محاصرة الاحتقانات الشعبية وتنفيسها موضعياً

 

ما يجري في عراق اليوم، يُدار بعقول خبيرة في فنون مصادرة الحقوق والحريات وأية فرصةٍ لتنظيم صفوف الفقراء الذين وقعوا بفخاخ الاستغلال بأبشع ألوانه. لقد تمّ أولاً تخريب التعليم وتشويه الخطاب الثقافي ومصادرة أية مضامين مؤداها منطق العقل العلمي. وبديلاً عن ذلك أشاعوا منطق الخرافة وضخوا فيه القدسية المزيفة…

ثمّ كان الإفقار والحرمان من الوظائف وفرص العمل المنتج ومصادر الدخل مع إهمالٍ، نشَرَ حالة العوز وانعدام توافر الحاجات المادية والروحية.. وربطوا إمكانات الحصول على أيّ شيء من ذلك، بعلاقة الخضوع لأوامر أحد زعماء أحزاب الطائفية المافيوية المفسدة؛ ليكون كلٌ له حصنه من ذاك الجمهور…

وحوّلوا، بتعطيل الصناعات جميعاً وتخريب الزراعة وتفشي الجفاف وصيَّروا الأرض الخصبة أرضاً بوراً يباباً، أقول حوَّلوا الاقتصاد إلى نموذج ريعي، ليكون مجرد بقرة حلوب، تدرّ عليهم حصصاً يتقاسمونها غنيمة؛ وبالتأكيد صار الإنسان العراقي (شيئاً) مثل كل الأشياء يُعامل سلعة تباع وتشترى فيدخل حصة في الغنيمة، فهذا جمهور المالكي وذاك جمهور الصدر أو الحكيم وكأنهم طابو ملكية أو ماركة مسجلة…

وبين الفقر المادي والفكري المعرفي لم يتبق للتنظميات (الديموقراطية) من فرصٍ مناسبة للتوعية والتثقيف و\أو تعبئة الجمهور في ضفة التنوير فجابهت ظروفاً معقدة جمة.. الخطير أن تلك التنظيمات ظلت ردحاً من زمن منذ 2003 تعاني من هزال تنظيماتها نتيجة الخروج من ضغط الطغيان والدكتاتورية إلى ظروف بلا داعم أو مؤازر أو ظروف مؤاتية كما عانت من تشظيها فضلا عن محاصرة وجودها الشعبي ومحاولاتها الانتشار بين جمهورها، جمهور الفقراء..

والأنكى أنها يوم وجدت فرصة التعافي وتوجهت لتوحيد الجهد جابهت اختراقاً نوعياً خطيراً شتَّت شملها ومزقها بانسحاب أبرز قواها من تحالفها النوعي الذي فرضته الظروف.. إذ لم يدُم تحالف (تقدم) سوى ومضة زمنية خاطفة وسرعان ما تفكك ليقضي على فرص الاشتغال من منبر آليات انتخابية يكون في ذاك المنبر جبهة مقابلة لجبهات الطائفيين الذين لم يكتفوا بتكريس سطوتهم بالميليشيات وبالمال السياسي الفاسد المنهوب من ثروات الناس، بل تمترسوا بخلق طبقة تدافع عن النظام هي طبقة (الكربتوقراط) أو اللصوص الحرامية كما يسميهم الشعب بخلاف طبقات الشعب التي تشوهت بتعطيل الاقتصاد وتخريبه وبنشر تقسيمات مصطنعة بتخندقات فوق الطبقات هي التخندقات الطائفية والعشائرية…

وهنا كان الشعب قد بات يكتوي بأعتى أشكال الاستغلال والحرمان ومقاصل التصفية بصيغ إبادة جماعية، مثلما تم تسليم رقاب الأيزيدية والمسيحيين والمندائيين طُعما لنيران التقتيل والاغتيال والتهجير القسري والحرمان من ممارسة ثقافاتهم الروحية وقيمهم وطقوسهم الدينية وإكراههم على تغيير الدين أو إحداث التغيير الديموغرافي حتى بمناطق ذات أغلبيات تتعارض وما يتسترون به من دواعٍ وأسباب.. وأخيرا وليس آخرا تسميم وديان الأنهر بعد أن شح الماء فيها ولم يبق في الوديان سوى ما يرسلونه عن عمد وإصرار من سموم في وديان مثل الكارون وآخر أيام كان حجم الضحايا قد وصل آلافاً من البصريين فضلا عن السرطنة والأمراض والأوبئة المميتة التي انتشرت بلا من يعلن عن الحقائق!

تلك هي الأرضية غير المباشرة لحجب فرص الثورة والتغيير السلمي.. أما الأسباب المباشرة فقد كان منها استخدام الغازات المسيلة للدموع والمياه الساخنة وطبعا بين منتهية الصلاحية لتعمد إلحاق الأضرار بالناس ومفاقمة إصاباتهم إضافة مواد مع المياه وبين استخدام الرصاص المطاطي بل والحي أيضاً، فإن الاعتقالات العشوائية وعمليات التعذيب وأخذ التعهدات وإكراه النشطاء عليها هي لعبة القمع المباشر…

لكن الأخطر في عمليات إخماد الثورة التي نضجت ظروفها جميعا، يقع في منطقة سرقة العقل المخطِّط الذي يمكنه قيادة الثورة وفصمه عن جمهوره.. وبسحب تلك القيادة بذرائع ومبررات لم تصمد مع أية مساءلة داخل التنظيمات ولا مع أي لقاء إعلامي حَاكَمَ أصحابها، فقدت الحركات الاحتجاجية فرص التنسيق من جهة والتوحيد من جهة أخرى؛ ما أدى إلى أن كل شرارة كانت تندلع في الآونة الأخيرة لا تعقبها أفعالٌ تتناسب والتطلعات…

ولعل انتفاضتي البصرة الأخيرتين نموذج واضح إذ أن المحافظات اكتفت بإرسال وفود (تضامنية) لرفع العتب ودفع الحرج وهو ما لم يقف عند حدود إضعاف الحراك بل انتقل به لمنطقة استقواء المرعوبين من حرامية السلطة الناهبة الفاسدة وولوجهم مناطق خطوط حمراء في قمع الانتفاضات كما وضع تلك الانتفاضات بمحدودية الهدف والشعار وضعفهما!

إن انسحاب قوة أو اثنتين من (تقدم) لم يُضعفه أو يعرقله بل مزقه تماما وقضى عليه كليا وأوقف مشروعه في التغيير فحصر فرص الحركة بين أيدي أنفار انحرطوا بلعبة تحالفات لا تمنحهم أية صلاحية أو قدرة على التاثير والإنجاز حتى بأفضل نياتهم الحسنة وبأعلى درجات الثقة بهم.

إن تلك السياسة أوقفت الاشتغال عند منطقة المسموح لهم مما يكيفه قادة النظام وهو بالتأكيد (مسموح) لا يتعارض مطلقا مع طابع النظام سواء بفلسفته المافيوية ام بآلياته القمعية التخريبية…

هنا ولمسافة ليست قصيرة، سيكون على الشعب بكانتوناته المُكرَه على الاشتغال بإطارها أي بكل محافظة وقضاء أو ناحية ومَن تتبع له وتخضع تلك التشكيلات الإدارية الكانتونية الوجود والعمل. وهذا الاشتغال صحيح أنه يأتي من ردود فعل قوية يخلقها حجم الاحتقانات العميقة الشاملة إلا أن الرد لا يمكنه أن يكون أبعد من حدود الكانتون ولا أبعد من محدودية الشعار بكثير من الأحيان.. فلا تنسيقيات بالمستوى الوطني ولا حتى بالمستوى المحلي بكل محافظة وتشكيل إداري هما مأسوران بالحتم لزعماء الحرب الطائفيين المافيويين..

وهذا الوضع الهزيل كان تزحزح حين تشكل تحالف تقدم ولكنه هذه المرة بات يعود للهزة الارتدادية التي أحدثها قرار الانسحاب من (تقدم) أو قرار تفكيكه والقضاء عليه لصالح الانخراط بتحالفات طائفية حيث نجم عن ذلك حالات انكسار واحباط وامتناع عن ولوج حراك غير محسوب العواقب بخلفيات احتمالات الاختراق والتجيير وعدم توافر فرص انتشاره وعدم الإيمان بإمكانات العمل بزعامات فردية أو لملمة ذات (تنظيم) ضعيف قليل الخبرة..

وهكذا فقدت الحركة الاحتجاجية قيادتها التنويرية، المعطلة، المصادرة ووقعت في حيص بيص إمكانات العمل بالمستوى الوطني.. ما عنى ويعني ضرورة إيجاد ركائز وقيادات او تنسيقيات جديدة مجربة يفرزها أو سيفرزها الميدان من دون قطع أمل إيجاد بدائل تستعيد بها قوى التنوير ((توحيد جهودها)) و ((تعميد استقلاليتها)) بدل تجييرها لمآرب منظومة قرر الشعب إنهاءها والشروع ببرامج بناء وتنمية بجوهر ومسمى التغيير…

إن من خطط للنظام الطائفي المافيوي واستيلاده هو ذاته الذي يخطط لإدامة وجوده وإعادة إنتاجه داعما قوى الخرافة وأمراض التخلف بتعزيز التحالف بين الطائفي و((الديني)) مرجعاً كهنوتياً مزيفا هو بحقيقته بيدقا ملعوبا به ويلعب أيضا بحدود إمكاناته واستغلاله الفرص بروح انتهازي شديد الأطماع والاستغلال…

وهذا الطرف سيمنح باستمرار إجازات وتراخيص للتظاهر المحدود الملتزم بتوجيهات التوصيف والتحديد والاشتراطات وسيترك حالات الانفجار في انتفاضات موضعية تسريبا أو تنفيسا للاحتقانات ولكنه بجميع الأحوال سيستخدم شديد القمع وأردأه في إنهاء الحركاتوبكل مرة سيجد تجربة وتمرينا مضافا في اكتساب الخبرات القمعية أو في توجيه ما يسميه مؤسسات أمنية بطريقة تتقاطع كليا ومصالح الشعب ومهام التغيير..

إن الفرصة قائمة للانسحاب من (درب الصد ما رد) ومعاودة النهج التنويري بخاصة في أوضاع لا تشي حسب بل تتحدث بفضائحية المنطق عن إعادة إنتاج نظام النفايات المافيوي.. وغذا كان برر للتحالف الأول بأنه يقصد الجمهور فبماذا يبرر إضافة مجموعات طائفية أخرى كان يسميها بالاسم أنها من أجنحة الطائفية والفساد وهي بحق كذلك؟ فكيف يمكن إقناع العقل العلمي والشعب أن معاناته ليست من تلك المجموعات المافيوية التي أنهت مشروعه وكل تطلعاته!؟

غير هذا وذاك لقد أُسقِط بيد كثير من التنويريين بقرار أسوأ من مستعجل أدار اتجاه أحزاب وحركات ومنظمات بحدود 180 درجة أي قبلها راسا على عقب وبدل أن تنتصر للفقراء بصمت بالعشرة على إعادة نظام استعبادهم وهذذا ما يجري اليوم بلا قشمريات امنحونا فرصة والمجرب تبين لنا يمكن أن يُجرَّب طول العمر وأن يلدغنا مئات المرات وبمجرد أن يعد بأنه صار وطنيا مع سخريته منا بإعلانه تمسكه بافسلام السياسي ظلامياته، بمجرد هذا الكلام يصير وطنيا ديموقراطيا ونصير نحن أتباعه فهو الزعيم ونحن الذيل!!!!!!؟

تلكم حكاية كان ومازال على الأقل حتى اللحظة إمكان أن نكون قوة (موحدة) و (مستقلة) للضغط أكثر كي يتراجع الطائفي واللص ويخشى من الغضبة الكبرى غضبة الثورة والتغيير.. ونتنكب سلاح الوعي وقيادة الحراك بمهمة التغيير كما تفرض الظروف والأوضاع..

إن وجود التنويري بتحالف موحد مستقل يمكنه من أداء دوره التحريكي القيادي وسط جمهوره والضغط على السلطة الطائفية وقواها وجذبهم باستثمار كل المنصات إلى الاستجابة لمطالب ولو بالتدريج لكن بفرصة عمل حرة وببرامج ذات أثر تجمع الجماهير وتوحد حراكها..

بخلافه فقد خدم ذاك القرار الكارثي إعادة إنتاج النظام ومسلسل القمع والاستغلال وتلكم ربما ستودي بالعراق دولة ووجودا ذا سيادة وشعبا موحدا لتضعه بكانتونات وتخندقات تهدد الأمن والسلم الإقليمي والدولي بعد أن تنتهي من الشعب وتحيله لما بات نسبيا موجودا بصيغة القطيع!

لكن الثقة بمداها البعيد لا تنعدم بل هي موجودة بقوة وسط الشعب الولَّاد المعطاء الممتلك إنتاج قادته إلى الحرية ومسيرة البناء والتنمية..

وللحديث بقية

لا تعليقات

اترك رد