الخصخصة أكبر عملية سطو في التاريخ

 

إن نظريات تآمر رجال المال الدوليين الذين يخططون للسيطرة على العالم قديمة قدم التطلعات الرأسمالية نفسها . و يجدر أن نشير إلى أن عمليات الخصخصة التي جرت خلال الربع الأخير من القرن العشرين والسنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين حققت مستوى لا نظير له من الربحية للمستثمرين في مختلف المجالات لم يسبق له مثيل في التاريخ الحديث . وقد ساهم البنك الدولي والمؤسسات التابعة له ( منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية ومنظمة التجارة العالمية واللجنة الأوروبية والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ومعهد أدم سميث) في ترويج مفاهيم الخصخصة وبيع القطاع العام الحكومي أو تأجيره لسنوات طويلة . الخصخصة تحول البلدان بالتدريج إلى أماكن تجمع لرؤوس المال والاستثمارات والغرباء وتفقد صلاحيتها كموطن لحياة الناس .
في بداية الثمانينات من القرن العشرين بدأت الشركات متعددة الجنسيات بعقد المؤتمرات والندوات والمعارض المجانية والحاضرات التي تمجد الخصخصة واستحواذ القطاع الخاص على القطاع العام وأملاكه وشركاته المختلفة ثم باشروا بحملة منظمة للاستيلاء على شركات القطاع العام بحجة أنها مترهلة وغير ذات فائدة اقتصادية للحكومة . وبناء على معطيات البنك الدولي فإن أكثر من مئة دولة وضعت في ذهنها برامج تخصيص العديد من الشركات القومية والوطنية والحكومية ومنذ عام 1980 تم تخصيص عشرة ألاف شركة دولية مهمة مملوكة من قبل الدولة في دول العالم المختلفة منها 4000 شركة في الدول النامية . وقد اكتشف الرأسماليون أن أموال الدولة هي وسيلتهم الوحيدة للتوسع أفقيا وشاقوليا .
وما الأزمة المالية العالمية المستمرة منذ ما يقارب الأربعين عاما إلا نتاج السياسات الاقتصادية التي تمارسها الدول ويباركها رأس المال الخاص منذ صدمة نيكسون إلى صدمة النفط إلى الخصخصة إلى عقود البوت إلى عقود الشراكة إلى العقود الهندسية الدولية . ورغم أن الحكومات التي باعت أصولها للقطاع الخاص تحاول امتصاص تداعيات السياسة الاقتصادية التي اتبعتها عبر تشجيع التصدير وتسهيل القروض وإعادة البنية وخفض القيم لكن الأزمة مستمرة وتعد أصحابها بالتفاقم والاستدانة والمزيد من الاستدانة من المؤسسات المالية الدولية التابعة أصلا لأصحاب رؤوس الأموال الكبرى .

تعريف الخصخصة :
الخصخصة تعني بيع الأصول الإنتاجية التي تملكها الدولة أو أسهمها أو حصصها لدى مؤسسات وشركات القطاع العام – كلياً أو جزئياً – إلى القطاع الخاص، وهذا ما يساير اتجاه الدولة نحو تكريس اقتصاد السوق الحر الذي يعتمد على عوامل العرض والطلب وتشجيع الاستثمارات الخاصة والمبادرات الفردية.

أصولها التاريخية :
برزت فكرة الخصخصة على صعيد الدراسات النظرية ردَّ فعل على الأفكار الكينزية والشيوعية الداعية إلى تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي؛ مما أدى على حسب ما أورده أنصار الخصخصة إلى تفاقم الأزمات الاقتصادية لدى العديد من الأنظمة ذات التوجهات التدخلية في السوق والاشتراكية، إذ أرهقت اقتصادياتها بالديون الخارجية وعجزت ميزانياتها العامة عن تحقيق متطلبات التنمية، كما تضاءل مستوى الإنتاج لديها وازدادت نسب الاستهلاك والتضخم والبطالة الفعلية والمقنَّعة وتقلص الادخار واستثمار رؤوس الأموال وتراجع إسهام القطاع الخاص في بناء الاقتصاد الوطني إلى مستوى هامشي لا يتناسب مع ما يمتلكه هذا القطاع من إمكانات مالية وفنية قادرة على الإسهام على نحو فعال في تنمية الاقتصاد الوطني.
ومن هنا أتت دعوات الإصلاح الاقتصادي والمالي والإداري المدعومة من مؤسسات التمويل الدولية كصندوق النقد والبنك الدوليين ، لإعادة هيكلة الاقتصاديات الوطنية وفق مبادئ اقتصاد السوق الحر والابتعاد قدر الإمكان عن رواسب التخطيط المركزي ومساوئ ملكية القطاع العام وإدارته للمنشآت الاقتصادية وتحويل الملكية العامة للدولة إلى القطاع الخاص، أي ما أطلق عليه تعبير “الخصخصة”.
وتعود فكرة الخصخصة بأصولها التاريخية إلى ما ذكره المفكر الإسلامي ابن خلدون في كتابه “المقدمة” منذ العام 1377م حول أهمية اضطلاع القطاع الخاص بالإنتاج وتوزيع الناتج في المجتمع ، وهذا ما شرحه بالتفصيل فيما بعد مفكر الاقتصاد الرأسمالي الحديث آدم سميث في كتابه “ثروة الأمم” الصادر عام 1776م، وذلك عندما دعى إلى الاعتماد على قوى السوق والمبادرات الفردية من أجل زيادة التخصص وتقسيم العمل وتحقيق الكفاءة الاقتصادية.
حيث ما لبثت أن لجأت معظم الدول النامية التي نالت استقلالها منذ بداية حقبة الستينيات من القرن العشرين إلى إجراء بعض التحولات الاشتراكية بواسطة تأميم الاستثمارات الخاصة التابعة بغالبيتها للدول الاستعمارية سابقاً واعتماد نظام الاقتصاد المخطَّط أو الموَّجه وإنشاء مؤسسات القطاع العام المملوكة من قبل الدولة التي احتكرت إنتاج معظم النشاطات الاقتصادية الأساسية للدولة وتسويقها، كما حدَّدت أيضاً المجالات التي يقتصر على القطاع الخاص ممارسة نشاطاته فيها. وقد تذرَّعت حينها الدول النامية بضرورات تخليص المجتمع من رواسب الاستعمار والتخلف والسيطرة الرأسمالية على اقتصادها الوطني والنهوض بمتطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية بما يتعدى طاقة القطاع الخاص.
ولكن مع سقوط جدار برلين والأنظمة الشيوعية في أوربا الشرقية والاتحاد السوڤييتي منذ نهاية عقد الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن العشرين وإنهاء ما يسمى بالحرب الباردة بين القوى العظمى، اتَّجهت معظم الدول النامية نحو إجراء عدد من الإصلاحات الهيكلية لاقتصادياتها الوطنية وبضغوط من صندوق النقد والبنك الدوليين، وذلك لكي تتوافق أنظمتها الاقتصادية مع مبادئ اقتصاد السوق.
فقد تبيَّن لهذه الدول قصور القطاع العام لديها عن تلبية جميع الحاجيات الأساسية للمجتمع نتيجة لانتشار عوامل الروتين والفساد الإداري كالهدر والرشوة والمحسوبية والبطالة المقنَّعة وعدم تحقيق التكافؤ بين تكاليف الإنتاج وسعر المبيع، وخاصة مع فقدان عنصر المنافسة ، وهذا أدى إلى خسارة العديد من مؤسَّسات القطاع العام ، في الوقت الذي بقي فيه نشاط القطاع الخاص عاجزاً عن الإسهام الفعلي في عملية التنمية وتلبية متطلبات المجتمع نتيجةً للقيود المفروضة عليه من قبل السلطات العامة ، مما أحدث خللاً واضحاً في السياسات التنموية لدى معظم الدول النامية ، بل لدى العديد من الدول المتقدِّمة.

أشكال الخصخصة :
1- الخصخصة الكليَّة أو الجزئية: إذ يتم طرح جميع أصول الشركات العامة وأسهمها للبيع مباشرة أو في أسواق الأوراق المالية. وقد تكون الخصخصة جزئية عندما يُطرح للبيع قسم أو نسبة فقط من أصول هذه الشركات وأسهمها وتحتفظ الدولة بملكية الباقي.
2- الخصخصة الشعبية أو العمالية: وهنا تطرح الدولة جميع أصول شركاتها العامة وأسهمها أو بعضها للمساهمة الشعبية من جميع المواطنين والأجانب. وقد تعمد إلى بيع هذه الأصول والأسهم فقط للكادر الإداري والعمالي في المؤسّسة المراد خصخصتها أو منحها لهم مجاناً أو بأسعار رمزية.
3- خصخصة الملكية أو الإدارة: قد تلجأ الدولة إلى التخلي عن ملكية المشروع العام كلياً أو جزئياً، وقد تستمر بالاحتفاظ بملكية القطاع العام مع تحويل الإدارة إلى القطاع الخاص بموجب عقود إدارة وتشغيل واستثمار.
مزايا ورزايا الخصخصة
هناك حوار حامي الوطيس بين مؤيدي الخصخصة ومعارضيها فمنهم من يؤيدها حتى العظم متسلحا بمزايا ومنهم من يعارضها حتى نقي العظم ويصر على رزاياها:

مزايــا الخصخصـة:
1- تكريس مبادئ اقتصاد السوق وآلياته.
2- تنمية القطاع الخاص للمشاركة في عملية التنمية.
3- التخفيف من حدة احتكار القطاع العام للنشاطات الاقتصادية.
4- التخلص من المشاريع العامة الخاسرة وديونها.
5- الحد من استغلال القطاع العام في الأغراض والمصالح الشخصية.
6- تحرير القطاع العام من القيود المفروضة عليه من الأجهزة الحكومية.
7- تطوير الكفاءة الإنتاجية والإدارية والتسويقية.
8- تشجيع المنافسة لتحقيق منتجات ذات نوعية أفضل وبأسعار أقل.
9- تخفيض تكاليف الإنتاج و الهدر ونهب المال العام.
10- الحصول على التكنولوجيا الحديثة وبأقل الأسعار.
11- التخلص من البطالة المقنَّعة والفائضة.
12- تشجيع الادخار المحلي وتشغيله.
13- توفير عبء مالي على الدولة.
14- زيادة معدلات الربح.
15- حصول الدولة على موارد مالية إضافية.
رزايا الخصخصة :
1- الحد من سلطات الدولة وفعاليتها في المجال الاقتصادي.
2- النيل من الحقوق والمكتسبات الاجتماعية للطبقة العاملة.
3- تغليب النمط الرأسمالي المستغل على الإنتاج والتسويق والإدارة.
4- الوقوع في فخ الفوضى ونهب القطاع العام.
5- تحكُّم القطاع الخاص بتحديد أسعار المنتجات.
6- زيادة أرباح المساهمين الأغنياء على حساب ذوي الدخل المحدود.
7- ارتفاع مستوى البطالة.

الخصخصة مفهوم رأسمالي :
مع بداية الثمانينات من القرن العشرين لم يعد أحد يستطيع أن ينكر ما يجري في العالم من هندسة وهندرة . فالأزمات الاقتصادية تحدث بشكل دوي يستفيد منها أناس ويتضرر منها أناس ويصعد أناس على حساب أناس وصار الناس يتحدثون علانية عن النظام العالمي الجديد بحيث تنعدم الضوابط الأخلاقية في التنافس بين المؤسسات والشركات وصار تركز رأس المال الفاعل القوي في ثلاثة أقاليم أساسية هي أوروبا الغربية واليابان والولايات المتحدة الأمريكية في حين كان الصين تستعد لتلبية دعوة رئيسها في ذلك الوقت عندما نادهم قالا : “أيها الصينيون اغتنوا” . وكان على هذه القوى الرئيسية الثلاثة إيجاد أسواق جديدة لمنتجاتها التي بدأت تكسد في الأسواق لهذا السبب انتشرت موجة الدمج والاستحواذ والشراء وبيع الأصول في العديد من الشركات خوفا من الوصول للإفلاس ولا تزال هذه الموجة مستمرة حتى الآن في الكثير من دول العالم الغني ثم بدأ العالم الفقير يتبع خطوات الأغنياء في عمليات الخصخصة ففي عام 1994 زاد عدد الهيئات المدمجة والمشتراة بنسبة 47% عما كان علية الرقم في عام 1993 وفي عام 2017 وصل عدد الشركات المشتراة أو المدمجة ما يقارب 72% عما كان عليه الرقم في عام 2000 . المشكلة الكبرى هي ندرة رأس المال وصعوبة الحصول عليه في السنوات الأخيرة وتركز معظم الرساميل في صناعات محددة بعينها مثل صناعة البرمجيات والاتصالات والموصلات الذكية والتكنولوجيا العالية ونلاحظ انزياح مؤشر الصناعة نحو الصناعات الكمالية على حساب الصناعات الطبية والإستراتيجية مثلا . فالأبحاث العلمية في صناعة الذكاء الصناعي ونتائجها فاقت مائة مرة التقدم الصناعي في الأبحاث الطبية الخاصة بالسرطان أو الايدز أو الأوبئة الأخرى . والطريف في الأمر أن في عام 1981 قدم السيد أدوين ج فولنر رئيس مؤسسة هيراتيج وهي من اليمين المتطرف وثيقة تقارب الألف صفحة للرئيس رونالد ريغان في ذلك الوقت تشرح لرئيس الولايات المتحدة أهمية ربط المساعدات الأمريكية للخارج بمشاريع الخصخصة لإجبار الدول النامية على اللحاق بركاب الولايات المتحدة وتحويلها إلى تابع ضعيف يدور في فلك الشركات الكبرى الرأسمالية . ولهذا السبب أيضا انتشرت الكارتيلات التجارية والشركات الاحتكارية والشركات القابضة والشركات متعددة الجنسيات بهدف مد الأذرع في كل مكان ممكن وقامت بتأسيسي حوالي 80 شركة في الخارج من أقوى الشركات الاحتكارية التي تهدف إلى السيطرة على أصول الحكومات وتعميم الفساد والهدايا والهبات وبرامج التنمية وشركات التمويل والاستحواذ على كل المقدرات تقريبا . كما نشر معهد أدم سميث في بريطانيا تقريرا في عام 1985 يمجد انجازات المرأة الحديدية مارغريت تاتشر في البرامج الراديكالية لليبرالية البريطانية . وكانت الذريعة التي أطلقها المنظرون هي الديون القومية والعجز في ميزانيات الدول وقد أطلق صندوق النقد الدولي واللجنة الأوروبية برنامجا مغريا للدول الفقيرة التي يقودها إما الأغبياء أو الخبثاء أو المتآمرين مفاده أن على الدول الفقيرة أن تنفذ قانونا اقتصاديا جديدا يتطلب السرعة في تسديد الديون وخفض العجز السنوي في الميزانية وهنا يصيب الرأسماليون عصفورين بحجر واحد وهو الإسراع في تسديد الديون خشية تحريكها والثاني إكراه الدول على بيع أصولها وشركاتها في قطاعات محددة مربحة تخطفها الشركات المتعددة الجنسيات والتي هي أساسا أعضاء في صندوق النقد الدولي . وقد رافق مشاريع الخصخصة أحلاما كثيرة للدول والشعوب الفقيرة لكنها لم تجن منها شيئا إلا المزيد من التردي في الحالة الاقتصادية والقيود والمزيد من الديون والعجز في الميزانية . أما في الشمال فقد اتبع الرأسماليون سياسة مغايرة للجنوب والدول الفقيرة بسبب التقليد الاجتماعي فصاروا يصفون الحكومات الواقعة تحت تأثير الديون بأنها حكومات مريضة لمجتمعات مريضة وأن على الدول التي تريد الانضمام إلى دول الإتحاد الأوروبي ومعاهدة ماستريخت عليها أن تخفض نسبة العجز إلى ما دون 3% من إجمالي الناتج المحلي ويجب أن لا تزيد ديونها عن 60% من إجمالي الناتج المحلي .
ثم بدأ صندوق النقد الدولي والبنك الدولي واللجنة الأوروبية إلى ضرورة تحقيق متطلبات ماستريخت عبر تسديد الديون وخفض العجز إما بيع الشركات و الخدمات وإما بخفض الخدمات ورفع الضرائب ثم بدأت هذه الدول بالخصخصة . وقد سجل مؤشر الأداء صعوبة تنفيذ الخصخصة في الدول الأوروبية أكثر من الدول الفقيرة لأسباب يمكن تفصيلها في بحث آخر . ويمكن أن نأخذ مثال خصخصة شركة رينو الفرنسية حيث ألغيت أكثر من 83596 وظيفة بعد الخصخصة وصار حوالي 36% من العمال أصبحوا خارج سوق العمل وزادت أرباح الشركة بما يساوي 70% بسبب تغيير نظام العمل فعمدت الحكومة الفرنسية إلى أسلوب تعويض العمال بسبب الخصخصة .

تطبيقات الخصخصة في بعض الدول :
تختلف أسباب الخصخصة وإجراءاتها ووسائلها بين دولة وأخرى بحسب مستوى التطور والوعي الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والظروف الخاصة بكل بلد. فالهدف من الخصخصة لدى الدول المتقدِّمة هو التخلص من المشروعات الحكومية الخاسرة وإتاحة الفرصة للقطاع الخاص لزيادة إنتاجيته وأرباحه وتشغيل مدَّخراته. في حين تلجأ عادة الدول النامية إلى تطبيق إجراءات الخصخصة بوصفها جزءاً من برامج شاملة لإعادة هيكلة اقتصادياتها الوطنية ورفع كفاءتها الاقتصادية وتصحيح عجز الموازنة العامة.
ومن أبرز الدول التي قامت بتطبيق سياسة الخصخصة: بريطانيا وروسيا والأرجنتين والبرازيل وتشيلي وكولومبيا وأندونيسيا والفليبين وباكستان وماليزيا وزامبيا وتنزانيا ونيجيريا وتشاد وغانا وكينيا وأوغندا، إضافة إلى معظم دول المنظومة الشيوعية سابقاً في أوربا الشرقية، وبعض الدول العربية كمصر والجزائر وتونس والمغرب ودول الخليج العربي. وفيما يأتي بعض الأمثلة:
1- في بريطانيـا: قامت الدولة بتشجيع سوق الأوراق المالية لشراء أسهم الشركات العامة والخاضعة للخصخصة، وكذلك بتعبئة إعلامية واسعة لتشجيع تحويل مدخرات المواطنين للاستثمار في الشركات الجديدة. وقد تمَّ منح العاملين الأولوية بشراء الأسهم وبقيمة مخفَّضة. كما اتَّبعت الحكومة أسلوب التدرج في تحويل بعض المؤسّسات العامة إلى القطاع الخاص ووضعت شروطاً تتمثّل في عدم السماح للأجانب في المشاركة بعضوية مجالس إدارة هذه المؤسّسات. ولم تسمح للمساهم بأن يمتلك أكثر من 15% من أسهم المشروع. كما احتفظت الدولة لنفسها بما يسمَّى بالسهم الذهبي الذي يمنحها حق تعيين ممثل لها في مجلس الإدارة ، وهو عادة من رجال الأعمال وليس من الموظفين الحكوميين. وقد شملت عملية الخصخصة في بريطانيا قطاعات الطيران والاتصالات والطاقة والإسكان والصحة.
2- في مصـر: لجأت الحكومة المصرية منذ منتصف السبعينيات من القرن الفائت إلى تطبيق سياسة الانفتاح الاقتصادي الموصى بها من قبل صندوق النقد والبنك الدوليين، وتستند إلى مبادئ اقتصاد السوق الحر وجذب رؤوس الأموال الخاصة للإسهام في عملية التنمية وإنشاء مناطق التجارة الحرة. ولكن لم تبدأ الحكومة المصرية عملية الخصخصة إلاَّ مع بداية عقد التسعينيات عندما لجأت إلى تحرير سعر صرف الجنيه وتعويم سعر الفائدة وتأسيس شركات قابضة. وقد تمَّ السماح تدريجياً للقطاع الخاص بالدخول للاستثمار في القطاعات التي كانت تعدُّ حكراً على الدولة، ولكن مع احتفاظ الدولة بملكيتها للمرافق والبنوك العامة وشركات الإنتاج الحربي. كما اعتمدت السلطات أسلوب بيع جزء من أسهم شركات القطاع العام بالتدريج لغاية بيعها بالكامل للقطاع الخاص أو باللجوء إلى طريقة المزاد العلني. وكانت من أبرز المشاكل التي واجهت تنفيذ البرنامج المصري للخصخصة ما يتعلَّق بالديون المتفاقمة لشركات القطاع العام والعمالة الفائضة وضعف الادخار المحلي. وقد شملت الخصخصة معظم النشاطات الصناعية والتجارية العامة.
3- في الخليـج العـربي: عمدت بعض الدول كالكويت والبحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة إلى خصخصة بعض مشاريعها العامة في مجال الكهرباء والمياه والمواصلات والصيرفة والتأمين والصناعة، وذلك بهدف تخفيف الأعباء عن موازناتها العامة وتحقيق الاستخدام الأمثل لمواردها ولزيادة الدخل والناتج القومي، ولكن مع الاحتفاظ أحياناً بمعظم أسهم الشركات التي تُدير الخدمات والمرافق العامة. وكانت تتم الخصخصة بطريق البيع المباشر، أو بطرح الأسهم في سوق الأوراق المالية، أو بالاكتتاب العام لجذب صغار المستثمرين.
4- في ســورية: ثارت نقاشات عديدة لدى جميع الأوساط السياسية والاقتصادية والعلمية منذ أواخر القرن الماضي حول ما إذا كان من الضروري الحفاظ على دور القطاع العام في عملية التنمية رغم كل مساوئه أو اللجوء إلى تطبيق سياسة الخصخصة كما حصل في العديد من بلدان العالم. وقد استقر الرأي مؤخراً على اعتماد «اقتصاد السوق الاجتماعي»، وهو مفهوم وسط بين الاقتصادين الرأسمالي والاشتراكي. إذ يعتمد مبدئياً آليات اقتصاد السوق الحر القائم على عوامل العرض والطلب وتشجيع الاستثمارات الخاصة، ولكن مع ضبط إيقاع هذه الآليات عبر تدخل الدولة لمحاربة المحتكرين والحفاظ على الحقوق والمكتسبات الاجتماعية وفسح المجال أمام كل القطاعات الاقتصادية، بما فيها الحكومية لإثبات ذاتها في إطار اقتصاد السوق الحر.

مراجع
-أنطوان الناشف، الخصخصة (التخصيص) مفهوم جديد لفكرة الدولة ودورها في إدارة المرافق العامة (منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت 2000م).
– حسين عمر، الغات والخصخصة (دار الكتاب الحديث، القاهرة 1997م).
– سامي عفيفي حاتم، الخبرة الدولية في الخصخصة (دار العلم للطباعة، القاهرة 1994م).
– عبده محمد فاضل الربيعي، الخصخصة وأثرها على التنمية بالدول النامية (مكتبة مدبولي، القاهرة 2004م).
– محمد رياض الأبرش ونبيل مرزوق، الخصخصة (آفاقها وأبعادها) (دار الفكر، دمشق 1999م).
– محمد صالح الحناوي وأحمد ماهر، الخصخصة بين النظرية والتطبيق (الدار الجامعية للطباعة والنشر والتوزيع، الإسكندرية 1995م).
– فتحي أبو الفضل وعز الدين حسنين ومحمد القفاص، دور الدولة والمؤسسات في ظل العولمة (مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 2004م).
– مجلة الجيل ، 1999 العدد 3 ، المجلد 20
– الموسوعة القانونية ، دمشق ، الجزء الثاني ، 2018
– الموسوعة العربية ، دمشق ، الجزء 12

لا تعليقات

اترك رد