التكريم في ظروف عصيبة

 

قبل سنتين ، بينما كان عدد من الطبيبات و الأطباء يجرون عملية قيصرية لتوليد سيدة في مستشفى اليرموك في بغداد بعد منتصف الليل انقطع التيار الكهربائي بالتزامن مع حريق اندلع في قسم النساء بالمستشفى . و لتفادي انفجار الأوكسجين قام الدفاع المدني برفع أنبوب ال ( endotracheal tube) وهو ما يعني موتاً محققاً للسيدة و جنينها وهي تخضع للتخدير الكلي . الأطباء بذلوا مجهوداً استثنائياً لإنقاذ السيدة رافضين مغادرة صالة الولادة رغم المخاطر التي تهددت حياتهم ، استخدموا أضوية تلفوناتهم النقالة لإتمام العملية في حين استخدم طبيب التخدير جهازاً يدوياً لضخ الأوكسجين إلى رئة السيدة لإنقاذها .

الحريق أودى بحياة 12 طفلاً خديجاً و إصابة 29 امرأة و تسبب بخسائر مادية جسيمة و سرب بعض العاملين في المستشفى قصصاً عن سرقة عدد من الأطفال وعلى الفور قالت السلطات إن الحريق وقع نتيجة تماس كهربائي ، لكن تحقيقاً جنائياً أظهر أن الحريق كان فعلاً جنائياً وان الفاعل استخدم مادة سريعة الاشتعال دون توجيه التهمة لجهة بعينها ، المتحدث باسم الوزارة أكد أيضاً أن الحريق كان متعمداً مناقضاً نظرية التماس الكهربائي أما وزير الصحة و البيئة عديلة حمود فقد كتبت استقالتها في لقاء تلفزيوني بث على الهواء وقالت ان استقالتها ستكون نافذة إذا ثبت ان الحريق نشب بسبب تقصير وزارتها . و يبدو أنها كانت واثقة من خلو وزارتها من المسؤولية حيث تبين فيما بعد أن المستشفى التي تتبع دائرة صحة الكرخ سبق و أن فكت ارتباطها بالوزارة لتلتحق بمجلس محافظة بغداد الأمر الذي مكن الوزير من الإستمرار بالقيام بأعمالها إلى اليوم . لكن لماذا تتبع دائرة صحة الكرخ لمجلس المحافظة بدلاً من وزارة الصحة و متى حدث ذلك ولماذا وافقت الوزارة عليه و هل يشكل هذا الإجراء صفقة قد تكون بداية لظاهرة إدارية و مالية خطيرة قد تنتشر إلى وزارات أخرى و الأهم من هذا و ذاك أن ذوي الضحايا يريدون القصاص من الجاني و المتسبب سواء كان الجاني وزارة أم محافظة ، لكن شيئاً من ذلك لم يحدث . ما حدث أن وفداً من رجال الدين زار وزيرالصحة بعد الحادث مباشرة لتكريمها و إبداء الدعم ” في هذه الظروف العصيبة ” على حد وصف رئيس الوفد .

حادث مستشفى اليرموك و زيارة الوفد الديني كان في آب عام 2016
في آب 2018 وفد من رجال الدين يمثل المرجعية الدينية في النجف زار وزير الصحة و البيئة من جديد لتكريمها و إبداء الدعم ” في هذه الظروف العصيبة ” أيضاً و قدم لها علماً أحمراً كبيراً . ظروف الوزارة هذه المرة أصبحت عصيبة بعد أنباء عن تسجيل 17000 إصابة بالمغص المعوي و الإسهال في البصرة خلال إسبوعين كشف عنها مدير صحة البصرة و نفتها الوزير خلال مؤتمر صحفي عقدته في ديوان محافظة البصرة ونفت تسجيل أية وفيات و قالت أن كل ما في الأمر ” مغص و إسهال ” لم تتجاوز 1500 حالة ( ! ) و قالت أن 8% فقط من الحالات التي دخلت المؤسسات الصحية أشرت اصابات بالبكتريا المسببة للاسهال منها بكتريا الكوليرا وأن هناك متابعة مستمرة مع مديريات الماء والمجاري و مديرية البيئة في المحافظة . تصريحاتها بشأن الوضع الصحي و البيئي للبصرة ألهبت الشارع العراقي عموماً و البصري خصوصاً لأنها تتناقض لا مع شهادة مدير صحة المحافظة فقط بل و مع آلاف المقاطع التي صورها أهالي المدينة و زوارها من متطوعي الأعظمية و الفلوجة و الأنبار و أربيل و السليمانية و الموصل الذين هرعوا لواجب دعاهم في أكبر عملية نقل مياه الشرب يقوم بها متطوعون لا داعم لهم غير دعوات العطاشى و دموع الأطفال و بعض أهل الخير من محافظاتهم ، و عرضت مقاطع نوعيات من المياه التي تضخ في صنابير البصريين تعف حتى الحيوانات عن استخدامها .

ظروف وزارة الصحة و البيئة العصيبة إذن ناجمة هذه المرة عن الوضع الصحي و البيئي المزري الذي تعيشه البصرة و حالات التسمم و الوفيات الكثيرة و الأنباء الواردة عن إصابات بأمراض وبائية و نفوق أعداد كبيرة من الأسماك ، و لا أدري إن كانت جهة أخرى قد سارعت لتكريم الوزير و تقديم الدعم لها عند مرورها بظروف عصيبة في أعقاب الضجة التي أثيرت حول عقد أبرمته الوزارة مع شركة برتغالية لشراء 26 ألف نعال طبي بقيمة 27 دولارا للنعال الواحد. لكني سمعت أغنية متلفزة تناقلتها مواقع التواصل الإجتماعي و يبدو أنها ( مدعومة ) نظراً للقنيات المكلفة التي استخدمتها ، تقول كلماتها

عديله يا عديله
جرح شديتي حيله
الوطن كَلبه دليله …الخ

تكريم وزراء و زعماء أحزاب و قادة ميليشيات بأغان و مقالات ألكترونية عند مرورهم ب ” ظروف عصيبة ” هي الأخرى ظاهرة تستحق التأمل منها ما يدخل ضمن نشاط ما بات يعرف بالذباب الألكتروني . ناشطوا الذباب و البعوض و القمل الالكتروني أيضاً كان لهم دور في السخرية من آلام شعبهم إنتصاراً للسلطة و أحزابها إذ نشر بعضهم في نفس اليوم الذي وردت فيه أنباء عن وفاة 13 مواطناً بصرياً بسبب تناولهم أسماكاً اصطيدت من مياه ملوثة يصف غليان البصرة و تظاهراتها الصاخبة بالفقاعة و أن أهل البصرة لديهم مناعة ضد الأمراض بدليل عبورهم الحدود المجاورة كل يوم ببطاقة الهوية بأعداد كبيرة من أجل السياحة الجنسية .

هكذا يكون التكريم .

أما الأطباء الذين تحدوا الموت حرقاً أو اختناقاً لإنقاذ سيدة تلد مع جنينها ، و بالتأكيد عاملون شرفاء و ممرضات خافرات عملوا ما بوسعهم لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في تلك الليلة ..

أما المتطوعون و الجنود المجهولون الذين ينقلون الماء من جبال شمالنا الحبيب مروراً بأهل الغيرة من الشرفاء في وسط و غرب العراق إلى جنوبه فلا حظ لهم بالتكريم و لا أغنية تؤلف و تلحن من أجلهم و لا رجل دين يذكرهم بخير و لا راية ترفرف فوق رؤوسهم ، حمراء أو بيضاء أو سوداء غير راية الوطن العزيز . و حسبهم لو سلموا من لدغات البعوض الألكتروني .

المقال السابقإثيقا الصدمة* من النفي إلى العدمية
المقال التالىمصاريف الدخول المدرسي
عماد عبود عباس كاتب عراقي عضو عامل في نقابة الصحفيين العراقيين 1974 وعضو اتحاد الصحفيين العرب و الاتحاد الدولي للصحافة İFJ اكمل دراسته في جامعة سراييفو في يوغسلافيا السابقة عمل في مجال الاعلام مدير تحرير و مذيعا و منتج برامج، يكتب العمود الصحفي و المقالة في عدد من الصحف و المواقع الالكترونية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد