” يلا لان “


 

عرفتهم شباباً يملؤهم الحماس وتملأ عيونهم نظرات الأمل, عرفت غالبيتهم أفراداً بفرق عدّة, حين كان معظمهم طلاب جامعات, كانوا متميزين بالعطاء, أصواتاً أو عزفاً أو تلحيناً.
وها هم الآن يتوحدون بفرقة واحدة “يلالان” هذه الكلمة التي بلا معنى, ليوجدوا لها معنى ومفهوم.. كلمة منحتها الموسيقى الأندلسية في التراث المغربي أهمية خاصة, كونها تمثل حلقة الوصل بين جملتها اللحنية القصيرة والجمل اللحنية الأطول منها موجدة بذلك ذلك التوازن بين تلك الجمل, وباعثة روحاً مميزة في الأداء تطرب السامعين، مثلها مثل كلمات (أمان) و (يالالي) في الغناء الطربي القديم.
يعرفون عن أنفسهم بقولهم بعبارات متمازجة بكلمات لجبران خليل جبران.. تشاء أرواحنا أن تلتقي ثانية رغماً عنا, لتنسج لكم بنولها بعضاً من موسيقانا العربية بألوانها المختلفة ” نحكي ما يكنه القلب للقلب بما ترنم به البرابرة في الصحراء وما هز أعطاف الملوك في الصروح” بترانيم” مزجتها الثكلى مع نوحها, فكانت ندباً يفتت قلب الجماد, وبثها الجذلان مع أفراحه فكانت إنشاداً يطرب مغلوب الأرزاء”.
جاء تكوين فرقة “يلالان” للموسيقى والغناء نتاج لالتقاء رغبة مجموعة من المغنين والعازفين الشباب, ممن عملوا السنوات تحت رعاية مؤسسات فنية وثقافية مختلفة في مدينة رام الله.. ليكونوا صوتاً واحداً ويداً واحدة في إيصال رسالتهم الفنية في ظل ظروف صعبة يمر بها الجميع.. ارتأوا تكوين هذه الفرقة لتكون نافذتهم وإطلالتهم الدائمة.
في قصر الثقافة برام الله.. كانت إطلالتهم الجماعية الأولى.. ثلاث عشرة زهرة ووردة زينت خشبة المسرح.. كان الحضور هائلاً, البطاقات نفذت قبل العرض يثلاثة أيام للعرض, لم أجد لنفسي بطاقة، واضطررت أن أجند كل علاقاتي التي تربطني بإدارة القصر حتى أتمكن من الحضور.. قلت لهم سأحضر إليكم ولا أخرج إلا وأنا قد حضرت العرض.. وحصلت بعد جهد جهيد على مقعدي الأثير في القاعة.. هذا المقعد الذي لم يعرف غيري له جليساً في كافة عروض القصر منذ افتتاحه.
غنوا فأبدعوا.. عزفوا فحلقوا بنا في فضاءات عالية من الجمال.. مجموعة واحدة موحدة تنفي الفردية وتحيي الجماعة, ضمت في صفوفها المغنّين: عصام النتشة الذي يعيدنا صوته وأداؤه إلى أساطين الطرب الذين افتقدناهم, آلاء شطاره, محمود عوض, أمل بكر, جوني دحو, صابرين دعيبس.. أما العزف فكان بقيادة الفنان الشاب المتميز ذي الألحان العذبة والصوت المتميز باسل زايد على العود، هذا الفنان الذي تألق بسماءات العزف والغناء المتميز، والذي أبكى الجمهور في لقاءات سابقة بأغنيته المميزة ( محمود )، التي تحدثت عن الطفل الذي تختطفه قوات الاحتلال من حضن أمه.. وطارق الرنتيسي على الإيقاع, يوسف زايد – بزق, أشرف عفوري – ناي, وفا الزغل – قانون, أمجد سمحان – إيقاع, كيتي تيلور – كنتراباص.
تنقلوا بنا بين الموشحات والشيخ إمام, بين سيد درويش ومحمد عبد الوهاب, بين زياد الرحباني وفرقة صابرين.. أثاروا حماساً في الجمهور، فشاركهم إيقاعاً بالتصفيق والغناء..كانت أمسية شدت بها البلابل وأعادت الذوق الفني للمسار الذي لا يصح غيره.. الفن الأصيل، وكان لافتاً للنظر أن معظم الحضور كانوا من الجيل الشاب الذي لم يصل بعد إلى الثلاثينيّات من عمره، ما يؤكد أن الذوق السليم بحاجة لمن يحلق به في زمن سادت حياتنا أغاني (الفيديو كليب) واللامعنى كلمات ولحناً وأداء.
آملاً ومعي الجمهور الكبير الذي ملأ القاعات والممرات وطالب بالمزيد والمزيد، من الفرقة الاستمرار والنمو والتطور.. لتكون قمراً مضيئاً في سماء الوطن.

“رام الله / فلسطين…”
*من كتاب فضاءات قزح للكاتب زياد جيوسي من منشورات دار فضاءات للنشر والتوزيع/ الأردن.

المقال السابقجراحة متعمدة
المقال التالىالحداثة اللاموضوعية في اطار فني
كاتب الفلسطيني من مواليد 1955 في مدينة الزرقاء في الأردن، وأصوله من بلدة جيوس قضاء قلقيلية في الضفة الغربية الفلسطينية.. حاصل على بكالوريوس آداب تخصص جغرافيا من جامعة بغداد 1976.بقيم في فلسطين - رام الله منذ عام 1997. بدأ الكتابة والنشر منذ عام 1972. ناشط في المجالات الثقافية والفنية مع اهتمامات خاص....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد