لباقة

 

اللباقة فن من فنون الحياة نتعلمها في البيت وفي الصفوف الأولى في المدرسة مع أول رسم للحرف أو تزيين للصف أو احترام للأهل وهي الغذاء الروحي الذي يرافق حياتنا منذ تتفتح عيوننا على ابتسامة الأم في المهد . واللباقة فطرة إنسانية ينفطر الإنسان عليها ويزيدها التعلم كياسة وسعة وجمالا ، واللباقة حاليا أحدى الفنون الرئيسية في علوم البرمجة اللغوية العصبية يتم تلقينها للناس وتهذيب سلوكهم وتشذيب تصرفاتهم . وما الدروس التي نرويها هنا إلا محاولة في رأب الصدع في بعض تصرفاتنا إذ تشمل اللباقة الكلمة والابتسامة والرسم والسلوك والتواصل الاجتماعي .
يحكى أنه في يوم من الأيام ، كان هناك رجل غني جدا عجوز وبخيل ، وكما هي الحال مع كل الأغنياء كان لديه العديد من العلاقات التي لم تتركه وحيدا.
في عيد الميلاد كانوا يتجمعون حوله ويمطروه بالهدايا الكثيرة على أمل أن يعوضهم عن كرمهم في يوم من الأيام .
كانوا يحضرون له هدايا تتناسب مع تقدمه في العمر : وسادة مريحة مناسبة لأمراض الروماتيزم ، قاعدة مريحة لقدميه  ، جرس يدوي صغير لطلب المساعدة في حال وجود عارض مفاجئ  ، كتاب صلوات يقربه من الحياة الروحية وقلم حبر للكتابة في حال أحب تدوين شيء يخص الحياة الدنيوية أو رغب في كتابة وصية  لصالحهم .
لكن كل تلك الهدايا  زادته تمسكا بالحياة والبخل وأضافت المزيد لكراهيته للناس وعلاقاته القليلة معهم .
في ليلة عيد الميلاد ، عاد أحد أقربائه الحاسدين من إقامة مؤقتة في الخارج ونظرا لعدم وجود مكان محدد يقضي به إجازته قرر زيارة الرجل العجوز . نسي هذا الشاب كل تقاليد العائلة في تقديم الهدايا عند الزيارة ولم يتذكر أي شيء حولها إلا أثناء وجوده في القطار وتذكر أيضا أن الوقت صار متأخرا ولا يستطيع شراء أي شيء. لا شيء يهم . بدأ في تفحص بعض الرسائل التي أحضرها معه لقراءتها أثناء
الرحلة وحيث أنه كان معروفا بين أصدقائه فقد احتفظ ببعض الذكريات الصغيرة منهم  ومن بين تلك الذكريات اكتشف شيئا ما يمكن أن يؤد المهمة.
عند وصوله وجد الحشود المشغولة في تقديم الهدايا المعتادة إلى العجوز الممتعض دوما . خاطب العجوز بسرور قائلا : عماه ! أنت تبدو أكثر شبابا بسنوات من الزيارة التي رأيتك فيها آخر مرة . أحضرت لك تذكارا جميلا  صغيرا ليس له قيمة لكنني أعتقد  ، وهذا  أملي، أنه سيكون ذا فائدة كبيرة لك .
عقد العم العجوز حاجبيه وأخذ المغلف . وعندما فتحه  ، انفرجت أساريره  وعانق ابن أخيه الحسود  بحب وحنان لدرجة أن الأقرباء الآخرين  تراجعوا قليلا عند رؤية المشهد والدهشة والغضب يملأن قلوبهم .
كانت الهدية تقويما سنويا لمدة عشر سنوات تالية .
وبكل تأكيد أنتم مستعدون لسماع خبر أن الرجل العجوز البخيل غيّر وصيته وكتب أخرى جديدة تاركا كل ثروته لابن أخيه اللبق الحسود.
وهذا ما فعله . لكن يجب أن تتذكروا أن الرجل العجوز البخيل  كان يكره الإسراف بشدة وحتى لا تضيع أيام التقويم سدى ، حرص على الاستمتاع بالعشرة سنوات حتى أخر يوم لكن قبل انقضاء المدة لسوء الحظ توفي ابن أخيه بسبب شدة الإسراف على الملذات.
و يروى أن ملكاً من الملوك حلم ذات يوم بأن أسنانه كلها تساقطت ، فانزعج واستدعى مفسراً الأحلام ، فقال المفسر إن جميع أقربائك يموتون قبلك . ولما سمع الملك ذلك قتله ، ثم أحضر مفسراً آخر وأخبره بمثل ما أخبره فقتله الملك أيضاً ، ثم أحضر مفسراً ثالثاً ، فقال له إن تفسير رؤيتك يا جلالة الملك إنك أطول أقربائك عمراً إن شاء الله ، فأمر له الملك بجائزة مع العلم أن مضمون الآراء الثلاثة واحد، وكان هذا نتيجة للباقة المفسر الثالث في الحديث .
وقال الأصمعي : كنت عند أمير المؤمنين الرشيد ، إذ دخل رجل ومعه جارية للبيع فتأملها الرشيد ثم قال : خذ جاريتك فلولا كلف في وجهها وخنس في أنفها لاشتريتها. فانطلق بها فلما بلغت الستر قالت يا أمير المؤمنين عدت إليك أنشدك بيتين حضراني فأنشأت تقول:
ما سلم الظبي على حسنـه ****** كلا ولا البدر الذي يوصف
الظبي فيـه خنـس بيـن****** والبدر فيه كلـف يعـرف
فأعجبته بلاغتها فاشتراها وقرب منزلتها وكانت أقرب جواريه له.
و يحكى أن أسدا وذئبا وثعلبا خرجوا للصيد فاصطادوا حمارا وظبيا وأرنبا، جلسوا بعد عناء ليستريحوا ويقتسموا ، قال الأسد للذئب : قم يا أبا خميس لتقسم الصيد بيننا ، فقال الذئب : يا سيدي الملك إن الموضوع لا يحتاج إلى معرفة ، فالحمار لك والظبي لي والأرنب للثعلب ، غضب الأسد لهذه القسمة فضرب الذئب بيدة ألقاه بعيدا ممدا على الأرض ثم قال الأسد للثعلب : ماذا ترى يا أبا الحصين ؟ قال الثعلب ، وهل يحتاج الأمر إلى علم ؟ الحمار لغدائك ، والظبي لعشائك ، والأرنب لما بين ذلك . ارتاح الأسد لهذه القسمة فسأل الثعلب ، من أين تعلمت حسن الكلام ، قال الثعلب ، من هذا الملقى أمامي ، مشيرا إلى الذئب.
وتمتلئ قصص ألف ليلة وليلة وقصص ابن ايسوب الحكيم وترجمات ابن المقفع بمئات القصص حول اللباقة وحسن التصرف في المأكل والمشرب والسلوك .
ويبدو أن غرورنا اليوم وحياتنا المصطنعة أفقدتنا الكثير مما ورثناه عن الأجداد من حكمة وموعظة حسنة واخترنا لأنفسنا الجانب الرديء من البلاغة .
أليس كذلك ؟

لا تعليقات

اترك رد