الصوت في الفيلم الوثائقي


 

سيناريو الفيلم الوثائقي يختلف عن سيناريو الفيلم الروائي اختلافا كليا، فالفيلم الوثائقي هو تصوير الواقع، فيما الفيلم الروائي هو تمثيل الواقع، لذلك فالفيلم الروائي الذي يعتمد القصة والحكاية هو أسير المخرج، يتحكم قي بنائه وصياغته، فيما المخرج في الفيلم الوثائقي هو أسير الواقع لا يستطيع أن يتحكم فيه.كثيرا.
ولعل أهم صفة من صفات الفيلم الوثائقي الناجح هى (التلقائية). فكلما نجحنا في تصوير الفيلم الوثائقي بتلقائية وعفوية كلما حققنا نجاحا للفيلم ” وبشكل عام فان سيناريو الفيلم الوثائقي لا يمكن كتابته مسبقا بنفس الدقة التي يكتب بها الفيلم الروائي، ففي الفيلم الوثائقي، يكتب السيناريو الحقيقي بعد التصوير وقبل المونتاج.
وللأفلام الوثائقية اهمية خاصة في ترسيخ علاقة الثقافة بالواقع، الفن بالواقع، وعلاقة الفنان بالواقع. فالبلد والمؤسسات الثقافية التي تولي الأفلام الوثائقية اهمية خاصة وتباشر بإنتاجها فإنها ستصل بالضرورة الى انتاج افلام روائية ذات قيمة سياسية واجتماعية متطورة، لأنها استطاعت ان تفهم الواقع وتتعامل معه مباشرة وبصدق، وتكون قد رسخت علاقة فكرية وفنية بين الفنان والواقع من خلال كشف هذا الواقع ومعرفة ما يدور فيه امام عين المشاهد.
هناك نوعان من الافلام الوثائقية:
أولا – الافلام ذات القيمة الاعلامية: هذا النوع من الافلام هو اصلح للتليفزيون منه الى السينما، وتتم كتابة السيناريو له بشكل اقرب الى الصيغة النهائية قبل المونتاج، لأن منفذه ومخرجه يعرف مسبقا اماكن التصوير وطبيعتها، ويكاد يكون قد حدد مسبقا كل شيء، والمقابلات التى يجريها مع الأشخاص، وأحيانا الاسئلة التي يريد توجيهها لبعض الشخصيات من العمال والمزارعين والاداريين.. إلخ. وهنا يستطيع، وبناء على رؤية ميدانية، أن يحدد اللقطات، وحتى احجامها أحيانا. ويقوم بكتابة وبناء الموضوع لما يحقق الهدف الاعلامي المطلوب من تصوير هذا الفيلم.
ثانيا – الافلام ذات القيمة الثقافية: هذا النوع من الأفلام هدفه كشف الواقع، الواقع السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي. ويصعب في مثل هذه الافلام كتابة السيناريو مسبقا، انما تكتب الفكرة ويكتب تصور عام للبناء، فمخرج الفيلم الذي يكون عادة هو كاتب السيناريو، وليس
بالضرورة أن يكون هو صاحب الفكرة، عندما يذهب لتصوير واقع ما فإنه لا يعرف ما سيدور أمامه. أنه يحمل فكرة ما وتصورا ما وهدفا ما، ويتصرف ضمن هذا الهدف. وأحيانا يصور ما يدور أمامه وربما يستهلك لذلك كميات كبيرة من مادة الفيلم الخام من أجل ان يأخذ لقطة واحدة أو بضع لقطات لا تستغرق دقيقة واحدة.
وللفيلم الوثائقي غير الإعلامي، أي ذي القيمة الثقافية أهمية خاصة، فهو لا يستهدف التأثير على المشاهد بشكل يقرب من القسرية، انما يستهدف زيادة معرفته بحقيقة ما يدور ليساعده في
التوصل الى ايجاد الحلول والتفاعل مع الواقع. وفي الفترات النضالية تأتي اهمية هذا النوع من الافلام في كشف طبيعة العدو وفضح التناقضات والقمع والاستغلال ليسهم هذا الفيلم بقسط كبير في عملية التوعية السياسية. أما في فترات الاستقرار والبناء فإن هذا النوع من الافلام يعكس القيمة الانسانية، الثقافية، ويكشف في ذات الوقت مواقع الخلل في هذه المسيرة أو تلك.
فكيف نتعامل صوتيا مع الفيلم الوثائقي ؟
باعتبار الفيلم الوثائقي هو تصوير الواقع وبشكل مباشر فنحن مجبرون على ان نسجل الصوت مباشرة بما في ذلك المؤثرات، لأن أي تزييف في نقل الواقع على الشريط الحساس من صورة أو صوت انما يفقد مصداقية الفيلم الوثائقي، وهذا لا يعني ان الفيلم الوثائقي لا يمكن تزييفه، فإن مثله مثل الفيلم الروائي، فهو رهن بالانتماء الفكري لمخرج الفيلم وجهة الانتاج، ولكن ضمن هذا الانتماء أو ذلك فإن عامل الصوت يشكل اهمية في نقل قيمة الواقع وحقيقته على الشريط.
التعليق في الفيلم الوثائقي
هناك العديد من الأفلام التي تعتمد على التعليق في نقل المعلومات. ولكن للتعليق خطورته إذا لم يتقن كاتبه اسلوب التعليق على الشريط المرئي، فقد يحول الشريط السينمائي الى صوت اذاعي لا علاقة له بالصورة، فيسير خط الصورة، خط الصوت باتجاهين مختلفين تجعل المشاهد غير قادر على التركيز بصريا ولا سمعيا، كما ان طريقة أداء التعليق على شريط السينما تختلف تماما عن طريقة التعليق في الراديو. ويعتقد الكثيرين بأن قراءة التعليق تتم بنفس طريقة قراءة التعليق السياسي في الراديو، فالمعلق السياسي أو قارىء نشرة الاخبار يحتاج الى شد المستمع من خلال الصوت فقط، فيما ينبغي أن يتفاعل المعلق كتابة وأداء مع حقائق موضوعية عليه أن يساهم في ايضاحها وليس سرقة ما هو واضح عن طريق الأداء.
ولعل أفضل نموذج للتعليق في الفيلم الوثائقي هو فيلم (فاشية عادية) لميخائيل روم.
المقابلة في الفيلم الوثائقي
يعبر السينمائيون عن التعليق في الفيلم الوثائقي بأنه الصوت الذي يأتينا من خارج الفيلم، فيما المؤثرات الصوتية المباشرة أو المقابلة هي اصوات تأتينا من داخل الفيلم، ولذلك فإن تأثيرها يكون ابلغ من التعليق. ولكن بقدر ما تكون المقابلة هامة في الفيلم الوثائقي فإنها تبدو متعبة في كثير من الأحيان إذا لم يحسن استخدامها سواء في طبيعة الشخص المتحدث وشكله ونبرة صوته أو في طبيعة الموضوع الذي يتحدث فيه.
هناك افلام وثائقية تعتمد كلية على المقابلة وتسمى (افلام الريبورتاج)، وأيضا هناك افلام ذات قيمة سياسية أو اجتماعية أو ثقافية تدخل فيها المقابلة كعنصر من عناصر الفيلم التي تسهم في
ايضاح المضامين والافكار. وفي الحالتين ينبغي تحقيق التلقائية يبدو الفيلم واضحا في زيفه.
لا يجوز الاعداد مسبقا للمقابلة في الفيلم الوثائقي. لا يجوز الاتفاق مسبقا، والا فإن ذلك النوع من الأفلام حتى ذات الطبيعة الأعلامية فانها ستبدو للمشاهد أفلاما دوغماتية تضليلية.

لا تعليقات

اترك رد