الفنان قائد النعماني


 

(جزء من مشهد من افتح ياسمسم )
: مرحبا ,نحن نقرأ ونكتب بالعربية من اليمين الى اليسار (الشاب الوسيم يكتب على السبورة ويقرأ مايكتب بطريقة تعليمية) بسم الله الرحمن الرحيم ,اسمي مثلا هشااااام .

نعم هشام صورة بقيت راسخة في ذاكرة العرب كبارا وصغارا حالها حال ( نعمان وانيس وبدر) والشخصيات الرائعة الاخرى من ممثلي المسلسل التعليمي (افتح ياسمسم ) انتاج مؤسسة الانتاج البرامجي المشترك لدول الخليج العربي المقتبس عن المسلسل التعليمي الامريكي(شارع السمسم) واخرج معظم حلقاته المرحوم فاروق القيسي باشراف وتنسيق مباشر من الفنان فيصل الياسري . هشام كان يتحرك برشاقة مذهلة وكأن هذا الجسد الضخم ماهو الاّ كتلة الكترونية رسم لها مسارا وخارطة لا يحيد عنها ابدا .ثم ننظر الى وجه هشام فنجد ملامحا حادة غير محبّبة,


وفجأة تركّز على هذا الوجه فتجده مألوفا قريبا من القلب بملامح لا تنسى ابدا.يركض والكاميرا خلفه ,يضحك والكاميرا تضحك ,يغني (ياأهل الدار) والكاميرا والاطفاليرقصون ,يعزف و(يدوزن الاوتار) فيفرح العود, والاوتار تزداد سرورا ,الكل يغني ياأهل الدار ..أي سعادة كنّا نعيشها في الثمانينات ونحن نشاهد هشام بصوته الاجش وشخصيته الفارعة ووسامته وخفة دمه وهو يقودنا لمئات الحلقات الى عالم السمسم العجيب ,وأي قدرة هائلة تلك التي يمتلكها هذا الهشام كي ينافس اشكال مصنوعة بدقة متناهية وبجمال اخاذ ,وأبتكار تم من خلالها غزو الذوق العالمي للطفل والكهل, وبقيت في ذاكرة العالم ,انها شخصيات (الضفدع كامل وانيس وبدر ونعمان ..الخ ),لكن هشام كان يتحرك بخفّة ورشاقة وجمال طاغ, وبحرفنة وفهم لكيف تتحدث الى الطفل ,وكيف تعلّمه ,وكيف تتعامل مع الكاميرا ,وكيف تساهم في صناعة الجمال ..

كيف تتعامل مع الحركة والجمود ,الصوت والصمت ,الحياة والحياة ,الطفولة والشباب والكهولة ..اليّة وفن وسيطرة على المرئي وغير المرئي .انه هشام الملقّب قائد النعماني الذي ظفر بحب الجميع وصنع لنفسه هالة وصورة ومعنى وهو يؤدي شخصية هشام المفعمة بالحياة ,هشام الذي يحب الاطفال ويعلّمهم ,وأعترف انا شخصيا بأني تعلمت من هشام كثيرا وكأنه مدرسة في الحياة, بل اني كنت اضع أمامي دفتري وقلمي لأسجل ملاحظات ومعلومات مهمة يقولها, وفي النهاية تركت الدفتر ولم اراجعه لان هشام كان يطبعها في ذهني ولا أحتاج الىمراجعتها ابدا .

لكل هذا وغيره يحتاج اي ممثل الى اليّات واعية مدروسة بعلميّة من شخص ذكي يؤسس لما يبدع , و فنّان في علمه لكي ينفجر جمالا وقيما تكسب الاخر ان كان طفلا ام كهلا ام بين هذا وذاك,وعند قائد الكثير الكثير من هذا فكان محبوبا وكان هشاما سمسميا بجدارة .بعد هذا وفي استراحة فكرية مبهجة تحظر امامالمتلقي صورة اخرى للملقّب هشام, وتنقلب الصورة فتختفي ملامح كثيرة من قائد وتبقى صفات, فيتحول هذا الفتى الوسيم الى مخبول ,أهبل, يقول حكما بطريقة تختلف تماما عن صوره السابقة رغم تقدم الثانية على الاولى لكن الصور المتداخلة تنفع احيانا لتنتج خطابا جماليا ومعرفيا جديدا .

الاهبل في مسرحية الدبّخانة من اخراج اسعد عبد الرزاق هي شخصية مختلفة في كل شيء ,في الصورة والمفهوم ,في الحركة والصوت, والطرح والالقاء والاداء وحتى في التلوين مابين قمة القرار وادنى مستوى للجواب ,في الضحك بأعلى طبقاته, والبكاء في اسمى اشكاله ,في السرعة والتمهّل ,في المسرح والسينما والتلفزيون, واعني بهذا فهم قائد لطبيعة الاداء في هذه الوسائط المختلفة التي تختلف فيها طبيعة الاداء وحرفياته وقليل المعرفة هو من يتعامل مع جميع هذه الوسائط بكيفية واحدة للاختلاف الواضح بين شكل وطريقة عمليتي الارسال والتلقي.أما قائد فأنه كان يعي جيدا مايعمل ويفهم مايريد, وينفذ ما مطلوب منه بالضبط.ومايثير الىالانتباه طريقة دخوله وخروجه الى الفعل الدرامي بقوة انفجارية اذ انه يدخل بطريقة مثيرة لجسد يعرف كيف يقوم بغزوة الجانب المرئي ويظفر باهتمام المتلقي الذي يتمنى بقائه ليستزيد جمالا من كيفية الطرح وشكل الاداء الايجابي وحينما يخرج يستعجل بل يتمنى حضوره مجددا .هي قدرة وهبة وهي موهبة تحلّى بها الفنان قائد النعماني تجلّت من خلال التنوع الادائي للشخصيات المختلفة التي مثّلها في مسرحية الدبخانة والمسلسل التعليمي افتح ياسمسم ومسرحية كان ياماكان . وفي شكل اخر مثّل قائد النعماني شخصية (تمبل ابو رطبه) الشخص الكسول الذي يتخلّى عن حركته وينام على ظهره تحت النخلة فاتحا فاهه بانتظار تمرة تسقط في فاهه .وبهذا يكون قائدا قد تخلّى عن واحدة من أهم الاليات التي تميّز فيها الاوهي الحركة الجسدية وقوة التعابير الجمالية الناتجة من اشتغالاتها.لكنه نجح وأضاف لنفسه وللمخرجين والمتلقي صفة وكيفية وشكل اخرجاهز لمن يبغي التعامل معها ومعه . ولم ينجر قائدا خلف تكرارالشخصيات التي نجح فيها الا وهي شخصية الاهبل والمختل وغيرها اذ استطاع ان يلج باقي الاشكال الادائية من خلال شخصيات كثيرة منها السياسي الصياد في الفيلم السينمائي الزورق من اخراج عدنان الامام اذ ظهر في هذا الفيلم بشكل اخر استطاع من خلاله انيؤكد موهبته وقدرته على كسب المتلقي اعتمادا على اليات بسيطة مقارنة مع شخصيات سابقة ولاحقة له .ثم جاء بشكل اخر جديد عليه في فيلم (يوم اخر ) اخراج صاحب حداد استطاع فيه ان يكشف عن شخصية تعتمد على المزج مابين الشكل والمضمون ,المكشوف عنه وماضيه وتاريخه ,الناتج من مزاوجة تاريخ الشخصية الذي يؤثّر على حاضرها الهش الذي ينبأ بكارثة بسبب البنية الاجتماعية السائدة انذاك مابين عالم ريف وعالم الغجر ,والتقاليد التي تؤثر واثّرت على حياة المجتمعين معا .تكررت الاشكال الادائية عند النعماني واختلف بعظها في المسرح اكثر من التلفزيون والسينما اللتان اعتمدتا على وسامة وحضور وقوّة شخصية النعماني كما في افلام (اللوحة ,والرأس والجابي ,والتجربة والنهر والمسألة الكبرى).اما في فيلم القادسية اخراج صلاح ابو سيف فانه حاول ان يؤدي شخصية قائد فارسي بطريقة لم تحتاج منه جهد كبير لمساحتها الزمنية او لاول محدودية الافعال المطلوب منه ادائها ثانيا .في التلفزيون قدّم قائد شخصيات متشابهة من حيث انتمائها المدرسي فتميّز فيها دون انتترك له اثرا بحجم الاثر الذي تركه في المسرح الاّ في بعضها , اذ انهتميز جدا في مسلسل (الايام الضائعة ) و(الباشا) وكان مميزا جدا في مسلسل (رسالة من رجل ميت ) تأليف حامد المالكي واخراج حسن حسني الذي اظهر لنا قائد وهو مسيطرا جدا على افعاله التي كانت تتغلب عليه في اعمال اخرى فتأتي فائضة عن الحاجة, لكن اثرتجربتهالتي تكرّست ونضجت بفعل دراسته العالية, وتجربته المفيدة في امريكا بانت واضحة في كل حركة والتفاتة وكلمة كان يؤديها وكأنه ارادان يطرح شكلا اخر لقائد ويعلن عن نفسه مرة اخرى بفض الاشتباك مابين الثورة الداخلية للشخصية ولغة التعبير عنها التي تتسم بالعلاقة الطردية صوتيا وحركيا فكان في هذا المسلسل بحاكي الافعال من خلال الصوت والصمت البليغ, والسيطرة على افعال الوجه والجسد وطبقة الصوت المناسبة .

ولد قائد النعماني في مدينة النعمانية التابعة لمحافظة واسط عام 1946 وانتقل الى الكاظمية اذ انهى دراسته المتوسطة في متوسطة الفجر ومثّل فيها اولى مسرحياته (رأس الشليلة ) تأليف يوسف العاني تحت اشراف من مدرسه ومشرفه الفني انذاك الشاعر مظفر النواب التي لم تعرض بسبب سجن النواب بعد انقلاب 8 شباط .دخل أكاديمية الفنون الجميلة عام 1965 وتخرج منها عام 1969 .عمل مع فرق مسرحية كثيرة منها فرقة المسرح الشعبي وفرقة 14 تموز وفرقة المسرح الحر وفرقة مسرح الرسالة .سافر الى امريكا لأكمال دراسته في المسرح والسينما والتلفزيون واخرج اثناء دراسته الكثير من الاعمال المسرحية منها (قصة حديقة الحيوان )لادوار المبي لصالح فرقة تكساس الاهلية واستمر عرضها لاسبوعين وبنجاح .


وبعد الدكتوراه انتقل الى سان ديكو في ولاية كاليفورنيا وقدّم للجالية العربية العديد من المسرحيات منها (روك وهجع ,يوم العرس ,ضاع الورث ).عام 1994 انتقل الى ديترويت اذ عمل في محطات التلفزيون العربية (الشبكة المتحدة ,تلفزيون الشرق ,تلفزيون السلام ) واعد واخرج لهم العديد من البرامج المنوعة منها (حياة عائلية ,صور اجتماعية غربة وكربة ).وفي ديترويت اخرج المسرحية الشعبية (بيت الباشا )واستظاف فيها كل من راسم الجميلي وليلى كوركيس ونزار السامرائي .عمل في بعض الافلام والمسلسلات الامريكية كممثل ومساعد مخرج كما في فيلم (الملوك الثلاثه ) بطولة جورج كلوني .كما مثل دور بطولة في فيلم (بغداد تكساس ) ,ومسلسل (الجناح الغربي )بطولة مارتن سين ,وفيلم (دير فيل ) مع بن افليك ,وفيلم (الانتقام) و(السيد صدام) .وكان اخر الافلام التي اشترك فيها فيلم (السيد الحزين ) اخراج باتريك اي بينو .من اعماله المهمة مسرحيات (نشيد الارض وباب الفتوح ) اخراج محسن العزاوي ,ومسرحيات (كلهم اولادي ,الطريق) اخراج جاسم العبودي ,ومسرحيات اخرى منها (العادلون ,اللص ,عرس واويه ,بين المالك والمملوك ضاع التارك والمتروك ) ,كما شارك في مسلسلات عديدة اخرى منها (اللغز ) اخراج كارلو هارتيون وساهم في دبلجة الكثير من مسلسلات الكارتون . فائز قليفل الذي غيّر اسمه الى قائد النعماني اكمل الماجستير تخصص اخراج من جامعة كولارادو عام 1986 ثم اكمل الدكتوراه في المسرح والسينما والتلفزيون من جامعة تكساس عام 1991.توفي اثر نوبة قلبية في 4\6\2009 وتوقف القلب الذي لم يتوقف عن حب العراق بلده الذي فارقه باحثا معرفيا, ولم يعد له لأسباب اجهلها ..الى رحمة الله النجم المهم قائد النعماني .

لا تعليقات

اترك رد