سقوط الأيديولوجيات وسيادة البراجماتية

 

رغم أنني لاأؤمن بسقوط الأيديولوجيات لإيماني التام بأهمية القيم والمبادئ في حياة الإنسان بغض النظر عن مصدر هذه القيم والمبادئ سواء كانت مستمدة من الأديان أم من العقود الإجتماعية التي توصل لها الناس خلال التجارب العملية والبحث المضني والإحتكاكات البشرية.

تسببت فكرة سقوط الأيديولوجيات في سيادة نهج براجماتي نفعي في عالم السياسة سواء في السياسات الداخلية التي تحكم البلاد أم في السياسات الخارجية التي تحكم علاقات الدول مع بعضها‘ ولم تسلم من أدواء هذه السياسة البراجماتية حتى الدول التي إدعت أنها تطبق سياسة ذات مرجعية دينية حيث يسود النهج البراجماتي الذي يقدم مصلحة المتحكمين في السلطة على حساب مصالح الوطن والمواطنين‘ بل وعلى المقاصد الفاضلة للدين.

تسبب نهج السياسة البراجماتية في تراجع النشاط السياسي والفكري لتحل محله نزعات إثنية وجهوية ومذهبية أضعفت البناء المجتمعي‘ الأمر الذي أجج النزاعات والحروب داخل الدول نفسها‘ وبينها وبين الدول المحيطة.

كما أن سيطرة القطبية الأحادية التي جسدتها سياسة الولايات المتحدة الأمريكية فاقمت من سطوة النهج البراجماتي النفعي الذي أثر على الحراك السياسي والمجتمعي بعد إختلت الموازين والقيم التي كانت تحكم العالم في تنافسية إيجابية كانت تسهم في تطور وتقدم الدول والشعوب .

هذا الاضطراب الإقليمي والدولي ظهر بصورة سافرة في التحولات الدراماتيكية للدول والحكومات والقوى السياسية التي أصبحت تتأرجح في علاقاتها الدولية حسب مصالحها بدلاً من الإحتكام إلى المبادئ والقيم والأخلاقيات التي كان التنافس عليها يسهم في نماء وتقدم البشرية جمعاء.

حتى ظاهرة إنتشار جماعات الغلو والعنف وكراهية الاخر وعدم التعايش معه التي تقوت أيام حربها ضد الإتحاد السوفيتي بمساندة ودعم لوجستي من الولايات المتحدة الامريكية خرجت من قمقمها وأصبحت عصية على التحكم‘ حتى من قبل الذين أووها وأسهموا في بناء قوتها المادية.

هذا خلف أيضاً ربكة سياسية ليست بعيدة عن سيادة نهج البراجماتية‘ ناجمة عن الموقف من الديمقراطية نتيجة أخطاء بعض الحكام وتطبيقاتهم الشائهة لما اعتبروه إنتصاراً للديمقراطية‘ وإستمرار غلبة سياسة تقديم المصالح على مصالح الدول والشعوب‘ الأمر الذي زاد من بؤر التوتر في عالمنا الشرق أوسطي الموبوء بالنزاعات والحروب المفتعلة بفضل تسلط الحكام في الداخل والحماية المباشرة وغير المباشرة لنظم الحكم السائدة في ظل سيادة السياسة البراجماتية التي لايعنيها إستقرار وسلام الشعوب بقدر ما يهمها تحقيق مصالحها وحمايتها.

لا تعليقات

اترك رد