صناعة التغير – المواطن –

 

من هو المواطن؟ انه سؤال قصير و لكن الجواب عنه يمكن أن يكتب عنه مجلدات ضخمة و عديدة.

قبل أن نتحدث عن المواطن، يجب ان نتحدث عن امر هام، ألا وهو “أوجه الواقع”. فالواقع لديه وجهان، فهناك الواقع كما هو الآن و هناك الواقع كما يجب أن يكون. فكلى الوجهين هما حقيقيتين بالنسبة لنا نحن البشر.

و هذه نقطة هامة يجب استعمالها في كل النقاشات السياسية و الإجتماعية، فالمواطن يمكن أن يعامل كفرد محدود ليس لديه فكر مختلف عن النمط العام (الواقع كما هو الآن)، و لكن المواطن يمكن أن يعامل ككيان فريد من نوعه و له استقلالية في الرأي و الأداء (الواقع كما يجب ان يكون).

و يأتي السؤال هنا، اي من هاذان الوجهان يجب أن نسعى اليه لتحقيقه أو تدعيمه؟ و طبعا لكل اجابة هناك توابع في ما يتعلق بالحقوق و الواجبات.

و بالاتصال بموضوع الجزء الاول من هذه السلسلة (مقال الاسبوع الماضي)، يمكننا هنا ان نتفكر حول المواطن على ضوء الهدف الذي يجب علينا كافراد و مجتمعات ان نسعى إليه. و هنا يجب علينا ان نعرف من هم بالضبط المخولين لصناعة هذا التغير؟ هل هم نخبة معينة في المجتمع، ام أن كل فرد مخول؟
و هنا تتوضح الصورة لدينا اكثر، ففي الواقع كما هو الآن فإن المجتمع يتحرك بتخبط شديد، فالمواطن لا يملك القدرة على التغير، ليس لأنه فرد قليل أمام المجتمع الكبير، بل لأن النمط العام لا يفهم معنى استقلالية الفرد. بل يعطي نخبة صغيرة في المجتمع حق التغير، و تلك هي النخبة الدينية و النخبة العشائرية. و لكن تلك الثلة من المجتمع لديها مصالحها و دوافعها الخاصة، و ترى على هذا النحو أن التغير لا يصب بالضرورة في مصلحة المجتمع او المواطن و إنما بمصلحة تلك الثلة الضئيلة.

لذا فعندما يخرج المواطنون في تظاهرات للمطالبة بحقوقهم، يواجهون من قبل الحكومة بالرفض و القمع، و ذلك لأن المواطن و صوته لا يعتبرون ذو اهمية لا عند الحكومة و لا عند المجتمع نفسه. فالمتظاهرون الذين يخرجون على الحكومة، هم انفسهم يقومون بفرض الظلم على انفسهم عن طريق تخويل بحق التغير (النخبة الدينية او العشائري).

إن التغير لا يجب أن يكون تغير سياسي او اقتصادي بسيط و انما تغير كامل للمجتمع في منظومته، فتغير القوانين السياسية شيء و تغير الثقافة العامة هو شيء آخر.

ما اود ان اقوله اليوم هو أن التغير لن يأتي من دون أن يكون الفرد كيان فاعل في الحياة. و على هذا الأساس كان لا بد من الفرد أن يتطور على الصعيد الفردي قبل ان ينزل إلى الشارع في تظاهر للمطالبة بالحقوق القصيرة الأمد (حتى و لو كانت حقوق مهمة).
أو بمعنا أبسط، التغير لن ياتي ما لم يكن كل فرد كيان فكري مستقل، لديه قدرة على التفكير و اتخاذ القرار من دون أن يلجم بأي ضابط وضعي.

لا تعليقات

اترك رد