في العراق .. أسوأ إنتخابات في التاريخ .. ؟؟


 

نعم، في العراق، ” أسوأ إنتخابات في التاريخ ” ، هذا ما سمعته و أنا أتنقل بين القنوات العراقية و العربية، و بهذه الصيغة بالتحديد، على لسان مذيع في أحد هذه القنوات، قبل أيام قليلة، مما حرك في نفسي شجون، و في قلبي آلام و حزن عميق ..

يا للهول، لم تبق صفة سيئة لم يوصف العراق بها، أسوأ بلد للعيش، أسوأ البلاد أمنا و سلاما، و غير ذلك من الألقاب، و الآن أسوأ إنتخابات في التاريخ، هكذا قالها المذيع، و لا أدري إن كان هذا تقييمه الشخصي أم تقييما رسميا أو دوليا معتمدا، لكن على أية حال هو لم يجانب الحقيقة، فهذه الإنتخابات ضربت رقما قياسيا لتكون قمة المهزلة و الإستهزاء و الإستهتار بمصير البلد و رغبات الشعب ..

فمن تزوير الإنتخابات إلى حرق للبطاقات الإنتخابية إلى إعادة عد الأصوات يدويا نسبيا أو كليا ، إلى ضياع و فقدان النتائج بعد مرور أشهر على تلك الإنتخابات، دون أن نرى جهدا و إهتماما جديا لدى المسؤولين ، أو شعور بالخجل و القلق و الخوف من غضب الجماهير و زعلهم، بل لم يكلف مسؤول ما ليعلن رسميا أسباب التأخير، و المراحل التي يمر بها هذا المخاض، و الوقت التي ستعلن فيها النتائج النهائية، و إن كان هناك من سيحاسب على التزوير و التأخير و التحوير و التغيير في إرادة الشعب و مطاليبه ..

و ما نراه و نقرأه الآن، هو مجرد لقاءات و إتفاقيات و عهود و عقود بين المرجعيات و الأحزاب و الكتل على تقاسم السلطة و توزيع الكراسي البرلمانية و المقاعد الوزارية، لكننا لم نسمع أي منهم يتحدث عن خططه و برامجه للمستقبل و ماذا سيحقق، و الأدهي من ذلك أن الجماهير نفسها لم تعد مهتمة بذلك، و لا تسأل و لا تستفسر و لا تحساب و لا تحاكم، إن أخل حزب ما أو شخص ما أو كتلة ما بوعودها و برامجها ..

الفساد أصبح تحصيل حاصل، و مسرحية الإنتخابات أصبحت مملة و مزعجة، و الكل بات مقتنعا أنهم يلبسون ثيابا لا تليق بهم و لا تناسبهم، و يتداولون مفاهيم و مصطلحات غير مفهومة و لا معروفة للعامة، و ربما حتى البعض من خاصة القوم، تلك هي ” الديمواقراطية الغربية “، التي جلبتها لنا قوى الإحتلال، فباعتنا بضاعة مغشوشة، و لم تزودنا بكتيب يوضح كيفية إستخدام هذا الجهاز العجيب الغريب الذي يدعونه ب ” الديموقراطية ” ..؟؟
لقد بتنا نخجل عندما نسمع خبرا سلبيا جديدا عن العراق، و نخجل عندما يكون معنا أحد يسمع مثل هذه الأخبار، و نخجل عندما يستفسر و يتساءل عن أمور غريبة لا يفهمها البعض لما يحصل هناك، و بتنا نخجل عندما يسألون عن ما يحصل هناك و يضحكون خفية و يتغامزون من غرابة ما يجري في هذا البلد، و كأنما أصبح العراق بلدا خارج تقسيمات و حسابات الكرة الأرضية، و يحتاج إلى علم و معرفة خاصة لفهم ما يجري و يحدث فيه ..

تصوروا، آخر ما سمعناه هو” عطش ” مدينة البصرة، ثغر العراق الباسم كما كانوا يسمونها أيام الخير، و إنعدام خدمات المياه هناك، و بالمناسبة العالم المتحضر و غير المتحضر الآن يعتبر الماء و المجاري و الكهرباء و الإنترنيت و الصحة و التعليم ، كلها من الحقوق الأساسية للمواطن، و أي دولة سواء أكانت ديموقراطية أم غير ديموقراطية، عليها أن توفر هذه الأمور الأساسية لمواطنيها، بإختلاف درجات الجودة و النوعية، لكن بالطبع هناك حد أدنى معروف من هذه الخدمات يعرفه الخبراء و المختصون ..

لكن أن تفتقد واحدة من أكبر المدن في واحد من أكبر الدول النفطية في العالم، و أن تكون هذه المدينة بالذات من أكبر مواقع إنتاج النفط في هذا البلد النفطي، أن تفتقد هذه المدينة المياه العذبة، و أن لا نجد أي مخططات و لا برامج و لا تصاميم لمشاريع مستقبلية للمياه، فهذا برأيي كفر و إلحاد عظيم، مع الإعتذار لهذا التشبيه، لكنه مناسب و يفهمه جيدا من يحكمون البلد الآن، بإعتبار أنهم يحسبون نفسهم على الإسلام و المسلمين، و الإسلام منهم براء ..

سيداتي سادتي، هل وضع العراق الحالي بحاجة لمزيد من المعاناة و الألم و الحزن، لكي نحتار بماهية هذا الشئ الذي جلبته لنا أميركا ناقصا عاطلا لا يعمل، و سمته ب ” الديموقراطية “، و فرضت إستخدامه في بلد باتت نسبة الأمية و العطالة و الجهل فيه كبيرة جدا، و الكل يعرف أن هذه الديموقراطية، في بلادهم الديموقراطية، هي ليست فقط إنتخابات بل منهج للحياة و نظام متكامل يعلم و يدرس حتى للأطفال في مدارسهم بشكل ما، و هو نظام و مؤسسات و قواعد و أحكام، و ما وصل للعراق و العراقيين هو الجزء الأخير من هذا النظام ، و فقد و أضاع كل الأجزاء الأخرى مع الأسف ..

لماذا نتقبل أن نكون عرضة للإنتقاص و الإستهزاء من الآخرين، و الإنتقاد لشئ لا ذنب لنا فيه، سوى أن بلد و قوة الإحتلال أرادت أن تقلب الأمور في بلدنا رأسا على عقب، و أن يسلم بلدنا لحثالة القوم من الخونة و الفاسدين و الشاذين و شذاذ الآفاق، و أراد أن يضع عنوانا براقا لامعا لكل ما يقوم به لإقناع الرأي العام المحلي و العالمي، فأدعى أنه ينقل البلد إلى الحياة الديموقراطية ..

في شهر تموز الماضي، نشر ( مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط ) تقريرا عن العراق عنوانه ( ما وراء الأمن : تحديات الإستقرار و الحوكمة و التحديات الإجتماعية – الإقتصادية في العراق )، أعد التقرير د. حارث حسن، و ناقش فيه التحديات الإقتصادية و الإجتماعية و قضايا إدارة الدولة في العراق ..
و يشير التقرير في بدايته إلى : “ تزداد الأزمة الإجتماعية – الإقتصادية في العراق عمقا بسبب سنوات طويلة من الحروب الخارجية و الداخلية و عدم الإستقرار و تراجع أسعار النفط، بالإضافة إلى إستشراء الفساد و المحسوبية و الزبائنية و غياب الكفاءة، و إذا لم يتم إجراء إصلاحات بنيوية رئيسية، فأن الأزمة ستنعكس على الإستقرار السياسي و على علاقة الدولة بالمجتمع في العراق ” ..

و يشخص التقرير المشكلة الأساسية في عراق اليوم، أن الدولة، أو اللادولة كما أفضل أنا تسميتها ، غادرت دورها السابق كمؤسسة مسؤولة عن تنمية و تحديث المجتمع ( و هي الأيديولوجيا التي هيمنت على فهم دور الدولة على الأقل منذ منتصف القرن العشرين )، و أصبحت الدولة العراقية و مؤسساتها، و تحديداً بعد عام ٢٠٠٣، سنة الإحتلال الغاشم للبلاد، مرتعاً لسياسات الهوية و تمثيل الآثنيات والطوائف ، و مهامها الأساسية هي الفساد و القتل و السرقة و الفتن و الدسائس ..

و لم تعد الدولة ” الجديدة ” مكلفة بمسؤولية رعاية تقدم المجتمع و تطوره، لأنه لم يعد هنالك معنى مفهوم للتقدم أصلاً ( أو أن الفهم الاستهلاكي للتقدم هو الذي صار سائدا )، و صارت الدولة العراقية فضاءًا تتمثل فيه هويات و صراعات الآثنيات و الطوائف المختلفة، و أحد نتائج ذلك، هو وجود قطاع عام متضخم لا حاجة حقيقية له سوى توفير فرص زبائنية للقوى الحزبية المتنفذة في كل جماعة أثنية و طائفية، و صار التعيين في الجهاز البيروقراطي الحكومي مكافأة على الولاء أو لتوسيع شبكات المحسوبية و الفساد لتلك الأطراف، بدلاً من أن يستند التعيين على الكفاءة الفعلية و الإمكانيات و الحاجة الحقيقية للوظيفة ..

يضيف التقرير : “ أدى الفساد و عدم الكفاءة و الإدارة المافيوية للموارد و غياب الفصل بين الرسمي و غير الرسمي إلى إهدار موارد هائلة كان يمكنها أن تمنع تفاقم الأزمة، و تُساعد في مواجهة قضايا ذات أثر بعيد المدى مثل شح المياه و التغير المناخي ( يمكن القول أن جنوب العراق يفقد أهليته كمكان ملائم للاستيطان البشري ) ” ، و هنا نشير إلى أزمة المياه في البصرة التي ذكرناها آنفا، و التي تجعل من البصرة منطقة منكوبة غير قابلة للعيش البشري ..

كما يشير التقرير : “ فضلاً عن قضايا أخرى مثل الكهرباء و تحسين قطاع النقل و تطوير الإدارة الالكترونية و تنظيم الفضاء الحضري ( العراق قد يكون واحد من بلدان قليلة تفتقر لنظام بريدي بأدنى حد من الكفاءة )، لا بد من القول أيضاً، أن الثقافة المجتمعية أسهمت في تعميق بعض هذه الأزمات، كما هو الحال مع تدمير ما تبقى من مناطق خضراء و سوء استخدام الموارد المائية و مقاومة تنظيم استهلاك الكهرباء ” ..

و هنا أود التعليق على موضوع نظام البريد أعلاه، و كلنا نتذكر أيام الخير عندما كان ساعي البريد شخصية وظيفية و إجتماعية معروفة، و كان أبناء الشعب يتعاملون بحب و تقدير مع من يضمن و يسعى و يجهد نفسه صيفا و شتاءا ليوصل الرسائل إلى أصحابها و هم في بيوتهم و بأسرع ما يمكن، و هذا الكلام منذ عشرات السنوات و ليس جديدا ..

من مهازل القدر أن ينحدر العراق الذي كنا نسميه و نحن مقتنعين أنه ” عظيما ” ليتم مقارنته اليوم و كما يشير التقرير : “ أن العراق يراوح بين النموذج التشافيزي ( دولة المعونات و المنح الغارقة في الفقر )، و بين نموذج بعض دول أميركا الوسطى، حيث الدولة الهشة التي تتنازعها المافيات و العصابات، و العنف هو النشاط الرئيسي لإنتزاع الريع ” ..

و ينصح كاتب التقرير كواحد من الحلول لمعالجة الأوضاع التي يعيشها بلد غني فقير متقدم متخلف، مزدوج الشخصية كالعراق : “ بدون إعادة نظر جوهرية في دور الدولة و وظيفتها و إعادة هيكلتها، بما في ذلك إعادة تنظيم علاقتها بالمجتمع، فمن المتوقع أن تتفاقم الأزمات التي تواجهها الدولة العراقية أكثر، خصوصاً ان الطلب الاجتماعي بات – مع تراجع أسعار النفط و نتيجة للنمو الديموغرافي غير المنظم و الانهيار البيئي و ما يصاحبه من هجرة – يتجاوز قدرة الدولة و مؤسساتها على تلبيته ” ..

في نفس هذا السياق، و في مقال قصير وردني بقلم ( عبد الحميد الصائح ) تحت عنوان ( النداء الأخير )، يصف الوضع في العراق بشكل بائس يائس محزن : “ لقد تكلس كل شئ، و لم يبق في جعبة العراقي نصيحة لم يقلها، أو صرخة لم يطلقها أو توسل لم يتوسله، أو دعاء لم يقض الليل و النهار في مناجاة ربه الرؤوف الرحيم إلا و تضرع به، إنصرفوا إلى أعمالكم صامتين، و إلى مقاهيكم إن كنتم عاطلين، فليس بمقدوركم أكثر مما فعلتم، و ليس بمقدورهم فعل أكثر مما يفعلون، لا يمكن أن يتغير ماهو كائن إلا بقدر ضد قدر، أو قوة ضد قوة ” ..

ما نراه اليوم حاصلا في العراق، صعب جدا علينا فهمه و إستيعابه ، و الأصعب هو شرحه و توضيحه للآخرين، و البعض بدأ يطرح فكرة جعل البلد تحت السيطرة و الإدارة الدولية الأممية، و البعض بدأ يطرح فكرة أن البلد هذا قد فقد أهليته و قدرته على العمل و خدمة أهله و شعبه، و أفضل الأفكار و السيناريوهات تحذر من مستقبل و أيام مظلمة صعبة قادمة، خاصة مع تزايد الفساد، و بقاء نفس الشخصيات و الفئات و المرجعيات و الكيانات الفاسدة المتجذرة تتمتع بسيطرة و قدرة على العمل بمنأى عن المحاسبة و المحاكمة، و مع نضوب الموارد و زيادة الديون و تآكل البنية التحتية و إنعدام الخدمات الضرورية الأساسية الواجبة في كثير من المجالات إن لم يكن جميعها ..

كما قلنا، الوضع بات بائسا يائسا، مؤلما حزينا، و ما العون إلا من عند الله ..

لا تعليقات

اترك رد