ازدهار الجنس البشري 8-6

 

إن التصدى للمسائل الاقتصادية التى تواجه البشرية يجب أن يكون عبر السياق العام لرفع مستوى القدرات والطاقات الإنسانية من خلال التوسع فى المعرفة. كما أوضحت التجارب فى العقود الأخيرة لا يمكن اعتبار المصالح والمكاسب المادية غاية فى حد ذاتها لأن قيمتها ليست فقط فى توفير الاحتياجات الأساسية للناس من مسكن وغذاء ورعاية صحية وما شابه ذلك ولكن فى الزيادة والتوسع فى القدرات والمهارات البشرية. إن أهم دور يجب أ ن تلعبه المجهودات الاقتصادية فى التنمية يكمن – إذاً – فى تزويد الناس والمؤسسات بالوسائل التى تمكنهم من تحقيق الهدف الفعلى من التنمية ألا وهو وضع حجر الأساس لنظام اجتماعى جديد يكون قادراً على تربية وتنشئة القوى التى لا حد لها والكامنة فى وجدان ومشاعر البشر.

أن التحدى الذى يواجه الفكر الاقتصادى هو أن يقبل دون لبس أو غموض هذا الهدف للتنمية وأن يكون دوره إنشاء وتنمية الطرق والوسائل التى تؤدى إلى تحقيقه. بهذه الطريقة وحدها يمكن للاقتصاد والعلوم ذات الصلة به من أن تتحرر من الانقياد الأعمى وراء الماديات ومن ثم تقوم بدورها كأداة حيوية لتحقق البشرية الرخاء الفعلى. والحاجة هنا أكبر وضوحاً للحوار المكثف بين الإنجازات العلمية والمفاهيم الدينية السليمة.

وتجدر الإشارة هنا إلى مشكلة الفقر. فالآراء التى تسعى لحلها تستند على قناعة بأن الموارد المادية التى يمكنها أولاً التخفيف من وطأتها المزمنة ثم فى النهاية استئصالها والتخلص منها كسمة من سمات الحياة البشرية، موجودة أو على الأقل يمكن أن توفرها المجهودات العلمية والتكنولوجية، أما لماذا لم يتحقق هذا الفرج ؟ فإن السبب الرئيسى لذلك هو أن الاكتشافات والتقدم العلمى والتكنولوجى موظفة لخدمة مجموعة من الأولويات لا تمت للاحتياجات الفعلية للغالبية العظمى من البشر إلا بقدر ضئيل من الصلة. و إذا ما أردنا أن نرفع عبء الفقر عن كاهل العالم لابد من إعادة ترتيب هذه الأولويات بصورة جوهرية، مما يتطلب العزيمة على التمسك بالقيم الفاضلة، عزيمة تضع الحالة الروحية والعلمية للمجتمع البشرى موضع اختيار صعب. وهنا سيجد الدين صعوبة بالغة فى أن يلعب دوراً فى مثل هذه المساعى طالما أنه حبيس المعتقدات الطائفية التى لا تستطيع أن تميز بين الرضا والقناعة، وبين السلبية والاستكانة. ونجد أيضاً أن من بعض التأويلات الدينية : أن الفقر من السمات الأساسية للحياة على الأرض وأن الخروج من دائرته هو فقط فضل من الله ورضوانه لهذا كان لزاماً على الناحية الدينية ولكى يتسنى لها المشاركة الفعالة فى النضال من أجل تحقيق الرخاء المادى للبشرية أن تحصل من منبع وحيها وإلهامها على مفاهيم ومبادئ روحانية جديدة متماشية مع روح العصر الذى يسعى لتأسيس الوحدة والعدل بين البشر.

أما البطالة فإنها تثير نقاطاً جديرة بالنقاش : ففى معظم الفكر المعاصر انحصر ولحد كبير مفهوم العمل فى الأشغال المربحة التى تهدف إلى الحصول على الوسائل التى تمكن من اقتناء واستهلاك ما يتوفر من سلع وأمتعة. وهذا يشكل حلقة مفرغة، إذ من الاقتناء والاستهلاك يأتى التوسع والتطور فى إنتاج السلع والذى يوفر بدوره المصدر اللازم لرفع أجور العمالة. ويتمثل القصور فى مفهوم العمل هنا فى روح اللامبالاة التى يبثها النقاد الاجتماعيون فى أوساط أعداد كبيرة من الموظفين فى كل البلدان وفى إضعاف الروح المعنوية لأعداد متزايدة من العاطلين. ليس من المستغرب إذا الاعتراف المتزايد بأن العالم فى حاجة عاجلة إلى ميثاق شرف يضع فهماً أفضل لمعنى العمل. وهنا نجد ألا شىء يمكن أن يعيد التواؤم اللازم و الضرورى بين العادات والتقاليد والسلوك سوى الفكر الثاقب والفراسة الناتجة من التفاعل الخلاق بين الأنظمة العلمية والدينية للمعرفة. ففى الاختلاف عن الحيوانات التى تعتمد فى قوتها على ما تجود به الطبيعة. نجد أن البشر ملزمون بالتعبير عن القدرات الهائلة الكامنة فيهم بالعمل المثمر الهادف للإيفاء باحتياجاتهم واحتياجات غيرهم الشىء الذى يجعل منهم مساهمين فى عملية التقدم والتطور الحضارى مهما كان مستوى هذه المساهمة متواضعاً، ويحقق أهدافاً من شأنها توحيدهم وتآلفهم مع الآخرين. وللترغيب فى العمل عن يقين وتأديته بروح الخدمة للبشرية يتفضل حضرة بهاء الله بقوله العز الأتم ( ما معناه ) : ” هو ( أى العمل ) نوع من الصلاة ووسيلة لعبادة الله العلى الأكرم ”

ولكل فرد الحق والمقدرة على ان يكيف نفسه أو نفسها على هذا المفهوم. ويجب أن تنشد استراتيجية التنمية إلى تحقيق هذه الموهبة الذاتية التى هى حق معلوم لا يحرم السائل منها، أيا كانت الخطط الموضوعة ومهما كان العائد المرجو منها. لن يذكر الناس تجربة أخذت من المجهود والالتزام مقدار ما ستطلبه المهام الاقتصادية القادمة.

هنالك تحد آخر يواجه الفكر الاقتصادى نتيجة للمشكلة البيئية. لقد انكشف الستار تدريجياً عن الاعتقادات الخاطئة المبنية على التمسك بأن بإمكان الطبيعة تلبية أى طلب يمليه عليها البشر. إن السلوك الذى يعطى الأهمية المطلقة للتوسع فى الاقتناء ( الاستحواذ ) وإشباع رغبات الناس أصبح مُجبَراً على الاعتراف بأن مثل هذه الأهداف لا يمكن الاعتماد عليها كموجهات واقعية عند وضع السياسات والخطط. ويلازم القصور أيضاً المعالجات للمواضيع الاقتصادية التى تكون قنوات اتخاذ القرار فيها غير مستوعبة للتعامل مع حقيقة وواقع أن معظم التحديات الرئيسية عالمية شاملة أكثر منها محلية ذات طبيعة خاصة.

إن الأمل معقود على الخروج من مثل هذه الأزمة (البيئية) بالمبالغة الزائدة فى تعظيم شأن الطبيعة يشكل – فى حد ذاته – دليلاً على ما أحدثته هذه الأزمة من يأس روحانى وفكرى.

رغم الترحيب بالإقرار بأن الخلق والخليقة بنيان عضوى متكامل وأن من واجب البشر الحفاظ على هذا التكامل إلا أنه لا يؤدى إلى التأثير الذى من شأنه تأسيس نظام جديد للقيم الوجدانية. وكى يتشبع الجنس البشرى بالطاقة والقوة التى تمكنه من حمل الأمانة التاريخية الملقاة على عاتقه لابد له من الإقدام على مفهوم علمى وروحانى بمعنى الكلمة.

سيسترد كل الناس عاجلاً أو آجلاً موهبة الرضا والقناعة والتمسك بالأدب والأخلاق والإخلاص فى أداء الواجب والتى كانت تعتبر حتى وقت قريب من الصفا ت الأساسية للإنسان. مرة تلو أخرى وعلى مدى التاريخ استطاعت التعاليم التى أتى بها مؤسسو الأديان العظيمة أن تبث هذه القيم السلوكية فى جموع من استجاب لهم من الناس. واليوم أصبحت هذه القيم أكثر أهمية وحيوية والتعبير عنها يجب أن يأخذ شكلاً متمشياً مع بلوغ الإنسانية سن رشدها .ومرة أخرى نجد هنا أن التحدى الذى يواجه الدين هو أن يحرر نفسه من وساوس الماضى. فالرضا والقناعة لا تعنى الإجبار على التسليم بالأمر الواقع وليس بين السلوك القويم وبين التشدد والتزمت فى الدين من قاسم مشترك. التفانى المخلص فى أداء الواجب يجلب الشعور للنفس بالجدارة والاقتدار وليس مرعاه للتباهى.

إن الإصرار على إنكار المرأة حقها فى المساواة الكاملة مع الرجل يزيد عمقاً من التحدى الذى يواجه العلم والدين فى تعاملهما مع الحياة الاقتصادية للبشرية. ولا يفوت على أى مراقب حصيف أن مبدأ المساواة بين الجنسين أساسى لأى تفكير واقعى لخير وسعادة الأرض وشعوبها فى المستقبل. فهو أحد حقائق الطبيعة البشرية التى ظلت مهملة بشكل واسع خلال عصور تطور البشرية الطويلة منذ طفولتها وحتى فترة مراهقتها. وقد أكد حضرة بهاء الله تأكيداً قاطعاً (ما معناه): “أن النساء والرجال كانوا وسيظلون على الدوام سواسية ( كأسنان المشط ) عند الله.

إن الروح العاقلة لا جنس لها ( أى لا فرق بين روح الرجل وروح المرأة ) ومهما فرضت متطلبات المعيشة من ظلم اجتماعى فى الماضى فلا مبرر له فى وقت تقف فيه البشرية على أعتاب بلوغها سن الرشد. سيكون الالتزام بالمساواة الكاملة بين الرجال والنساء فى كل دوائر الحياة وعلى كل المستويات الاجتماعية محوراً أساسياً لنجاح الجهود لصياغة وتنفيذ استراتيجية تنمية عالمية. بل لو أمعنا النظر فإننا نجد أن التقدم فى هذا المجال ( أى فى المساواة بين الرجل والمرأة ) سيكون فى حد ذاته مقياساً لنجاح أى برنامج تنموى. بالنظر إلى الدور الحيوى للأنشطة الاقتصادية فى التقدم الحضارى، نجد أن الشاهد والدليل الرئيسى

على ما تحققه التنمية من تقدم هو مقدار ما يكون فى متناول النساء من سبل الوصول والمشاركة فى كل المساعى الاقتصادية.

إن التحدى أعمق من مجرد توزيع عادل للفرص – رغم أهمية ذلك – فهو يرمى إلى أبعد من هذا. إذ أنه ينادى بإعادة النظر بصفة جوهرية فى المسائل الاقتصادية بصورة تجعل من الممكن المشاركة الكاملة لأكبر قدر من القوة البشرية التى كانت ومازالت محرومة من الخوض فى هذا المضمار. إن النماذج الاقتصادية التقليدية للأسواق الخالية من الدفء والتعامل الإنسانى والتى يقوم فيها البشر بإشباع رغباتهم الشخصية فقط غير آبهين بغيرهم من الناس لن تلبى احتياجات عالم هدفه الأسمى الوحدة وإقامة صرح العدل. سيجد المجتمع نفسه أمام تحدى متزايد لتطوير نماذج اقتصادية جديدة مبنية على حنكة تقوم على تعاطف مشترك ومودة ووئام وعلى اعتبار أن الناس لبعضها وعلى الاعتراف بأهمية دور الأسرة والمجتمع فى الصلاح والخير الاجتماعى. مثل هذه النظرة الثاقبة والتى تنم عن حب الخير وليس عن حب الذات يجب أن تركز أساساً على الأحاسيس والمشاعر الروحية والمقدرة العلمية للجنس البشرى. وأن آلاف السنين من الخبرة قد أعدت وأهلت النساء للمشاركة المؤثرة فى المجهودات العامة والمساعى المشتركة.(ازدهار الجنس البشري)

لا تعليقات

اترك رد