العراق من بين الأسوأ في استغلال واستثمار الموارد الطبيعية في المنطقة

 

قليل من دول العالم من يهبها الله نعم كثيرة و عديدة، أهمها الموارد الطبيعية كالنفط و المعادن، و المياه، و الطبيعة و الطقس المتنوع، إلى غير ذلك، و قليل جدا من هذه الدول من يحسن إستثمار هذه الموارد و إستغلالها لما فيه مصلحة البلد و الشعب، و ربما يتميز بلد يعتبر غنيا بكافة المقاييس مثل العراق في كونه من بين الأسوأ في المنطقة و ربما عالميا في هذا المجال ..

و هنا تعجز لغة الكلام و الحوار عن وصف ما يحدث منذ يوم الإحتلال حتى يومنا هذا من قصص الفساد و التلاعب و الرشاوي، بكافة أنواعها، بحيث بات العراق مدرسة في هذا المجال، و مثلا يروى و يقص عنه، و لا تترك السلطة هناك مجالا من المجالات في التلاعب و الفساد الإداري و المالي و القانوني و غيره، إلا و أبدعت فيه، بحيث بات العراق يتسابق مع أفقر و أتعس دول العالم في الإستحواذ على المستوى الأخير في كثير من الدراسات و الإحصائيات و التي تنظمها و تجريها الأمم المتحدة أو العديد من المنظمات و المؤسسات الدولية و العالمية المتخصصة الأخرى ..

و من مهازل االقدر، أن نرى هناك على أرض العراق ماراثونا فعليا يجري في مجال السرقة و الفساد و التلاعب و الرشاوي، ما بين الشركات الدولية و ممثلي دول الإحتلال الغربية و إيران التي بات لها اليد الطولى في شؤون العراق كافة، و بين ممثلي ما يدعى بالحكومة في مرافق و مواقع مختلفة، و الفوز بالغنائم دائما للأقوى و الأعلى مرتبة، و الخاسر الوحيد هم أبناء الشعب من المواطنين الفقراء البسطاء العاديين، الذين يكسبون قوتهم بشرف من عرق جبينهم، فهم محاربون و ملاحقون على الدنانير القليلة التي يكسبونها، و الكل يرغب في نهبها و سرقتها ..

في دراسة تحليلية أصدرها مركز ” بروكنجز ” الأمريكي للدراسات و الأبحاث الإستراتيجية، فرع الدوحة، في شهر أبريل نيسان الماضي، تحت عنوان ” أقاليمية الموارد في منطقة الشرق الأوسط و شمال أفريقيا : أراض غنية و مجتمعات مهمشة “، من إعداد كل من روبن ميلز و فاطمة الهاشمي ..

يركز التقرير على إستعراض سريع لمشاكل سوء إستثمار و إستغلال الموارد في المدن و المناطق ذات الموارد و التي يفترض أن تكون غنية و متميزة في نوع و حجم الخدمات التي تقدم لها، مع تركيز على مشاكل العراق في هذا المجال ، بإعتباره نموذجا سيئا و بوضوح في هذا الجانب ..

تشير الدراسة في مقدمتها إلى أنه في القرن الحالي، واجهت دول منطقة الشرق الأوسط و شمال أفريقيا تحديات كبيرة بسبب صدامات سياسية ناتجة عن حروب أهلية أو تغيير أنظمة أو ثورات شعبية أو انقسامات أو غزو أجنبي كما في حالة العراق في العام ٢٠٠٣ ، و غرقت بعض هذه الدول في صراعات و شهدت بروز جهات سعى بعضٌ منها إلى زيادة سيطرته على الموارد المحلّية ، و تدرس هذه الورقة دور الموارد الطبيعية في هذه الصراعات، و توضح أنّه على الرغم من أنّ التوتّرات حول الموارد تظهر بوضوح في البلدان التي تعاني نزاعاً مفتوحاً، فهي تظهر أيضاً في بلدان أكثر استقراراً، و في هذه الحالات الأخيرة، تتبلور التوترات بشكل احتجاجات و اضطرابات عمالية و مطالب تنمية محلّية و تحرّكات داعية إلى الاستقلالية أو حتى الانفصال ، و إذا لم تتمّ معالجة هذه التوتّرات، بإمكانها أن تحوّل هذه البلدان إلى أراضٍ خصبة لنشوب صراعات طويلة، و لا سيّما في حال وقوع صدمات سياسية مستقبلية ..

و يعبر التقرير عن المشكلة الجوهرية موضوع البحث في : “ تميل الموارد الطبيعية إلى التركّز جغرافياً في مناطقَ تبعُد عن المراكز المُدنية أو التي لا تضمّ القدر نفسه من السكّان ، غير أنّ الثروات و مشاريع التنمية في منطقة الشرق الأوسط و شمال أفريقيا تميل إلى التركيز على المراكز الحضرية و العواصم و المناطق الساحلية ربما بعيدا عن تلك المناطق ذات الموارد، و قد أيقظ هذا التباين مشاعر الحرمان لدى السكّان المقيمين في المناطق المتأخّرة اقتصادياً، بما فيها تلك الغنية بالموارد ، ففي تلك المناطق، أعربت المجتمعات المحلّية عن عدم رضاها عن استخراج الموارد من أراضيها الذي غالباً ما يترتّب عليه كلفة بيئية و اجتماعية، و ذلك لصالح المناطق المفضّلة أكثر ، و في بعض الحالات، تزامنت هذه المشاعر بالحرمان، أحقيقية كانت أم متصوَّرة، مع تضامنات اجتماعية في صفوف مجموعات طائفية و / أو إثنية و / أو قبلية ، فقد سعت هذه المجموعات إلى الاحتفاظ بحصّة أكبر من عائدات الموارد المستخرجة من أراضيها، في محاولةٍ للتخفيف من التباينات في تنمية المناطق، مما ساهم في بروز احتجاجات مجتمعية محلّية و نشوب اضطرابات عمالية، و في بعض الأحيان، تزايد النزعات الانفصالية ” ..

و ما بين ما يسمى بقومية الموارد، و إقليمية الموارد، يدور النقاش عن مدى أحقية الدولة في حرمان بعض المناطق من عمليات تنمية و تطوير تستحقها كونها مصدرا و موقعا للموارد، في حين تذهب هذه الأموال و الإستثمارات إلى المدن الكبيرة و العاصمة و التي على الأغلب تكون بعيدة جغرافيا عن مناطق الإستخراج و الإنتاج للموارد المختلفة الريعية موضوع البحث ، حيث ظهرت بعض الحالات مؤخرا في عدد من الدول يطالب سكان بعض المدن و المناطق بالإستقلال الكامل أو الجزئي عن الدولة لكي يتمكنوا من الإستفادة بشكل أكبر و الإستحواذ على الموارد التي تنتجها مدنهم ..

بالطبع هذه الجدلية لا يمكن أن تؤخذ علي علاتها، فمثلا مناطق غنية بالنفط مثل البصرة و كركوك و الأحواز، من غير المنطقي أن يعمل سكانها محدودي العدد على حرمان الدول و باقي السكان من موارد ما تنتجه منطقتهم، لكن في ذات الوقت لا يحق للدولة أن تهمل هذه المناطق الريعية الغنية، على حساب مدن كبيرة أخرى يتم تطويرها و تنميتها، و برأيي هذا التناسب و التشبيه لا يعمل جيدا في العراق، خاصة بعد الإحتلال، كمثال و نموذج للبحث، حيث توقفت المشاريع و الإستثمارات و التطوير و التنمية بعد الإحتلال في معظم المناطق و المدن بما فيها العاصمة بغداد، سواء أكانت منتجة للموارد ، أو جاذبة للسكان و الإستثمارات و المشاريع ..

و تركز الدراسة على الصراعات و النزاعات المحلية و الإقليمية الحالية أو المحتملة، نتيجة هذا التفاوت في الثروات و الموارد و الإستثمارات، و إنعدام الخطط و البرامج و تقصير الحكومات و الدول في تحقيق التوازن و العدالة بين أطراف المعادلة، من خلال خلق تنمية شاملة متوازنة، و توزيع الإستثمارات و الأموال و المشاريع بما يتناسب مع الإحتياجات ..

و يستعرض التقرير سريعا عدد من المناطق و المدن الغنية بالموارد في عدد من الدول العربية، و ما تواجهه من مشاكل و تحديات، و كما يأتي :

* في جنوب الجزائر، يتواجد النفط و الغاز، و تواجه المنطقة إحتجاجات و مطالب بتأمين فرص عمل و مطالب بالتنمية ..

* في منطقة خوزستان في إيران، حيث يتواجد حوالي ٦ ٪ من سكان البلد، و هم من العرب، يتواجد النفط و الغاز كما هو معروف، و تواجه المنطقة عمليات إحتجاجية و إضطرابات منذ عشرات السنوات و مطاليب بالإستقلال ..

*في العراق، و كما هو معروف هناك منطقتان غنيتان بالموارد الطبيعية، و هي النفط و الغاز، هاتين المنطقتين هما البصرة و المنطقة الكردية، حيث يبلغ حجم سكان المنطقة الكردية حوالي ١٧ ٪ من سكان العراق، و هم على الأغلب من الأكراد المسلمين السنة، و في البصرة حوالي ٨ ٪ من السكان و هم من الشيعة على الأغلب، و كما هو معلوم فالمنطقة الكردية تنادي منذ عشرات السنوات بالإستقلال و الإنفصال، و تدعي بأحقيتها بمنطقة كركوك الغنية بالنفط و الغاز لكي تدعم مطالبها الإنفصالية، أما البصرة، و نحن نشهد الآن فعلا مشكلة الجفاف و الماء و العطش هناك ، فأن المنطقة تعاني من إهمال واضح للعيان و قلة في الإستثمارات و إنعدام المشاريع المهمة، و قلة إهتمام الدولة و بما لا يتناسب مع نسبة مشاركة هذه المنطقة في الدخل القومي للبلد ..

* في ليبيا، التي تشارك العراق و سوريا و اليمن في حاضرهم و مصيرهم و الدمار و الإنهيار، و التي تتمتع بثروة كبيرة من النفط و الغاز أيضا، و عدا الصراعات و الحروب و الأيدي الأجنبية التي تعبث في أمن و إقتصاد البلاد، فأن هناك مطالب محلية مناطقية بالإستقلال و الإنفصال، و خلافات و صراعات حول تجارة و سرقة و تهريب النفط في ظل إنعدام الأمن و الأمان فيها، علما أن ذلك يتركز و حسب الدراسة في منطقة برقة التي يتركز فيها حوالي ٢٦٪ من السكان و هم على الأغلب من القبائل العربية، و منطقة فزان التي يتركز فيها حوالي ٨ ٪ من السكان و هم على الغالب من فئات التيبو و الطوارق ..

* في المغرب، و في منطقة الصحراء الغربية التي يتركز فيها حوالي ٢ ٪ من السكان فقط، و التي تحوي ثروات من الفوسفات و البترول و الغاز، هناك أيضا دعوات إنفصالية و رغبات بالإستقلال عن البلد الأم ..

*في سلطنة عمان، و في منطقة هيماء التي يتركز فيها فقط ١ ٪ من السكان و هم من الشيعة، و التي تحوي ثروات من الغاز و النفط، تواجه الدولة هناك إحتجاجات و مطالب بالتطوير و التنمية و توفير فرص عمل أفضل للسكان ..

* في السعودية، و في المنطقة الشرقية منها بالتحديد، حيث يتركز حوالي ١١ ٪ من السكان، و هم من الشيعة، و التي تتركز فيها صناعات الغاز و النفط، أيضا و كما هو الحال في عمان، نجد هناك تململ و إحتجاجات و مطالب للدولة المركزية بمزيد من فرص العمل و تطوير و تنمية أفضل للمنطقة ..

* في السودان، ، في المنطقة الجنوبية الغنية بالنفط، يتركز حوالي ٢٤ ٪ من السكان و هم على الأغلب من المسيحيين و الأثنيات غير العربية، و يعتبر السودان من أغنى الدول العربية بالموارد الطبيعية تقريبا، و قد دعمت الدول الغربية و العالم المسيحية إنفصال هذا الجزء و إستقلاله بشكل كامل عام ٢٠١١، و بالرغم من ذلك لا السودان و لا جنوبه شهدا الأمن و الإستقرار و التطور و التنمية المنشودة، علما أن هناك مطالبات مناطقية أخري مدعومة غربيا لإستقطاع و إستقلال أجزاء أخرى من هذا البلد العربي المسلم ..

* سوريا، و ما أدراكم ما سوريا، و بعد حوالي ٧ سنوات من الحروب و المعارك و النزاعات الداخلية و التي ساهمت فيها العديد من الدول الكبرى و الدول المجاورة، و التي نأمل أن نري نهاية قريبة لها، نجد أن هناك منطقة الحسكة التي تتضمن ٧ ٪ من سكان البلدو غالبيتهم من الأكراد، و منطقة دير الزور و تحوي على حوالي ٦ ٪ من السكان و هم على الأغلب من القبائل العربية، فكلا المنطقتين غنيتان بالنفط، و نتيجة للصراعات و النزاعات التي أشرنا إليها آنفا، فأنها الآن بحكم المستقلة أو المنفصلة، و لا ندري ما ستؤول إليه الأمور لاحقا هناك ..

* و في تونس، هناك مدن أو مناطق، قفصة، تطاوين، قبلي و جزر قرقنة، و كلها تتضمن حوالي ٥ ٪ من السكان، و هي غنية بالفوسفات و النفط و الغاز، حيث نجد هناك بعض الإضطرابات و الإحتجاجات و مطالب بتنمية و تطوير أفضل و توفير مزيد من فرص العمل ..

* أخير، في اليمن، نجد منطقة حضرموت التي تمثل حوالي ٨ ٪ من السكان، و منطقة سبأ و هي تمثل ٦ ٪ من أهل اليمن، و كلاهما غنية بالنفط و الغاز، و سكانها ممن يعرفون بالحضارم، و نجد فيها نزاعات و إضطرابات و مطالبات شعبية بالإستقلال و الإنفصال، علما أن اليمن و للأسف الشديد لا زال يعاني من ضعف الحكومة المركزية و سيطرة ميليشيات الحوثيين الشيعية المدعومة من إيران على معظم المفاصل المهمة في الدولة، و التي لا زالت تنتظر الفرج من الداخل أو الخارج لإنهاء أزمتها، علما أن اليمن يصنف رسميا من بين الأفقر حول العالم ..

و يمكن تقسيم هذه الأمثلة بشكل عام إلى ثلاث مجموعات :

* احتجاجات / إضرابات / اعتصامات تركّز بالإجمال على مطالب لتحسين الظروف الاقتصادية الأقاليمية و تأمين فرص عمل و الحصول على مزيد من الموافقة المحلّية بالتنمية و التخفيف من التأثيرات البيئية السلبية ، و تضمّ هذه المجموعة : تونس ، الجزائر ، خوزستان ( إيران ) ، عُمان ، و المنطقة الشرقية ( المملكة العربية السعودية ) ..

* احتجاجات وتحرّكات سياسية لنيل تحكّم إقاليمي أكبر بالعائدات و لتحقيق استقلالية سياسية ، و تضمّ هذه المجموعة : البصرة في العراق، و حضرموت في اليمن ..

* تحرّكات سياسية، و في بعض الحالات، نزاعات مسلّحة لسيطرة أكبر على الموارد الطبيعية أو حتّى نزعات انفصالية ، و تضمّ هذه المجموعة : كردستان في العراق، الأراضي التي يسيطر عليها الأكراد في سوريا ، برقة في ليبيا، الصحراء الغربية ، و جنوب السودان ..

و تشير الدراسة إلى واحد من أهم الأسباب الجوهرية التي أوصلت الحال لما نراه اليوم، فتقول : ” و يعود الانحياز المناطقي في التنمية إلى الماضي الاستعماري الذي شهدته منطقة الشرق الأوسط و شمال أفريقيا، فقد خلّف فيها الاستعمار بيروقراطيات مركزية غدت فيها العاصمة مركزاً للساحة السياسية تسيطر عليها النُخب، و قد حافظت هذه البيروقراطيّات على المصالح الاستعمارية و لم تمثّل المصالح المحلّية كما يجب ، فانقسمت منطقة الشرق الأوسط و شمال أفريقيا بين ( مناطق مفيدة و مناطق غير مفيدة ) مع اقتصادات موجّهة بالإجمال لتأمين السلع و البضائع للعاصمة الاستعمارية ” ..

و عدا الجوانب التاريخية آنفة الذكر، تشير الدراسة إلي جوانب مهمة موضوعية تساعد في تفاقم الأوضاع و تدهورها في هذه الدول و المناطق، أهمها : “ في الواقع، تفتقر معظم دول الشرق الأوسط إلى الشفافية و نظام الضوابط و التوازنات التي قد تزيد من الثقة بين الدولة والمواطنين ، و قد أظهر استقصاء الميزانية المفتوحة للعام ٢٠١٠ أنّ منطقة الشرق الأوسط و شمال أفريقيا تسجّل المعدل الأقلّ في ما يتعلّق بشفافية الميزانية و المساءلة و أداء مؤسّسات المراقبة فيها، و لا عجب في أنّ نسبة الفساد مرتفعة، فقد سجّلت نسبة ٩٠ ٪ من البلدان في المنطقة علامةً تقلّ عن ٥٠، أي علامة راسبة فاشلة، في مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظّمة الشفافية الدولية ” ..

و يجهل المواطنون الكثير من التفاصيل المتعلّقة بالموارد التي يتمّ استخراجها و كمّية المال التي تكسبها الحكومة و كيفية توزيع هذه الأموال، مما يرسّخ قناعاتهم بإساءة الاستخدام و الإقصاء و التمييز، سواء أكانت الإيجابيات تبدو أنها تصبّ في مصلحة النخب أم بعض المناطق أو الطوائف أو القبائل القوية أو المناطق المُدنية ، و غالباً ما تبرز هذه الاعتقادات في المناطق الغنية بالموارد التي تتساءل حول تكاليف الارتباط بالدولة المركزية ، و لنا في تجربة العراق ما بعد الإحتلال نموذجا سيئا لا يمكن تجاهله، حيث باتت هذه الدولة الغنية مضربا للأمثال و التندر في مستوى الفساد المستشري في كافة مفاصلها تقريبا ..

و كما أشرنا في البداية، فقد أفرد التقرير قسما خاصا بالحال في العراق، بإعتبار هذه الدولة قد وصلت الآن إلى مرحلة الدولة الساقطة أو الفاشلة أو اللا نظام أو اللا دولة كما أفضل تسميتها، و ذلك في الجوانب الإدارية أو الإقتصادية و السياسية ، و بات العراق نموذجا يدرس في نوع و مستوى و حجم الفساد المستشري فيه، و مدى تأثير و فعل الدول و الأجنبية المسيطرة على الأحوال و الأوضاع هناك في إستشراء هذا الفساد و تدهور الأوضاع و معاناة المواطن طيلة السنوات الخمسة عشر المنصرمة أبان إحتلاله من قبل الإئتلاف الغربي العربي الأمريكي الصهيوني، دول عديدة تكالبت و تآمرت على هذا البلد تحت حجج واهية كاذبة، لتنتهي بهذا البلد و شعبه إلى ما نراه اليوم من وضع محزن مؤسف ..

يشير التقرير إلى أن نموذج تشاطر و تقسيم الموارد و العائدات العراقية يرتبط إرتباطا وثيقا مع النظام الإتحادي الذي تم إعتماده بموجب الدستور العراقي لعام ٢٠٠٥، بعد غزو أميركا و إحتلالها للعراق، و هذا النظام الإتحادي يعد شكلا من أشكال اللامركزية حيث يمنح سلطة كبيرة و حقوقا بالحكم الذاتي للسلطات في المناطق و الأقاليم، ، إلا أن ما إنتهى اليه الحال أن هذا النظام لا يعمل بشكل سليم و متجانس، مع وجود منطقة واحدة فقط تعمل بمفهوم الحكم الذاتي، و هي المنطقة الكردية في شمال العراق، و هي عمليا شبه مستقلة، على الرغم من إنها لا زالت تعتمد على الدولة من ناحية التمويل و بعض الجوانب الأخرى ، علما أن الدستور الحالي للعراق، و هو موضع إنتقاد و مساءلة حاليا، يعطي الحق لأقاليم و مناطق أخرى بالمطالبة بالحكم الذاتي أو الإستقلال الجزئي، لكن هذا لم يتم ترويجه و إعتماده لحد الآن ..

و يتألّف العراق اليوم من ١٩ محافظة، تقع أربعٌ منها في إقليم كردستان العراق المستقل جزئياً ، و تديره حكومة إقليم كردستان ، و يتمّ تشاطر العائدات من خلال ثلاث آليات أساسية : تحويلات برنامج التنمية الإقليمي ، التي بدأت في العام ٢٠١٠ ، و مخصّصات البترو دولار ، التي تمّ تشريعها في العام ٢٠١٠ و تنفيذها في العام ٢٠١١، و التحويلات الخاصة لحكومة إقليم كردستان ، و في العام ٢٠١٥ ، تمّ تخصيص ٣ مليارات دولار من الموازنة الوطنية عبر تحويلات برنامج التنمية الإقليمي، و ٣ مليارات دولار عبر مخصّصات البترو دولار، و ١٧ ٪ من الموازنة ، بعد التكاليف الاتحادية ، إلى حكومة إقليم كردستان ..

و بموجب سياسة صدرت عام ٢٠١٠ ، نصّت مخصصات البترو دولار على أن تحصل كلّ محافظة ، باستثناء حكومة إقليم كردستان ، على دولار واحد لكلّ برميل تنتجه أو تكرّره محلياً و دولار واحد لكلّ ١٥٠ متراً مكعباً من الغاز الذي تنتجه، و في تعديل جرى في العام ٢٠١٣ ، ارتفعت الحصّة إلى ٥ دولارات ، غير أنّ الحكومة عارضت هذا التعديل و لم تلتزم به ، في فترة من انخفاض أسعار النفط و نشوب أزمة مالية ، و يبين ذلك خطورة أن يتحوّل تخصيصٌ محلي ثابت إلى هدف للتفاوضات ، ففي العام ٢٠١٥ ، تراوحت تخصيصات البترو دولار زائد برنامج التنمية الأقاليمية من ٤٤٥ دولاراً في البصرة و ٢٣٩ دولاراً في كركوك للفرد الواحد إلى ما بين ٨٠ و ٩٠ دولاراً للفرد الواحد في المحافظات غير المنتِجة للنفط مثل مدينة النجف ، و في العام ٢٠١٦ ، كان مجموع المال المخصّص أقلّ بكثير بسبب انهيار أسعار النفط، فبلغ تريليون دينار عراقي ، حوالي ٨٥٩ مليون دولار، أو بمتوسّط ٢٦ دولاراً تقريباً لكلّ فرد في كلّ أنحاء العراق باستثناء حكومة إقليم كردستان ..

في العام ٢٠١٣ ، بدأت حكومة إقليم كردستان تصدّر النفط عبر أنابيبها الخاصة إلى تركيا بصورة مستقلّة عن الحكومة العراقية المركزية ، نتيجة لذلك، أوقِفت حصّتها من الموازنة الاتحادية ، غير أنّ إيراداتها من تصدير النفط كانت زهيدة مقارنة بالأموال التي كانت تنالها من الحكومة الاتحادية، مما أسفر عن أزمة مالية حادة ، و قد تعثرت عدّة محاولات لاحقة لإبرام صفقات لتشاطر العائدات، فيما يخصِّص مشروع الموازنة الاتحادية الأخير للعام ٢٠١٨ نسبة ١٢،٦ ٪ من الإنفاق بعد التكاليف السيادية لإقليم كردستان العراق مقابل أن تعيد حكومة الإقليم صلاحية تصدير النفط إلى الحكومة الاتحادية بالإضافة إلى غيرها من التنازلات ..

أما البصرة، ثغر العراق الباسم و التي يتابع العالم أخبارها و أزماتها مع العطش و الماء و التسمم، فلها قصة أخري مؤلمة و محزنة، و العراقيون لهم مثل جميل يطلقونه على من تجاوزه الوقت و الحال، هو ( بعد خراب البصرة )، و كما يبدو بعد خراب البصرة، حالها أصبح قاسيا و مؤلما و محزنا، و لا منفذ و لا منجى منه إلا بمزيد من الإستثمارات و الموارد و التخصيصات و المشاريع، لكن كيف يتم ذلك في دولة الفساد أو نظام اللا دولة، حيث لم نر أية مشاريع مهمة و لا خطط لبناء و تطوير البنية التحتية، سواء في البصرة أو غيرها من المدن و الأقاليم، منذ الإحتلال و حتى اليوم، إلا ما ندر ، على الرغم من أننا نسمع بل و هناك إثباتات و دلائل تشير و تؤكد أن المبلغ المقدر للفساد و التلاعب و السرقات من المال العام خلال الفترة منذ الإحتلال عام ٢٠٠٣ و حتى اليوم قد تجاوز الألف مليار دولار، فأين ذهبت هذه الأموال و كيف سرقت، و من سمح و أشرف و ساعد على ذلك ..

و قد اشتكت البصرة، المحاطة بمعظم المناطق المنتجة للنفط العراقي، من التخلّف الإنمائي و البنية التحتية الرديئة ، و يُظهر هذا الوضع أنّ التهميش لا يترافق بالضرورة مع الشكاوى الإثنية الطائفية نظراً إلى أنّ مشاكل البصرة استمرّت حتّى في ظلّ تتابع سلسلة من الحكومات بقيادة شيعية في بغداد بعد الاحتلال عام ٢٠٠٣ ، و قد برزت بين الحين والآخر محاولات في البصرة لتشكيل منطقة اتحادية مثل إقليم كردستان العراق في الأعوام ٢٠٠٦ و ٢٠٠٨ و ٢٠١٠ و ٢٠١٤ مثلاً ، و عبر المعلّق السياسي ( نبراس الكاظمي ) في العام ٢٠١١ في كلمات تصف خير وصف تحدّي المركزية المفرطة في العراق و في المنطقة بصورة عامة قائلاً : الدولة المركزية بشكلها الحالي، و بعد تسعين سنة من الخبرة و من اجتماع المال النفطي و السلطة في مكان واحد، هي وصفة مزمنة لتسلّط البعض على البعض الآخر، و ترقّب الانقلابات، و تفشّي البيروقراطية و الفساد، و صراع الطوائف و القوميات و الأحزاب، و خنق القطاع الخاص و إطلاق المغامرات عبر الحدود. واللامركزية قد تكون حائلاً و حلاً لكل هذه الآفات، و غيرها أيضاً ..

غير أنّ الحكومة المركزية عارضت بشدّة محاولة اعتماد نظام اتحادي في البصرة، إذ قال رئيس الوزراء العراقي السابق وقتئذ نوري المالكي : “ لن نسمح بقيام نظام اتحادي في المحافظات العراقية لأنّه سيكون سبباً في تمزيق البلاد” ، و الواقع أنّ حكومة بغداد لا يمكنها أن تقبل بفقدان سيطرتها على البصرة التي علاوة على أنّها تقدّم معظم نفط العراق ، و بالتالي عائداته ، تضمّ أيضاً الموانئ البحرية و طرقات تصدير النفط الوحيدة فيه ، لكن على أرض الواقع، لم يكن من المالكي إلا أن تجاهل بكل بساطة طلب مجلس محافظة البصرة بالقيام باستفتاء حول تشكيل منطقة اتحادية، مما يُعتبر انتهاكاً عمليا للدستور، لكن أي دستور و أي قانون و أي نظام يعمل في بلاد اللا نظام و اللا دولة ..

أخيرا، فهذا الموضوع مهم جدا، و لا بد لحكومات المنطقة الإنتباه جيدا لخطورته، فهو كالقنبلة الموقوتة التي قد تنفجر في أي وقت، خاصة في أوقات الأزمات و الشحة و الفقر، و يمكن إعتبار نموذج الإمارات العربية المتحدة في المنطقة من النماذج الواعدة و مثالاً مستقراً عن نظام اتحادي شديد اللامركزية تبسط بموجبه كلّ إمارة من الإمارات السبع سيادتها على مواردها الطبيعية، على الرغم من أنّ التفاوت المناطقي لا يزال واضحاً في البلاد و أنّ التحويلات من أبوظبي إلى الإمارات الأفقر كبيرة جدا ..

و خارج منطقة الشرق الأوسط و شمال أفريقيا، يعتمد عددٌ من البلدان الغنية بالموارد هيكليات اتحادية ناجحة، و لا سيّما الولايات المتحدة و كندا و البرازيل و أستراليا ،

و يحدّد الدستور و القانون مسائل مثل الحقّ في إصدار تراخيص للتنقيب عن الموارد، و حصّة العائدات بين الولاية / المقاطعة و المستوى الاتحادي، و الموافقات و التنظيمات حول البنية التحتية بين الولايات مثل أنابيب النفط و المعايير البيئية الدنيا و التحكّم بعمليات التصدير ..

المقال السابققداسة الغباء .. المشهد الأول
المقال التالىمحاصرة الاحتقانات الشعبية وتنفيسها موضعياً
غسان العسافي .. كاتب و باحث في الشؤون العربية و العراقية. حاصل على شهادة الماجستير في إدارة الأعمال.. خبير و إستشاري في التدريب و الإدارة ... عمل في العديد من المناصب و الوظائف الإدارية و الإستشارية في العديد من الشركات و الإدارات الحكومية في السعودية، قطر، اليمن، العراق، و نيوزيلاند. مقيم حاليا في ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد