مريض العزل ج1


 

اكتب هذه المرة عن شخص تعلمت منة الكثير، تعلمت معنى الإيمان والتمسك بالحياة .. تعلمت معنى الأسرة الحقيقية وقيمة الإخوة .. تعلمت المثابرة وقوة العزيمة .. ايقنت ان شبح الموت ما هو إلا خيال نُخيف به انفسناالضعيفة …

اكتب هذه المرة عن مريض العزل ..”عبدالوهاب- ” عبد الوهاب محمود عوض موسى -،رقم المستشفى 34672,السن 82عام .. تلك هى المعلومات التى تعرفت من خلالها عليه للمرةالاولى..

مجرد مريض أخر يضاف الى قائمة طويلة للغايةاظنها لن تنتهى إلا بانتهاء حياتي انا الآخر ، ملامحه تؤكد كونه من اهل الجنوب ، وجهه ممتلئ – قامة قصيرة – نظرة قوية – يد خشنةمن اثر العمل فى الأرض الزراعية ، للوهلة الأولى يُخيل لك “حفيد للفراعنة”وتخشى التعامل معه خوفاً من إثارة غضبة، فهو كما كان يقول دوماً “صعيدي وحمقى يا ولد”

رأيته للمرة الأولى فور خروجه من غرفةالعمليات ، استقبلت السرير واثناء المرور به عبر الممر الى غرفة الرعاية القيت عليه نظرات متفرقة ، مثله كمثل أي مريض آخر استقبله فى الرعاية ، سجلته على السرير رقم عشرة ، وقضيت بجوارة ليلة مميزة بحق ، فقد كان الصقيع ينخر عظام المرضى، وصوت الإمطار يغطى على أهات الألام المستمرة ، ليلة من المتوقع ان يفقد فيها احد هؤلاء المُستلقين روحه الغالية مفارقاً الحياة ، وكان من الواضح ان “عبد الوهاب”هو الشخص المختار فى تلك الليلة ، فبداية باضطراب الضغط وفقدان الوعى الى اضطراب ضربات القلب والمعدل التنفس، كان “عبدالوهاب” هو الفريسة الأمثل فى تلك الليلة.

ولكن جاءت الأمور على عكس ذلك، فمع بداية سطوع شمس اليوم التالي وسريان الحرارة فى اجساد المرضى وطاقم العمل؛ وجدنا “عبدالوهاب” يتنفس ، ويقوم بخلع انبوبة التنفس الصناعية من تلقاء نفسه، ورفض ان يضع جهاز للتنفس الصناعي.. بل ورفض ان يأخذ علاجه قائلاً بلهجته الصادقة”علاج الرادل چلبة مش حباية يا اوستاذ” وما هى الا ايام وكان خارج اسوار المستشفى الكئيبة عائداً الى بيتة وأسرته .

مرت اسابيع قليلة وعاد الينا “عبدالوهاب” مرة اخرى ، مُثقل بعدوى قد اصابت جروح صدره وقدميه ، لم يترك له اداء السكرى الفرصة للشفاء ،عاد “عبد الوهاب” ليتصل مرة اخرى بجهاز التنفس الصناعي وليستمر تدفق الأوكسجين لرئتيه دون كلل او كسل …

عاد الجنوبي بابتسامته الغليظة ونظرة عينيه القاسية ، كنت اخشى ان انظر فى وجهه دائماً كانت تثير تلك النظرات بداخلي الرعب والهيبة ، وكأنها تتهمني بالتقصير فى حق ذلك الجسد المنهك والنفس الضعيفة رغم مايظهر عليها من علامات القوة والمثابرة، دائماً ما يشير بسبابته وهو يحادثني ، يبتسم كلما القيت علية مزحة ، كان يكره الضحك ، أظنه اعتبر الضحك علامة ضعف واستكانة ل اتليق برجل جنوبي – صعيدي_ مثلة ..

رجل تحمل الكثير والكثير مما لا يطاق ..كان من المتوقع ألا يطول به الامر “بمجرد عودة الجروح الى سابق عهدها يسمح له بالخروج من المستشفى مع توجيه الحالة بضرورة متابعة نسبة السكر فى الدم ،واتباع حمية غذائية تحت اشراف طبيب متخصص” كانت تلك هى الجملة التى وضعت فى بداية توجيهات الطبيب ..ولكنها لم تنفذ!!!

فقد طالت فترة احتجاز الرجل وأصابته عدوى الجهاز التنفسى ،واصبح من المعتاد ان يرتفع وينخفض ضغطه عدة مرات فى الساعة الواحدة، وبمجرد فصله عن جهاز التنفس الصناعى يصاب بحالة من الاختناق الشديد ولا يتمكن من الاستمرارفى التنفس لدقائق معدودة..

وكان القرار بعزل الحالة عن الرعاية ووضعها فى غرفة بعيدة بعض الشى منفردة ، ووضع “عبد الوهاب” بعيداً عن الجميع ، ومنذ ذلك الحين ، بدأت تتكون داخلي عاطفة حب لهذا المعزول ، ربما وجدت فى غربته وابتعاده عن أهلة مشابهه مع حالة الغربة التى احياها الآن ، او ربما هى ملامح وجهه ذات الطابع الجنوبي الأصيل التى دفعتني لمعرفة هذا الرجل وحبه ، او قل ربما هو ذلك الهاجس الذى يزور أحلامي دوماً ، ماذا سيحدث ان كنت انا المريض؟

كنت كلما دخلت الى غرفة العزل ، أجده ينظرلى فى آسى ،وكلما حدثته عن ضرورة تمسكه بالحياة ، وان ما يعانى منة سيكفر عن ذنوبه، يبتسم فى وجهى دون ان يظهر أي تعبير اتفهم منة حقيقة حالته النفسية …

كان من المتوقع ان تسوء حالته النفسية ،ان يفقد إيمانه بالبقاء حياً ،ان نجده قد فصل نفسة عن جهاز التنفس دون ان نلاحظه وقد فارق الحياة .. ولكن كل ما توقعناه لم يحدث…

كان يصلى ويسأل عن المواقيت ويتأكد منا وقت كل صلاة ، وكان يردد الأذكار دوماً …. لم يكن له صوت مسموع ولكن حركة الشفاه اوضحت معنى ما يقوله ،كان يكرر اسم الله ” القوى”، حينها فسرت اختياره لهذا الاسم دون غيره .. لكونه جنوبي اقتصر تعليمه على كُتاب القرية ، ولفظ الجلالة”القوى” يردده اصحاب المهن الشاقة اثناء العمل …

لم اكن ادرك حينها انه يناجى الله ويسأله ان يمده بالقوة فى اقصى حالات ضعفة واحتياجه ..
لقد كان الجنوبي مؤمن بحق .

(يتبع)

لا تعليقات

اترك رد