بين الحاكم والقائد والشعب

 

تميل المجتمعات تلقائيا إلى تنظيم علاقاتها البينية الداخلية وتضعها ضمن اطر وقوالب محددة منذ أن بدأت التجمعات السكانية تتقارب وتتسع وبدأ أفرادها بالتخصص في مجالات العمل والتنوع في طرق انجازه ثم راحت تتطور حتى قبل مساعدة الشرائع السماوية إلى اختيار من يقودها ويفصل في خلافاتها سواء بإرادتها أو بحتمية منه بالقوة والسطوة والجبروت وشرعت لذلك قوانين ودساتير لتؤمن لها الحماية من بعضها البعض كجماعات أو كأفراد داخل الجماعة الواحدة وصارت بينهم علاقة آمر ومأمور أو حاكم ومحكوم وهكذا تطورت المجتمعات بعد تراكم خبراتها إلى أن أصبحت دول ولها اصطلاحا حكومات بالشكل الحالي المعروف للجميع وبذلك فان الحكومة هي نتاج لحاجة المجتمع ولها حقوق وعليها واجبات ويرأسها حاكم بتسميات لازالت إلى الآن مختلفة حسب دستور كل بلد بصلاحيات وواجبات فمن هو الحاكم وهل هناك فرق بينه وبين القائد الذي نحاول معرفته وهل له مواصفات معينة ليكون ضمن احد تلك المسميات .

تأتي تسمية الحاكم مستنبطة ومرادفة للحكومة وهي ببساطة مجموعة الأجهزة التي تدير شؤون الدولة (الملكية العامة) تعمل مجتمعة على خدمة المواطن وتنظيم العلاقات بين أفراد الشعب الواحد ولها في ذلك وسائلها الشرعية التي تمنحها حقوق لا يمتلكها فرد أو مجموعة يقف في أعلى هرمها الحاكم وفي الغالب يحصل هذا الشخص على تأييد شعبه طوعا أو كرها وفي الحالتين هناك وسائل وأدوات لعمل جميع الأطراف بتناغم ومن سلطة هذا الحاكم وأسلوبه تطور الأمر إلى أن يوصف بالحاكم المستبد واصطلاحا الحاكم الدكتاتور الذي يحكم الناس ويقرر وينفذ آمره ويطاع بكل الوسائل ومن يعارض يبعد أو يسجن أو يهلك ولا ينظر إلى شعبه إلا كعبيد إستملكهم بالبطش أو القوة أو المال أو كجزء من موروث العائلة ولهذا أمثلة كثيرة في التاريخ القديم والمعاصر وأما في الدول المتقدمة حضاريا تلاشت هذه الظاهرة واندثرت بعد معاناة قاسية عاشتها وتطورت أساليبها من حكم الفرد إلى حكم الجماعة وأصبحت السلطة تتداولها الناس بسهولة ويسر وانبثقت حكومات تلبي احتياجات شعوبها صارت تسمى بالحكومات الديمقراطية وهي من انجح الحكومات التي تحظى بالتأييد الشعبي شبه المطلق وقد يصل إلى الحكم شخص يتمتع بصفات ايجابية فائقة يتفاعل مع شعبه بدرجة عالية ويسخر لهم كل إمكانيات الدولة فيلتف الشعب حوله ويؤمن له مستلزمات النجاح وعندها يتحول إلى أرقى درجات الحكم فيكون قائدا .

وقيادة الشعب أو المجتمع فن يحتاج إلى مهارة عالية ومواصفات لا تتواجد في كل إنسان بل هي جزء أساسي من تربيته الشخصية وثقافته العامة ولا يشترط به أن يكون حاكما للدولة فهناك رب العائلة ورئيس العمل والقائد الرياضي والاجتماعي والديني والسياسي وهو ما يهمنا هنا فهذا يستطيع أن يخترق كل الحجب والنزول إلى الشارع وتفهم المشاكل ويسعى إلى حلها بأمانة وشفافية وقوة وحزم وحرص ويمتلك من القدرة ما يجعله يتبع الحق إلى آخر مدياته ولا يخشى فيه لومة لائم ليحقق العدل والمساواة في رعيته فيجني ثمار جهده ويحصل على الإسناد اللازم والقبول وفي كل الأحوال سيحفظ له التاريخ جهده ويخلده ويتحول إلى رمز وطني تتناقل الأجيال سيرته وتقتدي به.

أتخطر إني ذات مرة قرأت رواية ملخصها إن الإمام علي عليه السلام أقام الحد على سارق فقطع يده كما جاء الحكم في الإسلام على السارق وعند خروجه إلتقاه شخص سأله عن الحادثة فكان يمتدح إجراء الخليفة في قطع يده ويتفاخر وكلما حاول أن يثير فيه الحقد على العقوبة والمعاقب لم ينجح بل كان هذا يزيد من الإطراء لقناعته المطلقة بعدالة الإمام وهذا بالتأكيد لم يأتي عن فراغ وإنما عن سيرته في عدله وهي لم تكن الحادثة الوحيدة في تاريخنا على طوله ولسنا الأمة الوحيد التي حظيت بمثله قائد فقد كان فيدل كاسترو من بين أروع القادة في العالم المعاصر ولن ينساه التاريخ وقد التف حوله شعبه وحماه من أعدائه طيلة فترة حكمه ولا يزال عنوان للقيادة الشعبية الناجحة عالميا.

ما نحاول التوصل إليه من خلال هذه السطور إن الشعوب دائما تبحث عن حريتها وتقدم في سبيلها القرابين من دماء أبنائها الغالية فالحرية في عصرنا هذا صارت تؤخذ بالقوة ولا توهب من جهة ذلك لان الدول الأقوى لا تنفك من محاولات الهيمنة على الشعوب الضعيفة والغاية دائما فيها ابتزاز خيراتها التي لا تقف عن مكنونات الأرض وبواطنها بل تتعداها إلى الإنسان بذاته وهذا واحد من مجموعة أسباب دعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى غزو بلادنا وتدميرها ولكننا مع الأسف لم ننجح في إنتاج القيادة المطلوبة فاغلب من خلفتهم أمريكا يسعون إلى السيطرة على كرسي الحكم لا إلى تطبيق ما يحملون من أفكار ونظريات ومفاهيم تكاد تكون مقدسة رغم التظاهر بالديمقراطية التي أفرغت من محتواها بدلالة التسابق على المناصب كمغانم فما سميناه انتخابات جرت منذ أربعة أشهر ولازالوا يتنازعون في تشكيل الكتلة الأكبر ومن بعدها يتجدد صرعهم على المناصب لتشكيل الحكومة وهم يدركون جيدا إن شعبهم رفضها جملة وتفصيلا وقاطعها منذ البداية في حين إن جارتنا تركيا مثلا لا حصرا أعلنت النتائج في نفس يوم الانتخاب وكذلك الحال في اغلب دول العالم .

لم ننجح طيلة الفترة الماضية في إنجاب قائد يستطيع استقطاب الشعب ليلتف حوله تفصح عن هذا التظاهرات المستمرة في اغلب مدن العراق وطريقة قمعها بل لاحظ كيف إن الجميع يتفاخر بأعداد حمايته وقوتها وأرتال سياراتها التي تقطع الشوارع ليعبر مساعد الحاكم فما بالك بالحاكم إذا أراد العبور ولاحظ تحصينات المنطقة الخضراء التي يسكنوها صارت محل اشمئزاز وطبعا هذا لا يعني الجميع فهناك من هو خارج السلطة ولكن بإشارة بسيطة منه يستطيع أن يقلب موازين القوى في البلد وليحفظ الله العراق وشعبه من كل مكروه بفضله ورحمته.

المقال السابقلكل العرب
المقال التالىماذا يحدث في البصرة
لاسم/ رقيب عبد الرحمن المطيري التولد / 1957 التحصيل الدراسي / بكالوريوس آداب / قسم التأريخ المهنة / متقاعد اعشق العراق وشعبه بجنون ولا فضل لي بهذا اكتب ما أراه يخدم شعبي وتنشر لي بعض المواقع والصحف....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد