البرلمان الأولى وسنرى ما تحمله لنا الأيام القلية المقبلة من مفاجئات نسال الله العزيز أن لا يتحمل الشعب وزرها.

لا تعليقات

اترك رد