” المحطة الأولى “

 

مسيرة الفنانة عالمة مسيرة طويلة، تعود للطفولة في مسقط رأسها، ولعل جمال جرش هذه المدينة الساحرة بجمالها وأشجارها وتمازج آثار التاريخ فيها مع الامتداد الزراعي ووفرة المياه وجمال الغابات من حولها ساهم كثيرا في خلق هذه الروح الفنية.
كانت مدينة جرش ما تزال تحتفظ بسحرها وغموضها الذي تضفيه عليها الحجارة والأعمدة الرومانية، تخترقها جداول الماء وتكسو أرضها الأعشاب، وتظللها الأشجار، وهو المكان الذي ألف الشركس حينما قدموا نهاية التاسع عشر من القفقاس لمكان يلوذون به لحماية أرواحهم ومعتقداتهم.
تتذكر عالمة ما يروي الأجداد في هجرتهم من القفقاس، أن البواخر حينما كانت تحط على شاطئ يافا وحيفا في فلسطين، وحينما يهبطون إلى الأرض، يخلعون نعالهم تهيباً للأرض المقدسة، ويمشون الهوينا لطمأنينة الوصول.
كان جد الصغيرة عالمة التي لم تولد بعد من سلالة الأمراء حاؤبتش الذين لهم ما يمكن تسميته في اللغة المعاصرة “حق النقض” أمام مجلس القبائل، ولهذه المكانة حظي باحترام الدولة العلية، الإمبراطورية العثمانية التي كان يمتد نفوذها على القارات الأربع.
كانت تقاليد الشركس قد رحلت معهم، وبقيت الفروسية ميزة الرجال الذين انخرطوا في مؤسسات الإمبراطورية، وكان والدها حسين محباَ للعلم والفن، فدرس الطب، ومارس هوايته في الفروسية والمطالعة، وهو ما قربه للجميع، فكانت علاقاته طيبة مع الجميع.
والتقى الطبيب بشريكة حياته التي تعود بأصولها لتركيا، وكانت كثيرة الاهتمام بالمجريات السياسية، وهي ست بيت من طراز رفيع، عالمها بيتها الذي حولته إلى متحف وحديقة غناء.
في هذه الأجواء رأت الطفلة عالمة النور، في مدينة عتيقة بحجارتها، عميقة بتاريخها، محاطة بالبساتين وينابيع الماء، وتدور حولها الحكايات للعمالقة الذين سخروا الجن لحمل الحجارة وبناء قوس النصر وشارع الأعمدة والمدرجات والمسارح.
كانت جرش قديماّ مكاناً لطرق القوافل التي تنطلق من المربعة وسط شارع الأعمدة إلى العراق ومصر وفلسطين وسوريا، وهي من مدن الديكابولس العشر التي بناها الرومان. ولحبهم للماء والخضرة اختار الشركس جرش مقاماّ، ولم تر الطفلة فرقاّ بينها وأقرانها من الذكور، فكانت واحدة منهم، تمارس ألعاب الصبية التي كانت منتشرة في ذلك الوقت، ومنها: شن الحرب على الحارات الأخرى، فكانت لها السيادة على الأطفال، تخطط وتخطب في الأطفال بما يشبه التعبئة عبر بث يم الشجاعة والتضحية، وقد وَعَت مبكراَ حاجات الناس، وتحديداَ الفقراء، فانحازت لهم، ومن خلال مجموعتها خططت لإطعام الفقراء بحيلة محكمة، حيث خططت لاعتراض أحد الفتية الذي كان يحمل صينية لحمة من الفرن المجاور، وتوزيعها على الأطفال، وبالفعل فقد قامت بحركشة مع الطفل الذي يحمل الصينية، الذي ترك الصينية وتبعها للانتقام منها، وكانت بلغت فريقها أن يقوموا وفق السيناريو للإجهاز على محتوى الصينية، وهي في الوقت تكون قد ضللت الطفل واختفت، ولما يأس الطفل من الإمساك بها عاد فوجد الصينية فارغة، فاشتكى لوالده الذي جاء مساء لبيت والدها مشتكياً، الذي لم يصدق أن ابنته الضئيلة فعلت ذلك، ولتوكيد ذلك دخل إلى الغرفة التي كانت تجلس فيها وحملها من رقبتها كالقطة، وقال مستهجناً: أهذه التي سطت على طعامك، موجهاً كلامه للطفل الذي حضر مع والده.
فقال الطفل نعم، وضربتني بالعصا أيضاً
فلم يترك له والده أن يكمل الحديث، ووبخه، وقال له مستغرباً، هذه “الفلعوصة” ضربتك، أمش، أمش قدامي، وخرجا أمام دهشة الجميع، بينما كنت أضحك في داخلي على الموقف.
كانت جرش بالنسبة للطفلة فضاء يختزل الكون كله، لا تعرف خارج حدودها شيئاً سوى ما يتم تداوله في الحكايات عن الغرباء، وتمني نفسها أن تكون فارسة لتجول ما بعد المدينة، ولكن جرش بالنسبة للطفلة كانت كل شيء، حتى حينما انتقلوا بحكم عمل والدها إلى عمان لم تألف الطفلة ضجيج المدينة وأحست بثقل المكان وغربتها فيه.
لا تعدو ذكريات الطفلة في جرش دائرة الحارة، و رفاق الطفولة، والجيران، ولكن الموقف الذي جرى مع الملك عبدالله الأول (كان وقتها أميراً) لن تنساه، وكان حينما يزور جرش يلتقي مع والدها الذي كانت ترافقه لرؤية الملك الذي كان يجلسها جواره ويمنحها الهدايا، وذات احتفال أرادت أن ترحب به على طريقتها بقصيدة سهرت الليل لحفظها، وحينما شرعت بالقراءة أمام الملك ووجهاء المنطقة نسيت الطفلة بعد أربعة أبيات باقي القصيدة، وحاولت التذكر دون جدوى، فأجهشت بالبكاء وركضت إلى الملك وهي تصرخ، أحبك..أحبك، وجلست في حضنه.
كان والدها صلباً، قوي البنية، ووسيماً، يحب المغامرة، وصارم في عمله ويعتز بكبرياء الفرسان قيمهم، وذات مرة دخل على أحد الضباط الإنجليز فوجده جالساً، وواضعاً قدميه على الطاولة، فما كان منه إلا أن وبخه وزجره وطرده من المكتب، وهو ما دعا الملك إلى تدارك الموضوع والطلب من والدها الانتقال للعمل في عمان.
هذه الطفولة وطبيعة المكان بجماله وسحره في جرش ترك أثرا كبيرا على الفنانة فيما بعد وخاصة في أعمالها الإبداعية التي تروي حكاية الطبيعة، فنرى فيها المياه والجداول والأشجار المتنوعة المرتفعة والورود والأزهار، فكانت جرش هي منبع الجمال الأول وطبيعتها الساحرة وغموضها متمثلا في لوحاتها، فحين نرى أعمالها عن الطبيعة نشعر أنها تأنسن الطبيعة حتى تكاد تنطق وتتحدث.

*من كتاب: عالمة العبدلات مسيرة فن وابداع للكاتب.

المقال السابقالست بهيرة
المقال التالىحكاية المحمل المصري
كاتب الفلسطيني من مواليد 1955 في مدينة الزرقاء في الأردن، وأصوله من بلدة جيوس قضاء قلقيلية في الضفة الغربية الفلسطينية.. حاصل على بكالوريوس آداب تخصص جغرافيا من جامعة بغداد 1976.بقيم في فلسطين - رام الله منذ عام 1997. بدأ الكتابة والنشر منذ عام 1972. ناشط في المجالات الثقافية والفنية مع اهتمامات خاص....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد