لك الّتي تفسّرها

 

من بائع الدجاج المشويّ، أخذتُ أنا وصاحبي الفيلسوف “الناشيء”، دجاجة واحدة، وشيئاً من الماء والعصائر، وقررنا الخروج في نزهة عبر النهر، بعيداً عن ضوضاء ومزعجات المدينة.
كنتُ جائعاً للغاية، فما إن إبتعد الزورق عن الضفة، حتى مددت يدي إلى كيس الطعام، غير أن يد الفيلسوف الفولاذية قبضت على معصمي، وردتّهُ إلى المرسى من حيث أبحر!
ثمّ أخذ يحكي عن مذهبه في “الفلسفة”، وقال أنا من معشر “الشكّاكين”، الشكّ هو طريقي للوصول إلى اليقين، هكذا قال، وبينما هو يمرّ على أسماءٍ لم أسمع من قبلُ بواحدٍ منها، كرينيه ديكارت، كنتُ أفكر من أين سأبدأ بنهش الدجاجة، أمن الفخذ؟ أم من الجناح؟
إسمع، سأفسّر لك بعض الأشياء التي يجهلها عامة النّاس، والّتي أنظرُ لها على نحوٍ مغاير، فأنا لا أرى الشمسَ شمساً، بل برتقالة في صحن السّماء، ولا أرى السمكة سمكة، بل طائرٌ في كونٍ سائل، ميزتي كمثقف وفيلسوف هي التشكيك في الروايات الرسمية، هكذا يجب أن يكون المفكر، أن يكسر النمطية وأن يسقط الأقنعة، ونسب صاحبي جملته الأخيرة إلى شخص يدعى “إدوارد سعيد”، قبل أن يقرر البدء.
لماذا بدأ العام (2015) بحرق الطيار الأردني بطريقة هوليودية، ثم قبل نهاية العام نفسه، تفوز أردنية محجبة بلقبِ برنامجٍ غنائي، سألته: ما الرابط؟ فأسكتني بأن دعني أكمل. ولكن أنا جائع، والدجاجة ستبرد.
وبنبرة غاضبة : قلت لك دعني أكمل.
عام (2010) ظهر “الروحاني أبو علي الشيباني” من خلال إحدى الفضائيات وكانت القناة تبثّ البرنامج من دمشق، حيث يقيم هذا الروحاني ويستثمر أمواله، قال يومها وبالحرف الواحد :
“كلّ الوطن العربي سيحترق بينما ستبقى سوريا آمنة وتنعم بالسلام وحدها”!
وأضاف : أدعوا المستثمرين وأصحاب رؤوس الأموال لأن ينقلوا أرصدتهم وإستثماراتهم إليها.
تخيل أن هذا المشعوذ يريد لكلامه أن يحلّ محلّ التصنيف الإئتماني للدول، فمن المعروف أن المستثمرين ينقلون أموالهم حسب ذلك التصنيف سواء كان منخفضاً أم مرتفعاً.
كان واضحاً أن من وشوش له تلك المرة، من “جن المخابرات” لم يكن يحسب حساباً لما سيجري في دولته، بعد حلقة البرنامج تلك بأسابيع قليلة، وطمست تلك الدولة في دوامة الإقتتال والعنف.
قاطعته بأن نأكل، فأكمل دون أن يعيرني إهتماماً، أظنك شاهدتَ المسلسل السوري”الولادة من الخاصرة”، في الجزء الثاني منه، والمسمى ساعات الجمر، كان جميلاً وذكياً في ذات الوقت، وخصوصاً دور الفنانة رشا إبراهيم التي مثلت دور طالبة جامعية، تعمل لصالح ضابط مخابرات كبير، أجاد دوره الفنان عبد الحليم قطيفان، إذ يخلق منها شخصية قادرة على التنبؤ، فيزودها بأسئلة الأمتحان، فتصطنع قدرتها الخارقة أمام الطلبة، على معرفة أسئلة الإمتحان، التي تزود بها من قبل الضابط!
ثم سرعان ما يبدأ إستخدامها الحقيقي، في مصارحة شخصيات معينة بماضيها، وإخبارهم بمعلومات عن حياتهم الشخصية، لنوايا غير طيبة بالتأكيد، مرّة أخرى، وتحت جنح الخفاء، تسلّلتْ يدي نحو الدجاجة، بينما كان هو يتحدثُ عن “الأيادي الخفية” التي تحرّك العالم، وتدير أمنه وإقتصاده ورياضته، لكنّه أبعد يدي وهو ينفخ دخان سيجاره في الهواء، ومن غير أن يقطع حديثه.
الآ ترى في العراق؟
كيف إنتشرت وتناسلت على حين غفلة، وبشكل صادم، مراكز للعلاج الروحاني، يدعي مالكوها قدرتهم على التداوي بالأحجار الكريمة، وبالماورائيات والفلك والابراج والتنجيم والتكهن بالغيب، ومعرفة الطالع، والقدرة على تغيير المصائر والتقريب والتفريق، وتحضير الأرواح، ورفع الطاولات عن مستوى سطح الارض، والقدرة على “ثقب” الخصم، وعلاج الأمراض المستعصية على أهل الطب..، علما أن إنشارها يتناسب طردياً مع إنتشار الجهل، وضعف الوعي، حتى بلغت عملية التذاكي حداً طريفاً، أن يعلن أحدهم عن قدرته على معالجة الروحانيين من زملاء المهنة، الذين يصابون أثناء التحضير، بعد أن كان تذاكيهم مقصوراً على بسطاء الناس.
والآن دعنا نأكل، لا أستطيع وصف مشاعري، وهو يقفلُ فمه أخيراً ويسحب الكيس، ولكنه فجأة صمت، وبعد أن بقي ينظر إلى الدجاجة، مما أثار قلقي بأنه جنّ بشكلٍ قاطع، سألتهُ:ما بك؟
قال: أنا لا أرى أنّ هذهِ الدجاجة دجاجة ، بل أستطيع أن أفسّر لك أن هذه الدجاجة، هي دجاجتين في الحقيقة، بالإستناد إلى فرضيات الكمّ والربط الميتا لحمي، وبهدوء سحبت الدجاجة إلى ناحيتي وقلتُ له، هذه لي، أما الثانية التي ستستنبطها من تفسيرك فهي لك.

لا تعليقات

اترك رد