شمسوّي بيّه .. الله


 
الصدى - شسوه بيه الله - عبد الحميد الصائح

وصل الى لندن أخيرا في اسوأ حال وحدث له ماحدث لي قبل ثمانية عشر عاما ، وماحدث لي حدث للعراقيين في غالبهم، وهم يُهرعون من العراق الى المجهول هاربين لاسباب شتى ،كل خمس سنوات في تاريخ البلد اسباب شكل .
فحين يهاجر العراقي تراه غاضبا محبطا متوعدا نفسه بعدم العودة ثانية الى العراق حتى لو منحوه كنوز الدنيا . وحين يصل مدن اللجوء او الهجرة اول شيء يصرح به : اريد اعيش بمدينة مابيهه اي عراقي ولا افتح تلفزيون عربي ولا اسمع اخبار العراق عسى مايحترك هوه واللي بيه .، فتراه يصطحب عائلته او لوحده وينتقل الى خارج المدن في بريطانيا او اي من مدن اوربا خاصة الضواحي ، ذات الطبيعة الخلابة التي تتسابق غيومها مع ابنيتها الشاهقة . مدن ونساء وانظمة دقيقة كانك في مدارات فضائية ، حرية مفتوحة ومنضبطة في ان واحد ، افعل ماتشاء الا مايزعج غيرك او يؤذيه ، فرص للتعليم والتنمية وتحديث دائم للحياة والمعلومات،لاحدود للمتعة ولاحدود للتعلم ولاحدود للابتكار ، توأمة بين الحقيقة والخيال والجمال والنظام والخدمات، اذن كل شيء قد توفر وماعليك الا ان تغلق بابك ، لتتحقق اعظم امنياتك وانت في طريق الهروب ، وهي القطيعة مع العراق والانقطاع التام عن سماع اخباره، لتستعيد صحتك ، وترتب امورك وتنظم وقتك وتلتفت الى حياتك الخاصة التي ضاعت في الحديث عن الامل والملل والديمقراطية والديكتاتورية والانتخابات ومجالس المحافظات والاحزاب الدينية ونصف الدينية واللادينية والخطف والدواعش والفساد والارهاب والمعارك بالايدي وماحملته الايدي بين نواب الشعب ونائباته وعدم دفع الرواتب ، وعدم محاسبة اي من المقصرين حتى لو سلموا البلد للاجنبي او الارهاب يحتله ويقيم عليه دولة كما لن تسمع ابدا عن مستقبل العراق المهدد واهداف التقسيم وعجائب الاتفاق بين الدول والحرب بين السنة والشيعة وتهجير المسيحيين وسبي الايزيدية، وضرب المساجد والخوف ووووو.

خلاصة الامر لقد تحرر صاحبي من مرض عضال الم به اسمه العراق ، دخل الجنة المؤقتة ، وحمد الله كثيرا على نعمة الابتعاد عن الوطن، ونسيان ماحدث له فيه، ساعدتُه كثيرا في ذلك حتى انقطع عني انا ايضا، غيرت هاتقي ولم ابلغة وغير هاتفه ولم يبلغني .. ودخل في سبات طويل .

كلما اتذكره اشعر بذلك الفتى العائد الى الحياة .. اشعر به وقد استعاد عافيته .اشعر به مهما طال عيشه هناك لم يشبع من جمال تلك المدينة واهلها ولياليها وبريق ظلامها وبهاء نورها ، اتخيله كيف تغير شكله ومزاجه ولغته وسعادته بهذا الانقطاع .

في لندن لااحد اطلاقا ياتيك بدون موعد حتى اقرب المقربين اليك ، والموعد ينظم من خلال الهاتف ، ولذلك نادرا جدا ما افتح الباب لمن يطرقه ، قد ينبهك شخص الى مصابيح سيارتك التي نسيتها مضاءه او مندوب جمعيات الاغاثة او موزعي اعلانات البتزا والطلبات المنزلية ، فكيف بك وانت تستمع ليلا الى طرقات على الباب ذكرتني بايام السبعينات في شارع عشرين بالناصرية . طرقات سريعة وصوت باللهجة العراقية .. :
– افتح ، افتح ولك
– منو، .. منو .. اوف هاي انت وين ؟ شجابك .؟
– اتدمرت حتى وصلتلك ، ليش خوية ليش ، لاتسال لاتكول ذبيت اخوك ونسيته.
– خير ، انت عايش بارقى المدن ..
– اكيد ، طبعا ، ماكو نسبه ، كل شي متوفر مثل ماتشوف ، بس يا اخي وحشة مابعدها وحشه .
– مو انته ردت مدينة مابيهه احد.
– مجنون .. ليش انه اكدر اصبر ما اشوف عراقي ، يا اخي مدينة مابيهه احد، تلفزيون ماعندي ، اتصال التلفون مايحل مشكلة .. اي.. وشالاخبار ثم اجاب بنفسه وانطلق هو يسال وهو يجيب عن السياسة ومجلس النواب وتشكيل الحكومة – ثم واصل – ، اني ما اكدر بعد ، مليت اريد اي شي ، اي شي يذكرني بالعراق ، انسلّيت شوف حالي ، زوجتي بيهه كآبة ، اولادي ما ادري شبيهم وووو… شوفلي بيت يمك ، منطقة بيهه عرب عراقيين دخيل الله ودخيلك. كل عظمة وجمال هاي البلاد وسمعتهه ونظامهه ياخوي ماتسوه عندي شارع مامبلط بالعراق ..وكل هاي الناس الملونة اللي تحيط بيك ، ماتحسسني بالحياة مثل لمة زغيره بالعراق حتى لو لمة ناس على آثار انفجار….. الموضوع مستمر …..

المقال السابقصور
المقال التالىملعبنا العراقي المفترض وتقصيرنا الاداري والارهاب
عبد الحميد الصائح شاعر وصحفي وناشط في مجال حقوق الانسان .مواليد الناصرية جنوب العراق - يقيم في بريطانيا.. اصدر عددا من الكتب في الشعر والمسرح وله كتابات في النقد والصحافة كما قدم برامج سياسية وتلفزيونية تعنى بالشان العراقي . درس المسرح في كلية الفنون بجامعة بغداد والاعلام في الجامعة الامريكية ال....
المزيد عن الكاتب

1 تعليقك

  1. الله طبعا شعور هذا المواطن هو نفس شعوري الهومسك والوحده تدمر ياناس جنه بدون اودم متنراد كنت اعيش في شمال السويد مدينه موحشه مدينه اشباح لا ان ولاودان كنت اتمنى غرفه رطبه في لندن بدل القصر الذي اعيشه في السويد لان لندن قريبه على العراق بتجمعاتها وفعالياتها الكثيره

اترك رد