مظاهر العلمانية فى التراث الإسلامى ج2

 

(1 )

انتهيت فى المقال السابق من الحديث عن مظاهر العلمانية فى حكم الخليفة الثانى للمسلمين عمر بن الخطاب ،واستكمل هذة المرة الحديث عن الإراء والفتاوى التى صدرت عن كبار فقهاء المسلمين رغم تناقض تلك الفتاوى والإحكام مع النص القرآنى والإحاديث النبوية ..
(2 )
اولآ … الامام احمد بن حنبل وفتواه بتولية الرجل القوى الفاسق القيادة وليس الرجل التقى الضعيف ،فقد سُئل الإمام أحمد بن حنبل عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو، وأحدهما قوي فاجر والآخر صالح ضعيف، مع أيهما يُغزى؟‏ فقال: “أما الفاجر القوي، فقوته للمسلمين، وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف، فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين، فيُغزى مع القوي الفاجر ”
ويتضح من تلك الفتوى الصريحة ان الإيمان والتقوى ليست من شروط تولى المناصب فى الدولة الإسلامية ،بل الكفاءة والقدرة على أداء العمل وخدمة المجتمع الإسلامى ككل بغض النظر عن تدين الشخص والتزامه بالإحكام الدينية وممارسته للطقوس والشعائر الدينية .
ثانيآ ..قول ابن تيمية _شيخ الإسلام _ فى مجموع الفتاوى
“فإذا تعين رجلان أحدهما أعظم أمانة والآخر أعظم قوة، قدّم أنفعهما لتلك الولاية وأقلهما ضررًا فيها. فتقدم في إمارة الحروب الرجل القوي الشجاع وإن كان فيه فجور فيها على الرجل الضعيف العاجز وإن كان أمينًا.”
وهنا تعدى الإمر ولاية الرجل الفاسق للمسلمين بل اصبح للفاجر (المهاجر بالمعصية) الحق فى الولاية والحكم بشرط ان يتمكن من العمل وادارة شئون الدولة .

ثالثآ.. قول النبى _صلى الله عليه وسلم _
«يا أبا ذر إني أراك ضعيفا وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن علي اثنين ولا تولين مال يتيم» فنهى أبا ذر عن الإمارة والولاية لأنه رآه ضعيفا مع أنه قال_ صلى الله عليه وسلم:_ “ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر”

رابعآ..استعمال النبي _صلى الله عليه وسلم_خالد بن الوليد فى الحرب منذ أسلم وقال : “إن خالد سيف سله الله على المشركين “. مع أنه أحيانا قد كان يفعل ما ينكره النبي صلى الله عليه وسلم حتى إنه – مرة – قام ثم رفع يديه إلى السماء وقال : ” اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد “وذلك لإن خالد بن الوليد قتل بني جذيمة وأخذ أموالهم بنوع شبهة ولم يكن يجوز ذلك وأنكره عليه بعض من معه من الصحابة حتى وداهم النبي -صلى الله عليه وسلم- وضمن أموالهم ; ومع هذا فما زال يقدمه في إمارة الحرب ; لأنه كان أصلح في هذا الباب من غيره وفعل ما فعل بنوع من التأويل .

ولهذا كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يؤثر استنابة خالد ; وكان عمر بن الخطاب يؤثر عزل خالد واستنابة أبي عبيدة بن الجراح ، لأن خالدا كان شديدا كعمر بن الخطاب وأبا عبيدة كان لينا كأبي بكر ; وكان الأصلح لكل منهما أن يولي من ولاه ; ليكون أمره معتدلا ويكون بذلك من خلفاء رسول ا_لله صلى الله عليه وسلم _الذي هو معتدل .

خامسآ.. فتوى ابن تيمية -شيخ الإسلام – فى أن الله ينصر الدولة العادلة وان كانت كافرة على الدولة الظالمة وأن كانت مؤمنة ، وهو ما يخالف الكثير من النصوص الدينية التى تعد المؤمنين بالنصر .

(3 )
وخلاصة القول أن تقديم المصلحة العامة (العلمانية ) على النقل (النص الدينى ) ليس ضد الدين بل انه أحد القضايا الكبرى التى تجادل فيها المسلمون منذ القدم ،وفى التاريخ الإسلامى دائمآ يقدم العقل والمصلحة العامة (العلمانية ) على النقل (النص الدينى ) وخاصة اذا تعلق الإمر بالشأن العام وسياسة الدولة ..

بقلم محمد إبراهيم فؤاد

لا تعليقات

اترك رد