طنطاوي في روسيا …


 

رحم الله الشيخ محمد عياد الطنطاوي الذي عكف شيخ المستشرقين الروس كراتشكوفسكي لمدة عشرة سنوات ليؤرخ كتاباً فريداً عن فضائل وآثار الطنطاوي، وتجربته في روسيا معترفاً بفضله على الثقافة الإستشراقية في العصر الحديث وأسماه “حياة الشيخ محمد عياد الطنطاوي” ،وقد كتبه بالروسية وتُرجم إلى العربية بعد ذلك، وأعتمد كراتشكوفسكي على 15 مخطوطاً عربياً بخط الطنطاوي محفوظين بمكتبة جامعة بطرسبرج.
محمد بن سعيد بن سليمان عياد المرحومي الطنطاوي الشافعي، والمرحومي نسبه إلى قرية محلة مرحوم إحدى قري مركز طنطا والتي ينتمي إليها والده الذي كان يتاجر ببعض البضائع كالأقمشة والبن والصابون ونحو ذلك، ووالدته من قرية الصافية التي تتبع مركز دسوق حاليا، وملك والده بيوتاً في مدينة طنطا وقرية الصافيه وقرية نجريد إحدى قرى مركز بسيون، وغلب على محمد لقب الطنطاوي نسبه لطنطا المدينة التي تعلم بها.

ولد الشيخ الطنطاوي في نجريد بعام 1225هـ/ 1810م، وبدأ يتردد على الكتاب في طنطا وهو ابن السادسة، فحفظ القرآن الكريم وفي الثالثة عشر من عمره ، انتقل للأزهر وتعلم على يد مشايخ عصره مثل الشيخ حسن العطار(توفي 1835م)، والشيخ إبراهيم الباجوري(توفي 1861م)، والشيخ محمد الكومي والشيخ إبراهيم السقا، وبدأ بإلقاء الدروس في الأزهر الشريف وذلك عام 1830م وظل به عشر سنوات حيث كان يُدرس علوم الدين لطلبة الأزهر واكتسب شهرة واسعة كعالم دين وفقيه في اللغة كما اتجه نحو الأدب وما يتعلق به من دراسات في الشعر والمقامات، وله الكثير من الشعر الحسن والنثر المستحسن.
كما قام بالتدريس في المدرسة الإنجليزية بالقاهرة (مدرسة الإرسالية البروتستانتية) فاتصل بكثير من الأوروبيين المقيمين بمصر وتوافدوا عليه ليعلمهم اللغة العربية خارج العمل الجامعي فاشتهر بين الجالية الأوروبية في القاهرة ومن تلاميذه المستشرقين: الفرنسي ف. فريستنيل والذي كان يعمل دبلوماسياً وهو صاحب كتاب ” رسائل في تاريخ العرب ” الذي ذكر في مقدمته أن الطنطاوي معلمه كان تقريباً العالم الوحيد في مصر الذي عمل بحب وشغف على دراسة الآثار القديمة للثقافة العربية، والإنجليزي ي. لين الذي اعتبر الطنطاوي أول لغوي في عصره وله كتب ومؤلفات عن عادات وتقاليد المصريين، والروسي ن. موخين والذي عمل مترجماً في القنصلية الروسية بمصر منذ عام 1835م ، وكان شديد الاعجاب بمعلمه الطنطاوي وتعلم على يديه الشعر العربي القديم وقرأ عليه المعلقات.
ومن تلاميذه أيضا العلامة الشيخ عبد الهادي نجا الابياري، والشيخ يوسف الأسير وهو سوري الأصل (توفي 1889م)، والشاعر الأديب إبراهيم مرزوق ( توفي 1866م ).
اصيب الطنطاوي بالطاعون في عام 1252هـ / 1836م، ومكث في معاناة لمدة عشرة أيام بلا نوم وغاب عنه الإدراك والإحساس حتى شافاه الله وتعافى، واشيع خبر وفاته ولعل كان هناك من يتمني موته بعد أن رموه بتهمة ترويج البدع اذ انصرف إلى الشعر والأدب بدلاً من الانصراف إلى الفقه والحديث وكان المشتغلون بالأدب من علماء الأزهر في وقته قليلين يعدون على أصابع اليد مثل شيخه حسن العطار وفي ذلك يقول:
تمنى أناس أن أموت وإن أمُت
فتلك طريق لست فيها بأوحد
وإن أظهروا موتي فليس بمنكر
إذا أظهر الشيطان موت محمد
وعندما طلب وزير الخارجية الروسي آنذاك ك.ف. نيسيلرودي من القنصل الروسي في مصر الكونت ميديم أن يرشح أستاذ للغة العربية والشريعة الاسلامية للتدريس بمدرسة الالسن الشرقية التابعة للوزارة حيث كانت روسيا وقتها تهتم باللغات الشرقية مثل التركية والفارسية والصينية والمغولية بجانب العربية، فتم دعوة الشيخ الطنطاوي للعمل في روسيا فقبل الدعوة بعد إلحاح القنصل عليه وحصل على الموافقة من محمد علي باشا حاكم مصر في ذلك الوقت.
وتوجه إلى روسيا في رحلة زار فيها الكثير من البلاد فغادر في 26 مارس 1840م،
وعندما وصل روسيا استقبل بالحفاوة وبدء عمله بإلقاء المحاضرات في كلية اللغات الشرقية في أول اغسطس من نفس العام 1840م، وكان يُدرس الترجمة من الروسية إلى العربية والخطوط الشرقية وقراءة المخطوطات والمحادثة باللغة العربية كما أنه درس تاريخ العرب في عام 1855م، وظل يعمل بالتدريس خمسة عشر عاما متواصلين لم يغادر روسيا منذ قدومه إليها إلا مرة واحدة زار خلالها القاهرة و بلده الأم طنطا وكانت في صيف عام 1844م.
اهتم خلال زياراته بجمع المخطوطات الشرقية وعاد في خريف العام نفسه، وفي أثناء حرب القرم بين الدولة العثمانية وروسيا قطعت علاقته بمصر التي كانت في صف الدولة العلية وقدمت المساعدات العسكرية لها، ومن زملائه الذين كان بينهم مراسلات العلامة الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي والشيخ محمد قطة العدوي والشيخ إبراهيم الدسوقي والشيخ محمد الاشموني.
وكان الطنطاوي ملماً بست لغات أخرى بجانب العربية فأجاد الروسية والفرنسية والتركية والفارسية والتترية ولم تؤثر إقامته الطويلة في روسيا وحضارتها الغربية على عقيدته ودينه، كما تم تكريمه ومنح الأوسمة تقديراً على علمه ومجهوداته الأدبية فمنحه القيصر الروسي وسام القديسة آنا عام 1850م لجهوده في التدريس لطلاب جامعة بطرسبورج، كما منحه وسام ستانيسلان وحصل على ميدالية من ملك ” فيرتمبرج” شكراً على قصيدة باللغة العربية وقد بلغت مكانته في روسيا أن عين مستشاراً في الدولة الروسية.
وله مؤلفات ومخطوطات كثيرة تدل على غزارة علمه وقد بلغت الواحد والأربعين مؤلفاً نذكر منها : تحفة أولي الالباب في اخبار بلاد روسيا، كتبه عام 1850م واهداه إلى السلطان عبد المجيد، احسن النخب في معرفة لسان العرب، النحو العربي، ترجمة مختصر روسيا، بغية المريد على مسائل التوحيد.
وفي سبتمبر 1855م أصيب بمرض اقعده عن الحركة فقد تعرض لشلل أصاب أطرافه السفلية وإمتد إلى يديه ومع ذلك فقد ظل يعمل متحدياً المرض بإرادة حديدية وكانت زوجته المصرية أم حسن التي رحلت معه إلى روسيا هي من تقوم برعايته خلال فترة مرضه ولكنها توفيت عام 1860م ودفنت هناك، وقد انجب منها ابن اسمه أحمد كان في العاشرة من عمره عندما توفيت أمه ، ليتم إدخاله مدرسة داخلية نظرا لمرض والده الشديد فلا يستطيع رعايته وبعدها توفي الطنطاوي رحمه الله في عام 1278هـ/1861م ، أما ولده أحمد فكان يصرف معاش والده وتزوج وانجب بنتاً لكنه توفي عام 1880م ودفن بجوار قبر أمه وتم إلحاق ابنته دار ايتام الاشراف باسم هيلانه واصبحت مسيحية.
ودفن الشيخ الطنطاوي في مقبرة فولكوفو الإسلامية بجوار بطرسبرج والتي كانت بها مقابر المسلمين بعد رحلة خدم فيها الأدب العربي والروسي وترك بصمة في الثقافة الاوروبية الحديثة وكتب علي شاهد قبره: (هنا مرقد الشيخ العالم محمد عياد الطنطاوي وكان مدرس العربية في المدرسة الكبيرة الإمبراطورية ببطرسبورج المحروسة، وتوفي في شهر جمادي الثاني 1278 من الهجرة عن خمسين عاماً ).

وفي عام 2016م أقيمت احتفالية كبيرة بذكرى الطنطاوي في قريته ببسيون نظمتها المؤسسة المصرية للثقافة والعلوم والتي يترأسها الدكتور حسين الشافعي، وأهدت المؤسسة لمدرسة نجريج الاعدادية المشتركة تمثال للشيخ من تصميم الفنان أسامة السروي، والتي تغير أسمها لتصبح مدرسة محمد عياد الطنطاوي.
الإعلان:
عكف شيخ المستشرقين الروس كراتشكوفسكي لمدة عشرة سنوات ليؤرخ كتاباً فريدا عن فضائل وآثار الطنطاوي، وتجربته في روسيا معترفاً بفضله على الثقافة الإستشراقية في العصر الحديث.

لا تعليقات

اترك رد