إثيقا الصدمة* من النفي إلى العدمية


 

إثيقا الصدمة*
من النفي إلى العدمية
قراءة في تجربة الفنان مصطفى النافي

“الفن أعلى قيمة من الحقيقة، لأن الحقيقة والثبات وعدم التجديد تجر الفن إلى الهلاك” نيتشه

مصطفى النافي اسم على مسمى. سبق لي أن ربطت اسم “النافي” بفعل النفي، حيث بدا لي أن مقاربة “الما بين” L’entre-deux، كتيمة ناظمة لرؤية جمالية، جاءت مساوقة لنفي اللون نفيا قاطعا واكتفى الفنان خلالها بالاشتغال على اللون الأسود فقط. فعل النفي هذا قد يحيل على نوع من العدمية. وهنا ننتقل من سلوك إبداعي قد نحسبه متوقفا على المصادفة aléatoire، بينما الواقع الذي ينجلي من خلال نشاطات الفنان مصطفى النافي، خصوصا الأخيرة التي صدم بها جمهوره ومتتبعيه، يثبت عكس ما نتصوره. يثبت حالة من التشظي تلامس المسار الإبداعي برمته، والصدمة رغم صورتها السلبية كما تتجلى للمتلقي العادي، فهي في نظرنا حالة صحية، أكثر إيجابية، سيسجلها عليه التاريخ. إنها محطات من سيرورة تاريخ الحركة التشكيلية بالمغرب، يحاول من خلالها المبدع إزاحة منجزه عن سياق أسلوبية “المترسخ والثابت في الوعي الجمالي والفني” الذي أصبح مهيمنا بشكل يدعو إلى التأفف والنفور.

إن حركية الفنان مصطفى النافي تحمل في طياتها الكثير من القيم المرتبطة بالنفي والرفض والاحتجاج والبحث عن البديل، فهي حركية غير مستقرة على نهج واحد أو أسلوب بعينه، يتكرر دون أن ينجح في تغيير جبته. ويمكننا استكناه رمزية النفي والعدم من خلال العناوين/المواضيع التي يسِم بها معارضه: “الما بين” ثم “المكتمل وغير المكتمل” L’achevé et l’inachevé. يمكن أيضا، استجلاء ما أشير إليه من خلال النشاطات الموسومة بالرفض والاحتجاج، التي قام بها الفنان النافي، وأتمثل هنا بنشره أعماله أمام مدخل رواق باب الرواح بالرباط، وتأسيس النقابة الحرة للفنانين التشكيليين المغاربة، ثم الوقفة الاحتجاجية بمعية بعض المنضوين إلى النقابة، أمام مدخل وزارة الثقافة…والحوار مع وزير الثقافة ومع رئيس المؤسسة الوطنية للمتاحف، حيث قدمت النقابة ملفاتها المطلبية، دون أن تجد آذانا صاغية لما دونته أوراق تلك الملفات…

في إحدى تدويناته كتب الفنان مصطفى النافي: “بدأت بحرق أعمالي، لن أرسم ولن أنتمي للتشكيل بعد اليوم”.

لحد الساعة نرى أن الفنان مصطفى النافي لم يحرق كل أعماله، بل نجده يعلن في تدوينة أخرى أنه سيسلمها لأحد أصدقائه، وقد سلمها فعلا. إذاً، فهو لم يجرؤ على ارتكاب “جريمة” حرق في حق إبداعاته. ولن يفعل ذلك أبدا، لأن ليس في نيته الانعزال التام عن الفن.

يقول: “لن أرسم”… هو ليس رساما Dessinateur، بل تشكيليا Plasticien. وهنا بون شاسع بين الكلمتين سواء من الناحية اللغوية أو الاصطلاحية. هو لن يرسم لكن يمكنه أن يشكل ويركب كما كان يفعل دائما، إلا أن فعل التشكيل أوشك أن يصبح عنده في خبر كان، ليفسح المجال لمشاريع أخرى سيكشفها مستقبلا.

ونحن أمام فعل الحرق الذي أقدم عليه الفنان النافي، سنتساءل كما تساءل فلاسفة الجمال من قبل: هل يجوز للعمل الفني أن يمثل الفن والإبداع في غياب ماديته التي يصاغ بفعلها؟ “وهنا يمكن تلمس حالة الجدل كسمة رئيسة لفكر الحداثة وفنونها”.

هل يمكن اعتبار فعل الحرق فعلا حداثيا؟ وهل يمكن اعتمال الفعل ذاته عملا فنيا؟
كيف يمكن التوفيق بين شيء يتمتع بصفات ثابتة/زائلة (الأعراض)، “واعتماله” كعمل فني؟

قد نجد بعض الأجوبة لدى الفيلسوف نلسون غودمان Nelson Goodman (1906-1998)، إذ أن “الأعراض” التي يقصد بها الحمولة الرمزية والعناصر المميزة للعمل الفني، أي التشكيلية/الجمالية، لا تسمح فقط بتحديد ماهية العمل الفني وانتماءاته التاريخية، بل تلعب على قصد اعتماله. “إن نظرية الرموز قد سمحت لغودمان باستبدال السؤال الذي كان سائدا في الجمالية الكلاسيكية والمتمثل في “ما هو الفن؟”، بسؤال آخر وهو “متى يكون ثمة فن؟”. ونحن أمام فعل الحرق، كظاهرة ربما ستجد لها استمرارية مستقبلا لدى بعض الفنانين الثائرين على الوضع المتأزم الذي تعيشه الحركة التشكيلية بالمغرب، نلجم أنفسنا في طرح أسئلة أصبحت متجاوزة حول ماهية الفن، ولنقبل بتواضع، مستعينين بفكرنا النقدي سؤال غودمان: “متى يكون هناك فن؟”.

لا ننس أن العبارة القائلة: “يكون شيء ما عملا فنيا عندما يعتمل في أوقات معينة بصورة رمزية” لا تعطي سوى إجابات نسبية على الإشكاليات التي تعترض الجمالية الحديثة والتساؤلات التي تطرحها هذه الأخيرة والتي ستبقى تطرحها.

هل يمكن اعتبار فعل الحرق فعلا حداثيا؟
الجواب، نعم، بل يتجاوز الفعل الحداثي إلى سلوك ما بعد حداثي. “إن عملا ما لا يمكنه أن يصبح حديثا إلا إذا كان أولا ما بعد حداثيا. هكذا لن تكون النزعة ما بعد الحداثية هي النزعة الحداثية في نهايتها، لكن في حالة ولادة دائمة”. (ليوتار)

لقد تمثل هذا الفعل الأسس الثلاثة التي تنبني عليها الحداثة: الذاتية والعقلانية والعدمية.

فلقد أقدم الفنان على الحرق انطلاقا من ذاته، حيث لم يستشر “أحدا في قرار الذهاب إلى هناك ، هناك حيث لم يبقى سوى الرماد”، ولم يعر أي اهتمام لمعايير الموضوعية التي يمكن أن تجرها عليه الانتقادات أو السخرية والاستهزاء. وهذه صفة من صفات العمل الحداثي، عرفنا عليها تاريخ الفن على مدى حقبه وعصوره.

تصرف الفنان بعقلانية وتوازن، دون أي اختلال سلوكي. وكان لتصرفه دوافع وأسباب عكف البعض على تشخيصها بنسب متفاوتة.

حينما نشاهد فيديو الأعمال وهي تلتهبها النيران، نخرج بخلاصة أن “لا قيمة للقيم”، أي أن ما كان ثابتا وراسخا، أصبح (عدما)، لكنه عدما نتشويا، أو جزءا من “عدمية انتشائية” حسب تعبير نتشه نفسه، يسعى إلى التغيير ويرفع راية التجديد ويتدثر بلباس المغامرة، فهي عدمية إيجابية أكثر منها سلبية.

فالعدمية كما قال الشاعر الألماني جوتفريد بن (1886-1956)، “ليست مجرد بث اليأس والخضوع في نفوس الناس، بل مواجهة شجاعة وصريحة لحقائق الوجود”. فالعدمية تمثل “للتحول والحركية والصيرورة والانتقال والتطور، وهذا يشمل كل الأصعدة الإنسانية ومنها الفكرية والفنية، فتاريخ الإنسان هو تاريخ التحولات أو تاريخ العدم، إذا فهمنا المعنى فهما واعيا، ولذلك لا نستطيع فصل بنية الفن عن البنى المجاورة التي يعيش معها الفن أو يكون ناتجا عنها”.

هل هو عدم بدون كينونة؟
إن العدمية، حسب مارتن هيدجر، تهتم وتلتصق بالأشياء العابرة والزائلة وتنسى الكينونة، “أي القضية الأساسية للفكر البشري. ولكن لا يمكن التفكير بالوجود دون التفكير بالعدم، فهما متلازمان”.

فعلا أن عملية الحرق التي نفذها مصطفى النافي همت بالأساس ما هو عابر وزائل من الأشياء المحروقة، لكن أثرها سيكون أشد من الناحية النفسية والثقافية والجمالية والتاريخية. فما قام به الفنان خلق زوبعة من القيل والقال والكلام الموزون وعبارات التشجيع وجمل اليأس وألفاظ التهكم والسخرية. لقد كان وراء الفعل خطابات Des discours، وهذا هو الأهم، إذ به ستلج عملية الحرق عالم الفن المعاصر، فن ما بعد الحداثة، “الذي حاول بعدميته أن يستحدث مفاهيم جمالية وشكلية وخامات ومواد جديدة تصل بعضها إلى الاكتفاء بالتغريب وحده”. إنه حقا تعبير قاس عن تغريب معاش. “كم هو غريب المبدع في زمن النسيان … يخلق من دمه لونا ليرسم بسمة على وجهنا القبيح لكن من شدة قبحنا لانمده حتى بابتسامة تجعله ينتمي للجموع …؟” (الشاعر برحمة)

كتب الفنان في تدوينة عنونها “الصرخة الأخيرة”:
“كان بعضكم أيها التشكيليون ، قد رأى فيه (فعل الحرق) مثلما رأيت أمرا مشروعا، وصيغة نبيلة حضارية من صيغ الشكوى والاحتجاج والرفض (رغم قساوته) ، وذلك لما آل إليه التشكيل المغربي من فوضى ومحسوبية وإقصاء طال كل الفنانين الجادين وخصوصا الفئة التي تعيش من وعلى التشكيل ، وتعاني من غياب أبسط حقوقها في العيش الكريم. بينما انقبضت أنامل آخرين جُبْنا حتى عن النقر بمؤشر الفأرة كي يؤكدوا أنهم تلقوا النبأ الذي ورد عليهم عبر الفيسبوك.

وذهب آخرون بمخيلتهم الواسعة والجوفاء على أن صيغتي في الإحتجاج هي من باب البهرجة أو الإشهار، بينما سُخِرت أفواه مدفوعة كالعادة للسعي إلى جعل الحدث دون قيمة وتمييع دوافعه وأهدافه .

واستنكر الفنانون الشرفاء أن ينبري فنان من هامشه، ويُضَحي بفلذات أكباده من أجل جنس إبداعي يحتضر.

كانوا يعرفونه صامتا أبدا، تجرأ على المطالبة بحق لم يزعم يوما أنه يحتكره، بل جهر بأنه حق لجميع الفنانات والفنانين”.

إن أعمال الفن المعاصر يستحيل إعادة إنتاجها. فما خلفه الحرق وثقته الصورة الثابتة والمتحركة في آن واحد، رغم أن قيمة حقيقة الصورة لا تصل إلى حقيقة الأصل، كما وضح ذلك الفيلسوف والتر بنيامين.

إن الحدث سيتنقل عن طريق الحكي. فاعتماد السرد والخطاب المروي والمحكي يتبع إمكانية مد وتوسيع مجال العمل الفني إلى ما وراء الموضوع. فعيانية الموضوع


وماديته فقدت أصلا، وجودها وأهميتها مع فنون ما بعد الحداثة (فن الإنشاء، والفن المفاهيمي وفن الأداء…)، وأصبح الحكي يحمل مكانة أساسية في الفن المعاصر ويرتبط بإحدى خصائصه الجوهرية، ألا وهي خرق القواعد والمعايير.

إن ما قام به الفنان مصطفى النافي يمكن إدراجه تحت لواء فن الأداء Performance، القائم على مجموعة من الحركات أمام الجمهور. فأول ما أقدم عليه أنه استدعى شريحة من المهتمين لمعاينة حركته الفنية. شخصيا أعتبرها فنية وتتصدر أوائل سطور سيرته…

هوامش:
*استعرت المفهوم عن بنيامين، حينما تحدث عن فقدان هالة العمل الفني للفريق بسبب تدخلات تقنيات الاستنساخ. للمزيد يرجى الاطلاع على: مقالات مختارة -فالتر بنيامين -تقديم راينير روشليتز -أزمنة للنشر والتوزيع -عمّان -2007
* ثائر سامي هاشم المشهداني: المفاهيم الفكرية والجمالية لتوظيف الخامات في فن ما بعد الحداثة، أطروحة دكتوراه غير منشورة، كلية التربية الفنية، جامعة بابل 2003
* مندر فاضل الدليمي، العدمية في رسم ما بعد الحداثة، دار الصفاء للنشر والتوزيع، عمان، 2011
* جان فرانسوا ليوتار، في معنى ما بعد الحداثة، نصوص في الفلسفة والفن. ط. 1، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء 2016

لا تعليقات

اترك رد