الصين .. تحديات السيادة التكنولوجية !!


 

لم يعد هنالك شك في ان الصين تتبوأ اليوم مكانة دولية كبرى تؤهلها لاستحقاق لقب القوة الكبرى المميزة من بين بقية القوى الكبرى رغم فوارق نوعية عديدة هي التي تحول حتى اليوم بينها وبين تبوأ مكانة القوة العظمى ، بغض النظر عن ترتيبها وفق هذا الوصف .

لست بحاجة لتكرار ماكتبت عنه مطولاً في السابق حول ان الصين لم تستكمل بعد ، وقد لاتستكمل أبداً ، مستحقات توصيف القوة العظمى رغم حجم ثرائها وقوتها في حسابات التوازن العسكرية ، وغير العسكرية ، التقليدية . مازالت الصين بعيدة عن الهيمنة في الاقاليم التي تسمى ” المشاعات الدولية ” ، مثل المياه الدولية المفتوحة ، كما لاتسيطر او تنافس للسيطرة على الممرات المائية الدولية باستثناء ” مضيق ملقة ” ، كما لاتمتلك شبكة تحالفات دولية تتجاوز ميادين الاقتصاد والتجارة الدولية ، ولاتمتلك سوى قاعدة عسكرية واحدة خارج أراضيها ؛ ورغم تقدمها التقني الملحوظ خلال السنوات القليلة الماضية الا ان ذلك لم ينعكس بشكل ملموس على نوعية تسلح قواتها العسكرية وخاصة تلك الفروع التي تتطلبها جغرافيتها وطبيعة مصالحها العالمية مثل سلاحي الجو والبحرية ؛ في حسابات الاقتصاد والثروة بالمقارنة النسبية ، مازال الفرق بينها وبين الولايات المتحدة يتراوح بين ٨ – ٩ تريليون دولار في الناتج القومي الاجمالي اي انها اقل بحوالي أربعين بالمائة في هذا المجال عن امريكا .

لاتزعم الصين ذاتها انها قوة عظمى ، ولاتزعم انها في طريقها الى هذا المركز حتى سماها بعض علماء العلاقات الدولية ” بالقوة المترددة ” . لاتستطيع الصين تقديم نفسها كنموذج سياسي – اجتماعي لانها مازالت تقبع في اطار نظام دكتاتورية الحزب الواحد . تعاني الصين ايضاً من شيخوخة السكان بسبب سياسة الطفل الواحد وهي قضية تمت معالجتها مؤخراً بإطلاق الولادات المشمولة بقوانين الرعاية الاجتماعية ، لكن اثار ذلك لن تظهر قبل وقت طويل ؛ اضافة لذلك هنالك التحدي الاكبر وهو تحدي التكنولوجيا ، وكما أوضحت في مقالة سابقة ان الفارق بينها وبين الولايات المتحدة هو فارق عصر وليس فارق درجة ، وان ثلث اجمالي صادراتها من السلع المصنعة يعتمد على مكونات تقنية متقدمة تستورده من مناشئ امريكية واذا ماتوقفت الولايات المتحدة عن تجهيزها فانها ستسبب كارثة كبرى للاقتصاد الصيني ، كما حصل مؤخراً مع شركة ZTE الصينية العملاقة التي تتخصص بإنتاج معدات الاتصالات لان المجهزين الامريكيين توقفوا عن تزويدها بالرقائق الالكترونية بسبب قرار عقوبات اصدره الرئيس ترامپ .

في المحصلة فان الوقائع اليومية التي تشهدها العلاقات الدولية تشير بوضوح الى ان الولايات المتحدة مازالت هي القوة العالمية الوحيدة القادرة على املاء ارادتها وفق ماتقرره قيادتها كمصالحَ حيوية ، فيما لاتزال الصين بعيدة عن هذه المكانة ، ولنا في الأزمة الايرانية – الامريكية الحالية خير مشهد يلخص واقع العلاقات الدولية الراهنة . لقد شاهدنا كيف تتخلى الشركات الاوروپية عن مشاريعها في ايران بسبب عجز اقتصاد القارة عن حمايتها من عقوبات اقتصادية امريكية ، رغم ان اقتصاد القارة مجتمعة يعتبر الاقتصاد الاول عالمياً وذلك لسبب بسيط هو ان المكانة الجيوپوليتيكية لاتترجمها ارقام الاقتصاد لوحدها ؛ صحيح ان الصين اعلنت عدم نيتها الالتزام بالعقوبات الامريكية ومن المرجح ان تستمر باستيراد النفط الايراني ، ولكن ذلك سيتم بعيداً عن الدولار ووفق ترتيبات معقدة هي اقرب الى التحايل على نظام التحويلات المالية العالمي منها الى مواجهته بنظام بديل .

ولكن ، هل تزداد الصين قوة على المستويين الكمي والنوعي ؟! هذا مؤكد ، وبالمقابل فان الولايات المتحدة تتراجع ، وان كان ذلك ببطأ بفعل زخم قوتها التراكمية الهائلة التي حازتها منذ تأسيسها وحتى اليوم ، وبفضل ثراء الرقعة القارية التي تحتلها ، ومازال حجم ثروتها الكلية يساوي اكثر من مرتين ونصف لثروة اقرب منافس اقتصادي لها وفق مقياس الثروة الشامل ( Inclusive Wealth Index ) .

هل يستمر ذلك للأبد ؟! الجواب المباشر كما اسلفت هو كلا ، خاصة وان الصين تنجح في قضيتين ، وهما : ١- توسيع نطاق سيادتها التكنولوجية وتخصص من اجل ذلك موارد هائلة تبلغ مئات مليارات الدولارات ، ولعلها اليوم هي الدولة الاولى في الانفاق على البحث العلمي وتطوير التكنولوجيا . ٢- ان الصين تقطع خطوات جوهرية ورئيسية في مشروع ” الطريق والنطاق ” ، مما يزيل آية شكوك بشأن جدواه ومايضيفه من مزايا ستراتيجية للقوة الصينية .

سيكون تركيزي على النقطة الاولى ومن زاوية محددة وهي مدى اتساع نطاق هيمنة الصين في ميدان الصناعات الالكترونية ، وخاصة الدقيقة منها ، وعلى شبكة الانترنت من خلال انشاء فضاء تتحكم فيه وطنياً ، الامر الذي يخرجها شيئاً فشيئاً من دائرة الهيمنة والاحتكار الذي تمارسه الشركات الامريكية في هذا المحال ، وهو مجال حيوي ويمثل افقاً مستقبلياً يرسم الكثير من ملامح العلاقات الدولية في العقود القادمة ، ويحدد بشكل كبير نظام توازنات القوة الدولية ، في الوقت الذي تقف فيه بلدان صناعية وقوى اقتصادية كبرى بما فيها اليابان شبه عاجزة عن تحدي القدرة الامريكية في هذا الفضاء .

للصين قصة لاتخلو من صعوبات وتعقيدات بشأن التقنيات المتصلة بالحاسوب وعلومه ، بدءاً من انشاء صناعة وطنية لاجهزة الحواسيب الى تطبيقاته في مجالات حيوية مثل الانترنت وشبكات التواصل الاجتماعي .

في عام ١٩٧٢ ، وبعد الزيارة التاريخية التي قام بها نيكسون الى الصين في فبراير / شباط ١٩٧٢ ، قام وفد امريكي مؤلف من ستة علماء كبار متخصصين بعلوم الحاسوب بزيارة الى الصين للوقوف على مدى تقدمها في هذا المجال ، وقد قبلت الصين زيارتهم لها بعد تردد طويل وبعد انتشار وشيوع اخبار خلافاتها مع الاتحاد السوڤيتي . لقد كان السوڤيت هم المصدر الأجنبي الوحيد الذي ساعد الصين منذ وقت مبكّر لوضع حجر الاساس لصناعة الحواسيب الوطنية ، ولعل الصينيين أملوا في وقت مبكّر في فتح أبواب تعاون مع الولايات المتحدة في هذا الميدان في ظل تحسن الأجواء السياسية والدبلوماسية .

كان الانطباع الذي خرج به العلماء الامريكيون هو ان الصين قد قطعت شوطاً طويلاً في مجال تكنولوجيا الحواسيب الذكية وبجهود ذاتية خالصة . وقد لاحظ الوفد ان الصينيين كانوا يسعون في وقت مبكّر الى تطوير الحواسيب التي تستخدم الترانسستورات ( Transistorized ) والدوائر الالكترونية المتكاملة ( Integrated circuit ) بعد ان كانوا يصنعون الحواسيب التي تستخدم الصمامات التقليدية ( Vacuum Valves ) . كانت سرعة الحواسيب التي ينتجها الصينيون تبلغ ١١٥ كيلوفلوپ فيما كانت الولايات المتحدة تنتج وتستخدم حواسيب تبلغ سرعتها ٣ ميغافلوپ . تمكن الصينيون ، وفي خضم الثورة الثقافية ، من تصنيع حواسيب ذات دوائر مغلقة من الجيل الثالث للحواسيب ، وبعد ذلك بوقت قصير استطاعوا زيادة سرعة حواسيبهم الى ١٨٠ كيلوفلوپ كما تمكنوا ، في خطوة اخرى ، من انتاج حواسيب رقمية Digital تعمل بالدوائر الالكترونية المتكاملة ( IC ) .

لقد لاحظ وفد العلماء الامريكيون ان لدى الصين هدف واهتمام واضح بالوصول الى انتاج وتطوير اجهزة حواسيب خارقة ( Supercomputers ) ذات سعات وسرعات كبيرة ، اكثر من اهتمامها بإنتاج اجهزة حواسيب لاغراض الاستخدام الفردي واليومي ، وهذه الستراتيجية قادت الى حل احدى المعضلات الكبرى التي تواجه الصين وتتلخص في تخلفها التقني العام مقارنة بالمنافسين الدوليين الاخرين ، وفي تقرير كتبه وفد من علماء الحاسوب الامريكيين زار الصين عام ٢٠١٦ ذكروا ان الصين تمضي قدماً في تطوير قدراتها الذاتية في مجال صناعة الحواسيب ؛ لقد حاز كومپيوتر صيني خارق من طراز ( Sunway TaihuLight ) أعلن عنه في عام ٢٠١٦ على مكانته ضمن افضل الحواسيب على المستوى العالمي ، لكنه يستخدم ولأول مرة ، خلافاً للنماذج الصينية السابقة ، مُعالجات ( Processors ) من انتاج صيني بشكل كامل ، بينما كان بناء اسلافه يتم باستخدام تقنيات امريكية .

لقد تمكنت الصين من حل احدى اهم المشكلات التي تواجهها في تبوأ مكانة عالمية متقدمة في ميدان حيوي مثل صناعة الحواسيب العملاقة او الخارقة ، الا انها مازالت تواجه مشكلات من نوع اخر في ذات الميدان وتحديداً في مجال الهواتف النقالة والحواسيب الاقل سرعة وحجماً يومية الاستخدام او معدات الاتصال الاخرى .

تعتمد الصين بشكل شبه كامل على استيراد أشباه الموصلات ( Semiconductor ) او الرقائق الالكترونية التي تؤدي عمليات المعالجات الدقيقة ( Microprocessor )، او ماتعرف برقائق السيليكون الصغيرة – وهي نوع دقيق من الدوائر الالكترونية المتكاملة ( IC ) – والتي تدخل في معظم الصناعات الالكترونية لاجهزة الاستخدام اليومي الشخصية والتجارية مثل الهواتف النقالة واجهزة الاتصالات والكومپيوترات المنزلية والمحمولة واجهزة التلفزيون … الخ ، وهي صناعات تحتل في مجملها ثلث الصادرات الصينية الى العالم . ان اغلب هذه الاجزاء يأتي من الولايات المتحدة ، وقد حاولت الصين تطوير صناعتها الوطنية من هذه الرقائق وخصصت موازنة من عشرات المليارات من الدولارات لهذا الغرض في اطار ستراتيجيتها المعلنة تحت عبارة ( صنع في الصين ٢٠٢٥ ) والتي تطمح الى التحول من خلالها الى محور تكنولوجي عالمي ،

صنع في الصين ٢٠٢٥
هذا التحدي الذي تواجهه الصين تمت الاستجابة له من خلال تبني ستراتيجية شاملة عام ٢٠١٦ لتحقيق اكتفاء تكنولوجي ذاتي بحلول عام ٢٠٢٥ من خلال تخصيص مئات المليارات سنوياً لاغراض تطوير القدرات الوطنية الصينية ، وفي مجال تقنية الحواسيب يتم التركيز على ثلاثة مجالات : أشباه الموصلات Semiconductor ، حوسبة الكم Quantum Computing ، والذكاء الاصطناعي Artificial Intelligence .

مازالت الصين تنفق حوالى ٢٢٨ مليار دولار سنوياً لاستيراد أشباه الموصلات اي مايعادل ٩٠٪‏ من حاجتها من هذه السلعة والتي تدخل في جميع صادراتها من السلع الالكترونية ، واخطر مافي هذا الموضوع هو الاعتماد شبه الكامل على المجهزين الامريكيين وقد واجهت الصين انكشافاً ستراتيجياً كبيراً في شهر اپريل / نيسان من هذا العام حين قامت ادارة ترامپ بفرض عقوبات ضريبية على شركة ZTE عملاق الصناعات الالكترونية ومعدات الاتصالات ( الرابع عالمياً ) مما ادى الى توقفها بسبب احجام المجهزين عن إمدادها باحتياجاتها ، بما في ذلك ماتحتاجه لتشغيل محطات الاتصال الخاصة بها . لقد تم رفع العقوبات بعد اتصالات سياسية على مستوى القمة في شهر يونيو / حزيران ، لكن الصين تعلم الان مدى هشاشة موقفها تجاه الولايات المتحدة في هذا المجال وغيره ؛ وقد قام الرئيس الصيني بتوجيه نداء خاص الى علماء بلاده للعمل على اختراق مثل هذا الموقف ، ووفقاً للمعلومات المتوفرة فان الحكومة الصينية تبذل جهوداً استثنائية وتخصص موارد هائلة للخروج من عنق الزجاجة هذا !! .
تبذل الصين جهوداً كبيرة وتنفق الكثير لتطوير قدراتها الذاتية في ميدان حوسبة الكم Quantum Computing التي تستخدم ميكانيكا الكم وتوفر القدرة على اجراء عدة عمليات حساب في ان واحد ، وهو حقل يحتاج الى نوع خاص من اجهزة الحاسوب . ان احراز التقدم في هذا المجال يؤمن للصين القدرة على تأمين قنوات اتصالات مُشفّرة ، كما يوفر القدرة على فك شفرات الاخرين ؛ في المجال الاقتصادي يمكن لهذه الحواسيب ان توفر منافع هائلة وخاصة في مجال تحليل المعلومات والمعطيات في معظم المجالات الصناعية . في عام ٢٠١٦ قامت الصين بإطلاق اول قمر صناعي يمكنه نقل اتصالات مشفرة من خلال هذه الوسيلة ، كما انجزت الصين مد أطول كابل لهذا النوع من الاتصالات المشفرة بين پكين وشنغهاي ، وقد بلغت كلفة انشاء احد مختبرات تطوير حوسبة الكم حوالى مليار دولار ، مما يشير الى ضخامة ماتنفقه الصين لتطوير قدراتها في هذا المجال .

اما في مجال تطوير الذكاء الاصطناعي فان الصين تنفق اكثر مما تنفق في الميدانين السابقين ، ووفقاً لاحد كبار الخبراء فان الصين ستلحق بركب الولايات المتحدة بحدود عام ٢٠٢٠ ، وستتفوق عليها في عام ٢٠٢٥ وستهيمن بالكامل على صناعة الذكاء الاصطناعي . سوف تستفيد الصين من منجزاتها في هذا الميدان في الميدان العسكري بشكل خاص مثل حشود الحشرات الطائرة المسيرة ذاتياً ، والمعدات القادرة على الدفاع ذاتياً ضد الهجمات السِبرانية والبرامج القادرة على فحص وسائل التواصل الاجتماعي وتخمين وتوقع المتغيرات السياسية ، لكنها آفاق مستقبلية لم تتحقق بإبعاد ذات طابع ستراتيجي حتى اللحظة .

لقد اعلنت الصين عام ٢٠١٧ انها تخطط لتبوأ موقع الريادة العالمية في ميدان الذكاء الاصطناعي بحدود عام ٢٠٣٠ ؛ رغم ان هذا الاعلان كان اقرب الى الأمنية منه الى اعلان ستراتيجية محددة الا انه شكل مايمكن اعتباره دليل عمل للوزارات والهيئات الحكومية المحلية من اجل الاستثمار وتشجيع الابتكار في هذا الميدان . لقد بادرت الصين الى انشاء بعض الهيئات والشركات المتخصصة في مجال إذكاء الاصطناعي مثل : Baido ( شركة صينية عابرة للحدود متخصصة بخدمات الانترنت والذكاء الاصطناعي ) و Tencent ( شركة صينية عابرة للحدود متخصصة بالإنترنت وألعاب الڤيديو ) و عملاق الانترنت Alibaba و شركة FLYTEK المتخصصة بجوانب دقيقة ذات صلة بالإنترنت . هذه الهيئات تقوم بتطوير أنظمة بامكانها قيادة السيارات وتشخيص الأمراض وادارة المدن الذكية ، وهي فضاءات حضرية تستخدم كمية ضخمة التنوع من الحساسات والمسابر التي تتولى التقاط المعطيات الخاصة بكيفية عيش الناس وتقوم بتحليلها من اجل تقليل التأثيرات البيئية الضارة وتعجيل التطور الاقتصادي وتحسين عيش الناس .

تبذل الصين ايضاً جهوداً مضنية من اجل التعامل مع الموجة الجديدة من الاكتشافات وخاصة في مجال تقنيات شبكات الجيل الخامس من الهواتف النقالة والتي من شانها تسريع عمل شبكات الانترنت الخاصة بخدمة مستخدمي الهواتف النقالة .

تنظر الصين بحسد كبير الى حجم الأرباح التي تجنيها الشركات الأجنبية صاحبة براءات الاختراع مقابل الأرباح الحدية التي تجنيها مؤسسات الانتاج الصينية التي تتولى انتاج او تجميع التطبيقات المادية لهذه البراءات . ان السبيل الوحيد لتحسين هذا الوضع هو في المزيد من السيطرة على التكنولوجيا بما يحسّن من حصة المصنعين في المنتج النهائي . لقد زادت الصين من حجم مشاركتها في التجمعات التي تعقدها شركات التكنولوجيا المتقدمة . لقد كانت الصين غائبة تقريباً عن معظم الاجتماعات الخاصة بتطوير الجيلين الثالث والرابع لمصممي تقنيات الهواتف النقالة فيما شاركت شركة Huwawei الصينية بوفد بلغ حجمه ضعف عدد اكبر وفد من بين الشركات المشاركة في مؤتمر ڤيينا الذي تولى تحديد مواصفات الجيل الخامس لشبكات الهواتف النقالة .

هنالك ميدان اخر تحاول الصين احداث اختراق فيه وهو عالم الانترنت وشبكات التواصل الاجتماعي ومواقع الأخبار . وفقاً للرئيس الصيني فأن السيادة السِبرانية تعني حق كل دولة في ان تختار طريقها الخاص في العالم السِبراني بضمن ذلك القواعد الضابطة له ، وترى الصين ان ماينبغي ان يشهده العالم هو فضاءات سبرانيات وطنية ووفق ضوابط تضعها حكومات البلدان المستقلة تحت مبدأ حقوق السيادة الوطنية لكل دولة . تعارض الصين على هذا الاساس تفرد الشركات الغربية الخاصة بالسيطرة في هذا المجال والتي تتجاوز سلطات الدول الوطنية ، وقد بذلت الصين جهوداً مكثفة لتأسيس فضائها السبراني الوطني وتعتبر تعميم هذا النموذج من ضمن أولويات سياستها الخارجية .

في هذا الصدد ركزت الصين جهودها لاصدار قواعد منظمة للإنترنت من خلال الامم المتحدة داعية الى وجوب قيام المنظمة الدولية باصدار مدونة سلوك من شأنها التاكيد على اولوية مصالح الدول على مصالح الشركات الخاصة ، وتعزيز قدرة الدول النامية في السيطرة على هذا المجال الحيوي ، وهي سياسة تلقى تأييداً من قبل حكومات هذه الدول .

اضافة الى جهودها الدولية في اطار المنظمات والمؤتمرات الدولية الخاصة بهذا الموضوع لإنجاز أهدافها بتقييد نشاطات الشركات الغربية وهيمنتها على الفضاء السِبرانية ، فقد بادرت الصين الى خطوات عملية من جانبها لتحقيق ذلك . لقد شرعت الصين في انشاء بنية تحتية هائلة لربط الصين بالمحيط الهندي والخليج العربي واوروپا بما سماه الخبراء الصينيون ” طريق الحرير الرقمي ” الى جانب مشروعها العملاق المعروف بطريق الحرير الاقتصادي ؛ الى جانب الطرق والجسور وخطوط السكك الحديد والمطارات فقد تم مد خطوط الالياف البصرية وشبكات الهواتف النقالة ومحطات الاتصال بالاقمار الصناعية ومراكز تجميع المعطيات والمدن الذكية .. مشروع عملاق من شأنه تعزيز مكانة الصين الستراتيجية .

يمكن القول بشكل عام ان هنالك تقديرات وتوقعات متفاوتة بشأن مستقبل الصين والتكنولوجيا ، لكن المؤكد هو ان الصين تمتلك الموارد وتمتلك الرؤية الواضحة لما تريده في هذا المجال ، لكن الامر يقتضي سنوات من العمل وقد يستلزم ٥ – ١٠ سنوات من الزمن للوصول الى النتائج التي تماثل ماهو متاح اليوم عن طريق الاستيراد ، ولكن حين يتحقق ذلك يكون العالم الاكثر تقدماً قد خطا بدوره قدماً الى الامام ، وبذلك تكون القضية أشبه بمطاردة هدف مراوغ غير ثابت يفلت بذات السرعة التي يتم التقدم بها نحوه ، رغم ان بعض التوقعات تشير الى احتمال تباطؤ الابتكار خلال العقد القادم مما يتيح الفرصة بشكل افضل امام الصين لتجاوز الفجوة .. لكن الواضح ان معظم انواع الرقائق الالكترونية ، حتى تلك المستخدمة في اجهزة متوسطة التقدم تقنياً ، مازال إنتاجها خارج قدرة اكثر المؤسسات الصينية تخصصاً في هذا المجال . وفي هذا الخصوص ينبغي الإشارة الى ان جميع الشركات العالمية التي تقوم بعمليات انتاج رقائق السليكون داخل الصين تفرض قيوداً امنية شديدة ورقابة صارمة للحفاظ على ملكيتها الفكرية الخاصة بهذا المنتج ، وتحرص على ابقاء انتاج انواع معينة منها في بلدان الأصل . هذا تحدٍ من جملة تحديات اخرى رغم التقدم الهائل الذي تحرزه الصين في ميدان تصميم الحواسيب والدوائر الالكترونية الذكية ولكن المشكلة تبقى مع التطبيقات العملية والقدرة على تصنيع بعض المعدات الاساسية ..

هل هنالك توقعات بشأ ن هيمنة الصين كأمر محتم .. الجواب نعم ، وهنالك من يقول ان مستقبل العالم مستقبل صيني ، ولكن الصين تواجه ايضاً عقبات ذات طبيعة ستراتيجية تتعلق بافتقارها لموارد الطاقة التقليدية وحجم السكان الهائل وتناقص الموارد المائية وزحف التصحر ، كذلك ينبغي ان نتذكر دائماً ان مكانة الدولة العظمى المنفردة لاتحكمه قضية التقدم في مجال منفرد بل لابد من توفر عناصر عديدة والتكنولوجيا احداها ، رغم انها عامل حاسم اذا ماتوفرت العوامل المساعدة الاخرى .

لا تعليقات

اترك رد