سياسة وسياسيون

 

كثيرا ما تختلط في أحاديثنا المصطلحات وتتشابك في مدلولاتها ويصل بنا الحال في بعض الأحيان إلى أن نطلب واجب معين من غير صاحبه ونحمله فوق طاقته ونقع في مطبات الفشل وعدم القدرة على التشخيص فعلى سبيل المثال لا الحصر ما يطرح اليوم عن ظهور طبقة في المجتمع يطلقون عليها (الطبقة السياسية) وقد تعددت رؤوسها في العراق وتنافست في ارتفاعاتها فاختلطت الأوراق وذر الرماد في العيون وأصبح من الصعب التميز بين من هو معني بها ومن هو غير معني وعلى هذا يكون من الواجب علينا أولا أن نعرف المعنى العام المبسط للسياسة فهي إدارة شؤون الدولة الداخلية وتقسيم مواردها بشكل يرضي الجميع ويحقق ضمان تنمية المصالح العامة للأفراد والجماعات من جهة ومن جهة ثانية تهتم بشؤونهم الخارجية حيث يتم من خلال روادها والعاملين في حقلها تنظيم العلاقة بين الداخل وبين العالم الخارجي وفي جانب آخر تعتبر السياسة دراسة الواقع الاجتماعي وفق حساب استثمار القوى المتاحة لصالح تنمية المصلحة المجتمعية وتعبر السياسة عن عملية صنع القرارات الملزمة لكل المجتمع وتتناول قيم مادية ومعنوية وترمز لمطالب وضغوط لغايات واضحة تتم عن طريقها تحقيق أهداف ضمن خطط لأفراد ولجماعات ومؤسسات ونخب حسب أيديولوجية معينة على مستوى محلي أو إقليمي أو دولي أو هي بتعبير أكثر بساطة علاقة بين الحاكم والمحكوم أدواتها وسائل القوة كالجيش والشرطة وكل أجهزة الدولة وفق مجموعة آليات معينة يتفق عليها الجميع وتمنحها الشرعية نسميها الدستور وهي تتداخل في كل الأمور الاجتماعية كالدين والفكر والعلوم والعمل ولا يصح العكس.

وفق هذا المنظور فان من يعمل في هذا الميدان نسميه السياسي وهو صاحب اليد الأطول والقرار النافذ في البلد أي أن السياسة تحتكرها مجموعة من الناس بالتأكيد يتناسب عددها مع عدد سكان البلد طرديا ولكن عند تسقيط هذا الافتراض على واقع الحال في العراق تجده مختلف إلى حد كبير خصوصا مع تنامي فكرة تطبيق الديمقراطية بمفهومها الحالي المبني على مخرجات الانتخابات وما جرى فيها من عمليات معقدة دبرت خلف الكواليس تدور حول نسبة مشاركة المواطنين وطريقة احتساب الأصوات ولغط تزوير نتائجها التي شخصها عدد غير قليل من المعنيين في أمور البلد.

ما يجري اليوم في العراق كبلد له جذوره التاريخية الخالدة هو خروج عن كل السياقات التي تعارفت عليها شعوب العالم في طريقة إنتاج طبقتها السياسية وفي أداء واجباتها التي حددها الدستور العراقي أدت إلى رفض المجتمع لها ومطالبته بتغيرها لأسباب واقعية مبنية على معاناته اليومية طيلة الفترة السابقة من عام 2003 إلى يومنا هذا لان هذه الطبقة بإرادتها أو بدونها أحاطت نفسها بهالة كبيرة من التعالي والترفع رغم معانات بعضهم السابقة من الجوع والقهر على أبناء جلدتهم تحميهم من شعبهم عشرات السيارات وأعداد كبيرة من الحمايات المدججة بالسلاح فأصبحوا يعيشون في واد مختلف عن وادي شعبهم ولا يشعرون بهم ففشلوا في تلبية مطاليبهم ويوم بعد يوم تزداد الحواجز وتبتعد المسافات وتكبر الهوة ومع ذلك فقد ازدادت أعدادهم وتعددت أحزابهم ومع وجود الحكومة إلا انك ترى أصوات مشاركة فيها لكن تختلف معها في طريقة تنفيذ برامجها وأصبحت حجر عثرة وأداة شد إلى الخلف بدل التقدم بل وربما معول هدم وتحطيم في بنيتها والأكثر من ذلك يحمون الشخص الفاسد الذي عشعش في هيكل الدولة مما زاد في الفرقة.

وفق الفهم السابق إذا كانت مجموعة معينة في الحكومة تمثل الطبقة السياسية فانك تجد آلاف الأشخاص يدعون أنهم رجال سياسة ممن كانوا يشغلون مناصب حكومية أو نيابية أو من الجدد الذين تسلقوا إلى المناصب متوسلين مختلف الوسائل أو ممن له ارتباطات خارجية أو من يملك مال السحت الحرام المسروق من قوت الشعب أو حتى ممن بنى معهم علاقة مصلحة عززها بشيء من تبادل المصالح والرشوة بينما يركن صاحب القرار عاجز عن أداء ما مناط به من مهام وواجبات وما تبنى من مبادئ وايديلوجيات فكرية أوصلته إلى موقعه وبالتالي فان واقع الحال ينبئ عن فوضى عارمة وتقاطع في كل شيء بدلالة العجز عن تشكيل الكتلة الأكبر التي حددها الدستور للدخول تحت قبة البرلمان وانعقاد جلسته الأولى بدورته الرابعة وبضمنها اختيار الرئاسات الثلاثة وما سيتبعها من إجراءات لاختيار الحكومة المقبلة مع وجود القوى الخارجية المؤثرة .

في كل دول العالم يتقدم السياسي لشغل منصب متقدم في الدولة وينجح أما بالانتخاب أو بالتعين أو بأي طريقة يقررها الدستور ويتوافق عليها الجميع كموظف عادي يؤدي واجب معين إذا نجح لفترة زمنية محددة تنتهي إذا فشل مع أي خلل في الأداء ويعود بعدها لممارسة مهنته الأصلية إذا كان ضمن سن العمل القانوني أو يحال إلى التقاعد كأي مواطن عادي ولنا في كثير من الدول الديمقراطية الحرة نماذج يمكن الاقتداء بها ابتداءا من أمريكا وانتهاءا بإيران مثلا لا حصرا على خلاف الدول الدكتاتورية حيث يتمسك المسئول أو السياسي بالمنصب ولا يتخلى عن كرسي الحكم على طريقة الحكومات الملكية وتوريث الحكم في العائلة.

لا تعليقات

اترك رد