محمود حسو يكثف المسارات ،، بنقاط الإستهلال


 

محمود حسو ( 1972 ) فنان تشكيلي كردي من مدينة الحسكة ، تعود معرفتي به إلى أواسط الثمانينات ، و دائماً كنت أقول عنه بأن موهبته الفنية تسبقه ، و تكبره ، و كان له حضور فني جميل في المناسبات التي كانت تقام خلف الجدران و بعيداً عن الضوء العام المعلن ، و ما زالت إحدى لوحاته التي تعود لتلك الفترة تزين أحد الجدران الطينية للبيت الذي كبرت فيه ، كان نشيطاً منذ خطواته الأولى ، و أنعش هذه الموهبة و سقاها حين انتسب إلى كلية الفنون الجميلة بدمشق ليتخرج منها عام ( 1997) مشكلاً لنفسه نهرا عذباً يتدفق من بين أصابعه و أحاسيسه نحو أمكنة ستنبض به حيث حل .

عمل حسو متعدد التجليات ، لا يتحدد بمعطىيات عامة ، بل يندرج وقعها ضمن فعل تأويلي مجنح ، حيث الحركة فيه هي التي تقود الحالة و لهذا فكل محاولاته الذاتية في جعل اللون مصدراً لإنتاج الدلالات كانت لا بد أن تمنحه مساراً مفتوحاً لا علاقة له بالنهايات ، مساراً مكثفاً بنقاط الإستهلال و التي ستتحول فيما بعد إلى مسارات داخل المسار نفسه ، فحسو يشغل ذاكرته المفتوحة كعمله المفتوح بالوصول إلى سيرورته الإفتراضية في قوتها التأويلية ، يشغلها بإعتبارها مرجعية لا يستعصي عليها إستعاب الفصول الأربعة في فصل واحد ، و هو المبدأ الذي يشترطه حسو لنفسه لمعالجة الوقائع الجمالية و التي تستدعي سلسلة من العوالم اللامرئية و إحالتها كعلامات بصرية عابرة للجهات كلها .

و رغم الذات المدركة عند حسو و التي يمكن القول عنها بأنها أسرار داخل أسواره بوصفه أحد أهم محفزات الذاكرة في بناء قصديتها نحو بزوغ موجوداتها ، أقول رغم الذات المدركة عنده إلا أن النسق و تنظيمه في تجريدياته يوحيان بالغنى و التنوع وبمعالم تتصل بفضاءات ترسي لنا مداخل لقراءات مشيدة على إحالاته البصرية و ما ستلتقطه لنا آليات الكشف من المآثر و الوقائع ، فلا سبيل هنا إلا التقصي أولاً ثم الإحاطة بتمثلاته و إختزالها لتحرير العين منها و من إنسيابيتها ، و بالتالي تبسيط التجريد مع الإحتفاظ بقوته الدلالية ، و بقدرته الإدراكية .


و قد كان الإنتماء الجوهري لحسو لمرحلة داخل مرحلة ، مرحلة تلخص الحضور الذاتي حيث كينونة اللحظة و هي تتداخل بحركة لولبية مع إدراكه في المقام الأول ، أعني أن حسو يفترض المحسوس و يذهب إلى اللامحسوس أو على العكس يفترض اللامحسوس و يذهب إلى المحسوس ، وسيلته في ذلك تجريديته الغارقة بخطوتها في التشابهات و الإختلافات عن طريق إضفاء قيم أو ما يمكن أن نسميه بالتناقض الذاتي الجميل ، فهو مهيأ جداً للتصدي لقضايا معينة و ذلك بعزلها مع إبراز المشاعر و المواقف التي من الممكن أن تحيل تجريدياته تلك إلى غيوم لونية تتقن الهطول بلغة تكتنفها الكثير من التمايز و الكثير من مقاصد الفنان ذاته .

حسو يفسح المجال جيداً لمشاعره الكثيرة و هي التي تشعل عمله بألوان حزينة و مفرحة تبعاً للنبع المتدفق ، فالحساسية الفائقة لديه يجعله يعيش الحالة كهديل حمامة في قلب عاشق ، و يجعل عمله زاخراً بنسيج من المسافات التي هي بالتالي لا نهايات لبدايات مكتظة بهالات من النصوص المضمنة و بنمنمات من التأويلات التي تلعب دوراً مهماً في توظيف مقاطع مرتبطة بفلسفة اللون المستمدة من روح خالقها و هي مجرد عناوين لتكثيف خطابه التشكيلي الذي يتجاذبه التكرار مع التفاعل المقنن و المتواتر بين مفاصل بحيراته الآخذة بالتمايز نحو منحى لمعالم ستظهر تدريجياً في إسترسالياته والتي ستتوق لمتغيرات بها يضيء أبعاده و تكاملها ، هذا من باب حكايته التي يرويها في مستوى بناء مقاطع لونية مع إنخراطه في تقطيع الزمن بإتقان الحالم ، و هذا ما يوقظ المتلقي و يحفزه للغوص في إنفعالاته و إستعابها و اللجوء بصوت منبثق ، متقطع إلى مشهده و هو يعيد إنتاج ذاته .


محاولات حسو الكثيرة في نفخ الروح لمقاماته اللونية المختلفة تأخذه بتعبيرية تجريدية عذبة نحو غابات قزحية تخصه هو ، فيها تسمع كل المعزوفات المعبرة عن أحاسيسه و المنتشرة في مجمل أنحاء منتجه و تدفعه نحو فضاءات تشكيلية جديدة ، فضاءات فيها يكتشف مفردات جديدة ، أشكال جديدة ، ألوان جديدة بإيقاعات جديدة لا حدود لها بالإعتماد على الحركة التصاعدية للون ذاته و هو يتنامى بين مفاهيم تحولاته من مرحلة الصمت إلى مرحلة التأويل ، حيث الأوضاع القائمة بينهما يحمل حسو
إلى تكريس الحالة بهدوئها و بعبثيتها ، بمصالحتها و بتأزيمها ، فبث هذا التناقض المتصالح لا المتنافر في مسافاته يمكنه بالضرورة على التوخي في إعادة إمتداداته بنغمة المتقطع ، يمكنه بالضرورة على التمايز حتى في إخراج النور من العدم .
و يذكر أن حسو من الأسماء المهمة التي يتم تداولها في الحركة التشكيلية السورية ، و بفاعلية لا سواحل لها ، فهو يجمع بين مقولات الممكن التي يحملها مع أبناء جيله و آفاقهم و بين مقولات اللاممكن التي يعزف عليها سيمفونيته بحساسية جديدة .

 

لا تعليقات

اترك رد