جراحة متعمدة


 

إمعانا في التخفي؛ تعاطيت أقراصا مقاومة للهلوسة؛ حين باشرت الطبيب أكد لهم أن مرضي نادر يصيب الذين يمسكون بالكتاب صباح مساء، لا شفاء منه بغير ترك المريض يقول ما يشاء؛ بالفعل كانت تلك الحيلة طوق نجاة؛ لن يترصدني أحد، ألبسوني ثوبا مقلوبا، تتدلى من رقبتي صافرة، يقترن بها قلم خشبي،علامة ابتكرها ذلك الطبيب الذي كان زميلي في مقعد الدراسة؛ إنها صداقة تمتد لربع قرن، لن أسرد عليكم ما الذي ألجأه لفعلها، أنا مصاب بالوهم، يكفي أن يسمح لي بالدخول إلى الحمامات العامة، انكشفت خفايا كانت ستموت لو لم أصب بهذا الداء، تبين لي أن هؤلاء الداخلين إلى تلك البنايات بهم الجذام، كل أعضاء جسدهم منقولة عن آخرين أوقعهم حظهم العاثر ضحية؛ أصابني هذا الداء منذ فترة، بطبيعة الحال لم أعد أتذكر شيئا عن أسباب ذلك، كل ما اختزنته من وثائق وبيانات صار معطوبا؛ لا أحد يهتم برجل معتوه، قذفت بتلك الكلمة في وجهي، حين ارتدت ثيابها الجديدة ليلة العيد لا أدري ما الذي أغضبها حين أخبرتها بأن ذلك الثوب كانت ترتديه مومياء فرعونية، بطبيعة الحال لم أع جيدا ما ينزلق من لساني ذلك الأشبه بدودة لا قيمة لها.
أخذت أتمادى في السخرية، هذا رجل يمشي على أذنيه، تلك حافلة نقل عام، هذا بيت تسكنه أنثى الجن الأزرق، الأشجار ترقص ليلة العيد، أثداء النساء قنينات زيت فارغة، شعورهن سلك لغسل المواعين، لكن الأمر تطور إلى حد لم أكن أتخيل أن يصل إليه؛ أنني لست صاحب الاسم المدون في بطاقة الهوية، أنثى هربت، الماكرون كشفوا عن سوأتي في قارعة الطريق العام، تبين لهم أنني خصي!
لم أخبركم أن صديقي الطبيب أجرى لي عملية إخفاء ماهرة.
تبين لي حين شاهدت التلفاز؛ ولربما كان هو الآخر مصابا بالهلوسة؛ لا يعقل أن آلة تجرى لها عملية إخصاء قسري؛ في بلاد تصلي صورة الزعيم في الصف الأول صلاة العيد؛ هذا تطور عجيب، ما سمعت بهذا في عالم الجنون الأول.
أدرت محرك القنوات؛ إنهم يقاضون رجلا أشبه بثور بري، يبدو أن حالتي ليست متفردة كما خدعني صديقي الطبيب، نظرت من نافذة الحجرة حيث هجرتها التي كانت ترتدي ثوبا أشبه بكفن المومياء، عصافير تحمل سلالا مملوءة بالنار، أسمع صوت رجل يركب حمارا أشبه بحمير الغجر، يصيح فيهم: سماوي الكلب يقترب من الحارة، تغلق البيوت أبوابها، حتى لا تعدو الثعالب على االدحاج.
يمسك بي شرطي غليظ الكفين، ينهره العامة؛ دعه فهو ولي الله، حقا كانت تلك الصفة غائبة عني؛ تأتي الألقاب كيفما اتفق، لقد أحسن إلي، أخرج من جيبه حشوة حمام بالفريك كانت في طريقها إلى شيخ التجار؛ يعمل العسس عند ذوي الأرصدة الضخمة؛ أوصاني أن أبارك زوجته بدعائي؛ حين مررت جوار نافذته كانت تلعن حظها العاثر.
في بلد العميان يطول الليل على غير المعتاد، تعجب الناس لكنهم لا يرون سببا لما هز حياتهم؛ تعددت التخمينات بل ذهبوا لأكثر من عرافة تضرب الودع وتوشوش الحجر؛ في بلاد نسيتها الشمس تدب كائنات مفزعة لها أجنحة تخفق كل آونة، تجوب بنات عرس مزغردة، اعتادوا أن يبقوا لساعات تناهز العشرين في ذلك الظلام الموحش، حين بزغ القمر في الثلث الأخير انتابهم خوف شديد، لقد ألفوا أن يعتاشوا كيفما اتفق، لازرع ولا عمل غير اجترار الحديث الممل المعتاد، إنها بلاد تكره الصحو وتسير في متاهة لا نهاية تلوح لكل هذا.
تساءلت أين يضعون أحلامهم؟
يبدو أن الكوابيس تطاردها، تلتهم ما يشرد منها غير عابئة بردة فعل هؤلاء القابعين في المغارة، لا أحد يشتكي من طول الثبات العقيم، يعدون على نساء بعضهم كما تفعل الخنازير البرية، إنها الفوضى التي سكنت معهم.
تضرب الفوضى جوانب المكان حيث تقبع الانتكاسة في كل ناحية، يتمنون – والأماني مواعيد الجوعى- أن يجدوا علاجا لكل أدوائهم.
توقفت ساعة الحوائط الحجرية، الزمن لا قيمة له؛ إنهم يستمرؤن الأنين ويستعذبون السياط؛ كلما جاءهم من يحرك عقارب الساعة وصموه بداء الخيانة.
في عالم الخيال تمثل الأوهام عرائس شمع يتعاركون حولها؛ أيهم ينال منهن قربا، ومن عجب تلوذ بهم الخيبة فلا رجاء في حلم يغير ما قر في الجب.
ذات مرة حدث شجار، أمسكوا بمصابيح النور أداة شر، تفانوا، لا بقاء لنور ؛ يستوي النهار والليل، وإن كان الظلام يلتهم الخيط الأبيض من الفجر.

لا تعليقات

اترك رد