عوامل تفعيل حركة التذوق الفني التشكيلي ج 5

 

تتأثر شخصية المتذوق بمستوى التقدم الحضاري والاتجاهات السائدة والتقدم الحضاري ومنه التقدم العلمي التكنولوجي وما يتحقق له من ثورة في عالم الاتصالات، وما يحققه من الاطلاع على النتاجات المبدعة الحديثة، التي تقلل بدورها الفجوة الثقافية والمعرفية التي تنمي مستويات شخصية المتذوق. “فالفرد لا يعيش في فراغ، فشخصيته تتأثر (بالسياق الاجتماعي) الذي يوجد فيه، والشخصية في مفهوم علم النفس هي جملة الصفات الجسمية، والعقلية، والمزاجية، والاجتماعية، والخلفية التي تميز الشخص عن غيره تميزاً واضحاً (راجح ،احمد ،اصول علم النفس 1976 ) وورد في مدارس علم النفس “ان وصفاً او تعريفاً مبسطاً وحيداً للنفس البشرية هو كونها نظاماً ربطياً يكيف الاستجابات الفكرية والانفعالية التي يقوم بها مع الاوضاع التي يصادفها”(عاقل ،فاخر،مدارس علم النفس 1977) وقد وضع عالم النفس الانجليزيBullough، تصنيفاً للنمط الادراكي، بحيث يمثل كلاً من هذه الانماط طريقة مختلفة في ادراك الموضوعات الجمالية والاستجابة لها. وهذا التصنيف يكشف عن مدى الضخامة التي يمكن ان تكون عليه الفوارق بين مدركي الجمال. أي بمقدار التعاطف والتنزه عن الغرض في تجربة كل منها.

والانماط الأربعة هي:
الترابطي، الفسيولوجي، الموضوعي، والنمط الشخصي.
1. الترابطي Associative
هذا النوع يدرك المعطيات الحسية ويربطها بمعطيات وتجارب حياتية، حيث تصبح للمدركات معنى، اشكالاً كانت ام الواناً، بما تثيره في النفس من ذكريات او تداعيات، فهو لا يحب اللون الاحمر لانه يذكره بالدم، اما اذا احب الاحمر شخص آخر فربما يذكره بلون الورد، وتكون استجابة افراد هذا النمط مصحوبة بفكرة او نمط مرتبطة كل منهما بموضوع معين له صلة بتجربة في ماضي الفرد المتذوق. وعندما يُستغرق الترابط بين اللون والذكريات، فان اللون يقصد تماماً مركزه في الوعي، ويعد (بلو) هذا الترابط (غير مشروع) جمالياً.

2 النمط”الفسيولوجي ” Physiological
افراد هذه الفئة يحكمون على الموضوع من خلال التأثيرات الشخصية التي يثيرها فيهم، ولاسيما ردود الافعال الجسمية والعضوية. فثمة لون معين يجعل مثل هذا الشخص يحس “بالبروده” وشخص عند استعماله للموسيقى يحس بالخمول، وثمة شخص يحس بالرجفة، ان هذه الاحاسيس التي تحدث في داخله في خلال التجربة، فيحكم على الموضوع تبعاً لطبيعة احساسه ونوعه.

3 النمط الموضوعي : Objective
افراد هذه النمط يحللون الموضوع بالرجوع الى مقاييس ومقارنات وتحليلات موضوعية تحتكم الى موقف عقلي، حيث لا يشيرون الى ردود افعالهم الشخصية، بل الى معايير موضوعية لقياس خصائص اللون، فقد يرفضون احد الالوان لكونه غير نقي، او لان شكله غير متناسق او متكامل او غير متوازن.

4 نمط الشخصية : “Character
افراد هذا النمط يتذوقون الموضوع بطريقة مفعمة بالحيوية والعمق. وهو يتميز بنغمة انفعالية قوية، كما يشتمل على الاستجابات العضوية التي توجد في النمط “الفسيولوجي” ومع ذلك فان احكام هذا النمط، على خبرات النمط الفسيولوجي، لا تستدعي الانتباه الى الاحاسيس الشخصية للمشاهد، بل ان استجاباته تتخذ صفة خارجية، أي تعد صفات للموضوع. وعندئذ ينظر الى الموضوع على انه له “حياة ومتحفظ وتأملي.

ويشير (جيروم) ان (بلو) قد رتب الانماط ترتيباً معيناً طبقاً لقدراتهم الاستجابيةوالتذوقية، جاعلاً النمط الشخصي في المرتبة الاعلى، لانه الاكثر جمالية ثم يليه الموضوعي والترابطي واخيراً الفسيولوجي.

اما العالم النفسي “بافلوف” فقد استطاع ان يكشف عن ثلاثة انماط للجهاز العصبي المركزي ينفرد بها الشخص، هذه الانماط” الانسانية المحضة تستند فسلجياً الى العلاقة بين امنظوتي الاشارتين الاولى والثانية، الحسية واللغوية.فالادراك الحسي: رؤية الاشياء المادية المحسوسة مثلاً او شم روائحها او سماع اصواتها، اما الادراك الحسي عن طريق اللغة – الكلمات – فهو الادراك العقلي المجرد.

وهذه الانماط الأدراكية هي :
1.​النمط الاول: وهو النمط الذي تتغلب عنده فطرياً المنظومة الاشارية الحسية او منظومة الادراك الحسي على المنظومة الادراكية العقلية، أي تتغلب عنده المراكز الدماغية الواقعة تحت المخ، المسؤولة عن الانفعالات او المشاعر او العواطف، على المراكز المخية اللغوية المسؤولة عن التفكير، وهو نمط الفنانين عموماً كالرسامين والنحاتين والموسيقيين والشعراء وغيرهم ممن يدركون المحيط الخارجي، ادراكاً حسياً فضفاضاً مرتبطاً بمشاعرهم وخيالهم بصورة انفعالية.

2.​النمط الثاني: هو النمط الذي تتغلب فيه المنظومة الاشارية اللغوية والادراكية العقلية على المنظومة الحسية، ويتغلب عنده المخ على الاقسام الدماغية الواقعة تحته، وهو نمط المفكرين والعلماء، واصحاب النظريات العلمية من الاختصاصات كافة الذين يتعاملون بالبيئة المحيطة بالمفهوم الرياضي والعلمي .

3.​النمط الثالث: وهو الذي تتوازن لديه المنظومتان الاشاريتان الحسية والعقلية، وهو النمط الذي يشمل اغلبية الناس.ومن تقسيمات بافلوف هذه وجد ان الشخصيات الانسانية تختلف في قدراتها العقلية والفكرية والحسية من ناحية التكوين الفسلجي الدفاعي للانسان، مما يؤثر في نوعية الاستجابة تجاه اية مدركات خارجية ومنها العمل الفني .

وان القدرة على الاستجابة في ادراك الاعمال الفنية تتطلب من المدرك تنمية وسائل القدرة في الادراك وبالتالي تمييز الاعمال برؤية وحس جمالي واعٍ في عملية التذوق، ومن هذه الوسائل الثقافة المعرفية بعلاقات العناصر التشكيلية واسسها، فضلاً على استعدادات الفرد الفسلجية كي يساعده على الادراك الناضج والاستجابة المتكاملة والواعية.

والخبرة المعرفية تؤدي الى تراكم يزيد من القدرة في الاستجابة والتأليف الصوري، ويضعها في سياق متوافق مع الخبرات المكتسبة لديه، ومنها الرسم. فالفنان عندما يتأمل المحسوسات المحيطة به، ومنها الطبيعة وحركة الناس تتدرب عنده الحواس وتألف المحسوسات، ففي اثناء التذوق الفني يحاول المتلقي تركيب الاجزاء العديدة للوحة في نسق متماثل، طبقاً لما لديه من خزين صوري فاذا كان غير مدرب في الوعي والمشاهدة فان تركيباته تكون سطحية ويكون أمره على المشاهد المدرب فنياً وثقافياً، والحال نفسه ينطبق على المنتج او طالب الفن كذلك في عملية التاليف والتذوق.

الافعال الفكرية المؤدية الى تذوق النتاج الفني:
ترتبط عملية التذوق الفني بالمراحل الاولى على صعيد الشكل وطبيعة الاسلوب او النمط المحقق لطبيعة الاداء والتقنيات للنتاج الفني ضمن نمط وسياق ثقافي عام. لذلك فبجانب أن حوار المتلقي في عملية التذوق الفني جزء من النسق الثقافي المحيط فهو ايضاً يرتبط بالحوار الذي يقدمه المنتج نفسه في عملية خلق النتاج الذي يتضمن عناصر التشكيل الفني، والذي بدوره يحقق العلاقات الجمالية من خلال الشكل والمضمون وفق المعايير والاشارات والرموز التعبيرية، من خلال نوع الاسلوب او النمط الادائي والتقنية العالية التي تتوافر فيها شروط الابداع من اصالة ومرونة وطلاقة ليبقى الحوار مستمراً بين المنتج والمتذوق.

الاستجابة للشكل:
ان الاستجابة للشكل في نظر المفكرين الشكليين هي نقيض لنظرية (المحاكاة). فالنظرية الشكلية(Formalist) هي نظرية حديثة، فالانسان العادي كان على الدوام يؤمن بنظرية المحاكاة، اما النظرية الشكلية فهي تحدي الاذواق البسيطة الساذجة. فهي اذاً ستراتيجية جريئة، مفادها ان ما تعده تذوقاً جمالياً ليس الا افساداً للادراك الجمالي الصحيح، واذا كان الرأي السائد في عامة الناس ان الفن الحديث هو طمس لمعالم الفن، فان (كلايف بل(C. Bell و (روجر فراي(R.Fry يرى كل منهما ان العنصر الذي يحقق الوجدان الجمالي عند الانسان مستمد من تأمل الصورة في العمل الفني، وتتركب الصورة من علاقة الخطوط والالوان التي تحرك وجداننا وانفعالنا الجمالي.

فهما إذاً ياخذان موقفاً مضاداً ويعتقدان ان الفن الحديث وحده الذي يمكن ان يسمى (فناً جميلاً). والفن الجميل هو العناصرالشكلية منظمة في تنظيم شكلي ذي قيمة جمالية. ويحدد (فراي) عناصر الشكل بانها الخط، والكتلة، والضوء، واللون. وترتبط هذه العناصر مع بعضها بعلاقات لتكون (شكلاً ذا دلالة). ويعرف (بل) الشكل ذا الدلالة بانه العلاقة الشكلية التي تثير في المشاهد المنزه عن الغرض (انفعالاً جمالياً) (بل) “اننا عندما نتذوق العمل الفني لا ينبغي لنا ان نحضر من العالم الخارجي أي موضوعات من الخارج”(مطر، اميرة حلمي,ص..،1972).

فالموضوعات الخارجية يتغير تأثيرها وتختلف اهميتها، بسبب تغير الظروف المرتبطة بها، في حين ان الاعمال الفنية الخالدة تظل حية حيث لها قدرة على اثارة الانفعال الجمالي. وتتكون هذه من العلاقات الحسية مثل الالوان، مضافاً اليها الافكار والتمثلات والخيال منتظمة انتظاماً يؤدي الى احداث التجربة الجمالية.

ان هذه المبادئ العامة تنظم العلاقات بين العناصر الرئيسة للعمل والاستجابة عند المتلقي، وتتغير تبعاً لما يرتبط بها من تداعيات فكرية وروحية، وهكذا فان قيمة العمل تتمثل في التنظيم الشكلي للعناصر التصويرية. من خط، وكتلة، وسطح ولون.ويرى (الشكليون) ان العمل التمثيلي يمكن ان يكون عملاً (فنياً) اذا كان ينطوي ايضاً على قيم شكلية وتشكيلية وتنتج الاستجابة للعمل الفني من خلال المشاركة الفعالة من جانب المشاهد، فالعمل الفني ما هو الا وحدة مادية متكاملة يصبح اثراً ذا قيمة جمالية عندما تتولد الاستجابة لدى المشاهد.ويسجل (ناثان نوبلر) هذه الحقيقة الملموسة بقوله: (فالمشاهد هو الذي يصوغ ما يريد للعمل الفني قوله في تواصل حواري بين المشاهد والعمل الفني) ( نوبلر،ناثان،حوارالرؤيا,ص.. 1987 ). ولقد اشرت في مقالاتي النقدية عن مجموعة من التشكيليين العراقيين، بان وصول العمل وتكامل ابعاده يتوزع على ثلاث جهات التي تشبه زوايا المثلث والمتكونة من المنتج للفن زائد العمل الفني زائد المستلم، ولا قيمة ووجود للعمل بدون متلقي لديه التقدير والمستوى العالي من التلقي والتذوق الراقي.

الشكل والمضمون:
يعد الشكل ظاهر العمل الفني أي عناصر التشكيل الفني، التي مر ذكرها في موضوع النتاج الفني، والمضمون هو الفكرة او الطريقة التي يعرض بها الفنان فنه او الاسلوب الذي يعبر به الفنان عن ابداعاته الفنية وعن فكره وايصاله الى المتذوق.

ان ادراك البصر للعلاقات بين العناصر المرتبطة مع بعضها هي عملية تنتج منها عملية التركيب التي يتكون منها الشكل والعمل الفني ولابد من ان يتكون من جزءين هما الشكل والمضمون.حيث يمثل الشكل العناصر المرتبطة مع بعضها مكونة بذلك بنية الشكل التي هي جزء من بنية اللوحة الفنية التي تتميز بصفات معينة مكونة هوية خاصة للوحة الفنية او العمل الفني الذي تنتمي له) لقد اهتم الفلاسفة بالعلاقة المتبادلة بين الشكل والمضمون منذ ارسطو اذ اعتقدوا بان الشكل هو جوهر الفن، والمضمون جانب ثانوي، وان الشكل الخالص هو جوهر الواقع وكلما تغلب الشكل وحلت اهمية المادة ولدّت درجة كمال الشيء.

وهناك من يرى ان المضمون اهم من الشكل اضافة الى من يؤكد ان الشكل والمضمون متلازمان لا يمكن فصل احدهما عن الاخر وهذا ما استنتجه شخصيا من خلال التجربة العملية والمعرفية او الدراسية، لان الشكل العام للوحة الفنية عناصرها هي تعبير عن الفكر والحس والاداء الجمالي لها وهذا ما اكده الفيلسوف (كانت) الذي تناول موضوع الشكل والمضمون وربطهما باللذة الجمالية .

اما (كروتشه) فقد اكد ان الشكل والمضمون هو الحقيقة الداخلية او التعبير. وان وحدة العمل الفني تظهر من خلال تطبيق الشكل والمضمون. بقوة، ورفض فكرة وجود مضمون دون شكل.

وقال “ان الحقيقة هي الشكل، والشكل هو الالوان والايقاع والاصوات والتعبير الحسي وان العمل الفني حدث داخلي خالص، أما (كوهلير) مؤسس المدرسة الجشتالتية فقد كان يرى ان ما يميز الشكل من الباعث العادي.. أي ان اللون او ذلك النغم او ذلك الوزن فقط، كما يتكون الشكل من علاقات العناصر بعضها ببعض.

الناحية الرابعة: المبدع (القائم بالاعمال)
ونرى هنا ان عملية التذوق الفني ليست محض حوار متأثر بالنسق الثقافي والنمط الذي يشكل بنية المستويات الادراكية للعمل فحسب، وانما هي اضافةً الى كل ذلك حصول تبدلات جديدة في مستويات رؤية الادراك الجمالي عند المتذوق، معبرة عن خزين تجربته الجمالية ومشاركته الوجدانية للمراحل التي مر بها الفنان في منجزه المنتج، ولذلك فان الفنان المبدع هو مصدرالتذوق والمسؤول الاول في العملية الفنية، او ان الافعال الفكرية التي يؤديها الفنان تنتج عنها طبيعة المستوى الذوقي الذي يحدد مقدار الاستجابة الجمالية في عملية التذوق .

والفنان (المبدع) هو المسؤول عن تصدير الفكرة او نقلها والمسؤول عن ابتكار المعادل (الموضوعي-الشكلي) للفكرة وصياغتها بلغة جمالية، وبما ان مجتمع البحث الذي طبقته في رسالة الماجستير والذي منحني الخبرة في ربط موضوعي الحالي مع البحث السابق، كان يهدف الى تنمية اذواقهم الفنية، هم مبدعون (طلبة) في الوقت ذاته، وليس مجتمعاً غير متخصص. أي متذوقين فقط. لذلك على الفنان المنتج ان يرى في عملية نتاجه الذي يستجيب له المتذوق جملة امورهي:

.1​الدوافع الفكرية تجاه صنوف المعرفة بصورة عامة وعلى الفنون بصورة خاصة لكونها رسالة فكرية تخترق المتلقي المتخصص وغير المتخصص.وظائفية الشيء للفنان واغراضه المستعملة التي تشكل بؤرة اهدافه .

.2​الامكانات التقنية لانجاز الفنان وما تتطلبه من وعي عال بخصائص التقنيات واشكالاتها المتعددة الانواع .

.3​الكلفة الانتاجية للعمل الفني التي تفترض وجود قدرات عقلية لدى الفنان على اجراء حسابات اولية سريعة وموضوعية الكلف وما ينتج من هدر في الوقت او الطاقة او المواد الاولية او الجهد، ومن ثم الهدف من انجاز العمل الفني من الناحية المالية) فالمبدع معني بالسعي لتطوير بنية اعماله الفنية على وفق سياق معرفي ادائي، متخذاً من التذوق الفني مركزاً لنظام تلك البنية المنظمة. وتكشف عن انساق تلك البنية المظهرية للعمل الفني من شكل وملمس ولون وخطوط وفضاء ومساحة اضافة الى الاسس التشكيلية والتعبيرية المنضمة للفكر والموجهة الى المتذوق (المتلقي .

المقال السابقالمتوسط يشتعل ج2
المقال التالىالزواج … تحرر من الحرية
ماضـي حســن نعمــة فنان عراقي وكاتب وناقد في الفن التشكيلي..حاصل على بكلوريوس فنون تشكيلية ..ماجستير طرائق تدريس الفنون التشكيلية .. دكتوراه طرائق تدريس الفنون التشكيلية . اقام العديد من المعارض الشخصية والمشتركة اخرها معرض شخصي في قاعة ادمينتن الكندية. لديه العديد من المؤلفات منها كتاب ( تنمية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد